اختتم الاستاذ محمود سامي البارودي قصيدته الشهيرة تأوب طيف من سميرة..بالبيت القائل:

وعَمَّا قَلِيلٍ يَنْتَهِي الأَمْرُ كُلُّهُ… فَما أَوَّلٌ إِلاَّ وَيَتْلُوهُ آخِرُ.

وقال الله تعالى في كتابه العزيز مخاطبًا النبي محمد، صل الله عليه وسلم: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (الزمر 30)

وهذه هي الحقيقة الأولى التي يجب أن نتعلمها في الحياة، حتى لا تأخذنا العظمة وننسى أو نتناسى أن لكل شيء نهاية، فيتقلص دور مساهمتنا في الحياة ويخيل إلينا أنها باقية، واستكمالًا للمقال السابق الذي تحدثنا فيه عن السبل التي اتبعها بعض البشر فيما مضي لتحقيق الخلود. دعونا نتخيل ولو لدقائق ماذا لو أننا نعيش حياة خالدة! كيف سيكون شكل البشر وطباعهم؟ كيف سيكون الحب والتقدير؟ وما مكانة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية؟!

إن الأرض التي نعيش عليها تحمل على ظهرها من الأحياء ما يتجاوز 7 مليارات من بني البشر، هذا بالإضافة لما يقارب 73 ألف حالة وفاة يوميًّا في المتوسط، و100 ألف حالة ولادة كل 24 ساعة. فحتى بوجود مبدأ الموت والفناء، كما أثبتت الدراسة التي أجرتها منظمة الصحة العالمية في سبتمبر 2018 أن هناك ما يعادل 821 مليون شخص يعانون من الجوع، وأكثر من 150 مليون طفل يعانون من التقزم، وهو ما يُعرض هدف القضاء على الجوع للخطر، وعلى الرغم من كل التقدم الذي وصل العالم له، والانفتاح والتحضر وغيرها من العوامل التي تساعد على بناء عالم أفضل، لم نتمكن بعد من حل بعض المشكلات التي تعين كل البشر التمتع بالحياة الكريمة، ورغم كل حالات الوفاة تلك ما زال تعداد البشر في العالم في ازدياد وهذا طبيعي، لكن غير الطبيعي هو رؤية البشر بعضهم إلى بعض على أنهم عبء على المجتمع حتى تفاقمت المشكلة. ومع الخلود ستتفاقم كل تلك المشكلات بطبيعة الحال. فعلى سبيل المثال، إن كنا لن نموت أبدًا فأول ما سيحدث أن تعداد البشر سيزداد حتى يشهد انفجارًا سكانيًّا، فلا المساكن ستكفي، ولا الطعام سيكفي، وبالتالي فإن موارد العالم ستتناقص بسرعة هائلة إلى أن تفنى، فإن كانت تلك الموارد لا تكفي 7 مليارات نسمة حاليًا، فكيف لها أن تكفي احتياجات أفواه لا تتوقف عن الزيادة. كما سيزداد معدل التلوث وتتعرض الحياة البرية أيضًا للخطر.

أما النظام الغذائي فسيضطر الحكومات للتدخل وتحديد احتياجات الفرد اليومية وتوزيعها بطريقة محسوبة، لكن الأمر لن يطول، فحتى المتطلبات الأساسية لن تتوفر لمدة طويلة، وسيتقاتل الناس على أقل قدر من اللقيمات، ويظهر ذلك جليًّا في المجاعة التي تعرضت لها الصين خلال الحرب العالمية الثانية، والتي اضطرت العائلات لبيع أبنائهم مقابل حفنة من الأرز أو الشعير. ويمكن مشاهدة فيلم بعنوان 1942 للوقوف على بعض من تلك الحقيقة. لكن حتى مع الاقتتال والصراعات التي ستظهر، فلن يموت أحد وذلك لانعدام الموت، بل سنتحول جميعًا إلى هياكل عظمية تسير على الأرض، وستسيطر علينا حالات مزاجية سيئة من جراء ما نشعر به من تعب طوال الوقت بسبب نقص التغذية. ولكن قبل هذه المرحلة سيحتم على الحكومات تحريم الإنجاب، وسيكون التهديد بقطع حصص الطعام عن من ينجبون، وهذا أقسى عقاب من الممكن أن يتعرض له أحدهم، وكما أن القتل هو أشد العقوبات وأقساها في زماننا هذا، فسيصبح الإنجاب برتبة جريمة القتل نفسها زمن الأبدية؛ ذلك لأن من ينجب يقتطع غذاء شخص آخر.

أما من الناحية العملية فسيضطر الأغلبية للتقاعص عن أعمالهم لما يشعرون به من تعب وسوء مزاج. ومن ثم سيمتنع الكل عن العمل لعدم وجود الدافع أو الرغبة. وهو الأمر الذي سينتج من التسويف، واختلاق الحجج والأعذار. فإننا وإن كنا نسوف أداء بعض الأمور الآن نظرًا إلى وجود الوقت، رغم محدوديته، فأنى لأناس لديهم كل الوقت بلا نهاية أن يعملوا؟ باختفاء بعض العقوبات كالقتل، والإعدام، سيتوجب على الحكومات أن تعاقب الناس بالحبس أو بالتعذيب الجسدي أو قطع الغذاء، وهذا يعد رعبًا لا قِبل لأحدهم به.

كما أن الحياة الأبدية ستضطرنا للتفكير في تغيير نمط الحياة، وتبديل من نعيش معهم من أهل وأزواج. فمن ذا يريد أن يحيا للأبد مع الشخص نفسه دون ملل إن كان لديه كل هذا الوقت! وإن انتفى الإنجاب الذي هو من أهم دوافع الزواج سينتفي بعدها الزواج، وسيكثر الطلاق وستعم الفوضى الجنسية. سنسافر بلا توقف وسنرتحل بلا انقطاع، ولن يكون هناك خوف سوى خوف نقص الزاد. سنحاول أن نكتشف كل جزء في هذا العالم لأنه لا خوف من الموت، بل الأشد من الموت سيكون تطبيق القوانين التي تفرضها الحكومات.

والقوانين ستولد صراعات لا تنتهي على السُلطة، فكلنا نريد أن نكون من يُسن القوانين إلى الأبد لا من يتبعها فقط، ربما سنستكشف عوالم أخرى وتتحسن طباع بعض الأشخاص بمرور الوقت، بل من المؤكد أن الظلم والخيانة والكبر ستصبح من الطباع السائدة، لأنه لا أحد سيموت وهو ما سينهي الخوف من العقاب.

وحينها فقط يمكن استخدام كلمة أبدي؛ لأن الأبدية قد تحققت، ومن سيقول أحبك للأبد فسيكون عليه أن يثبتها بالأفعال. لكننا لا يمكن أن نتغافل عن الترتيب لحدوث الأسوأ. ولكن وحتى ذلك الحين فدعني أقول لك إن الموت هو أكبر محفز للحياة؛ فنحن نأتي للحياة بأعمار غير معلومه تحفزنا على العمل كل يوم لنترك صورة طيبة وذكرى حسنة لمن يأتي بعدنا، لنتخيل كم الملل والتقاعص والفوضي الذين يمكن أن يسيطروا علينا لو سرنا الطريق نفسه كل يوم، لو تعاملنا مع شخصيات منافقة وظالمة كل ساعة! أوليس من الممل أن نحزن للسبب نفسه يوميًّا؟! لأنه وبعد أن اكتشفنا الحياة كلها طولًا وعرضًا، سنصل بكل حتمية لذلك السؤال القائل: ثم ماذا؟

لذلك حق قول الله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ»” (القمر 49). قدر معلوم، وكيفية معلومة، وهيئة معلومة. مبهمة أحيانًا وخفية في الكثير منها، متعنا الله وإياكم بأعمارنا، وجعلنا من التاركين لما ينتفع به.

دمتم في حفظ الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الموت

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد