ملحوظة أولية: لا تشغل نفسك بالبحث عن إسقاطات مباشرة في قصص التاريخ، فتفاصيل واقعنا لا تتشابه وأي تاريخ مضى!

-1-

يحكي الفيلم التشيلي (NO)، الذي رشح لجائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي في عام 2013، قصة الحملة الدعائية التي قامت بها أحزاب المعارضة التشيلية في عام 1988 للتصويت بلا في الاستفتاء الخاص باستمرار أجوستو بينوشيه، رئيس تشيلي العسكري، في الحكم لفترة رئاسية جديدة بعد بقائه بسدة الحكم لمدة امتدت خمسة عشر عامًا.

في ذلك العام، تزايدت الضغوط الدولية على بينوشيه ليعقد أول تمثيلية ديمقراطية متقنة بعهده، أضطر بينوشيه مجبرًا أن يعلن عن الاستفتاء على استمراره بالحكم طبقًا للدستور الشيلي، وأن يعطي لمعارضيه للمرة الأولى وقتًا محددًا لإذاعة حملتهم المناهضة له بالتليفزيونات الرسمية. كان واثقًا من قدرته على السيطرة على مقدرات الاستفتاء، كان يتعامل بأريحية شديدة مع تلك اللعبة.

ستستمر الحملة سبعة وعشرين يومًا، يخصص لكل من المؤيدين والمعارضين خمس عشرة دقيقة في كل يوم فيهم لعرض فيلم دعائي لموقفهم المؤيد أو الرافض لاستمرار الديكتاتور بالحكم.

قرر المسئولون من تابعي بينوشيه أن تُعرض فقرات الحملتين بساعات متأخرة من الليل حتى لا يشاهدها أي من الجماهير النائمة، قالوا إنهم لا يهتمون بعدم مشاهدة الجماهير لحملتهم المؤيدة لبينوشيه، فهم ليسوا بحاجة لحملات، ولكنهم حريصون على ألا يشاهد الشيليون حملة (NO).

رينيه سافديرا، الذي يقوم بدوره الممثل المكسيكي الرائع جارسيا بارنال، هو أحد أفراد الفريق القائم على الحملة المعارضة, وهو صاحب نظرة مخالفة لباقي أعضاء الفريق بخصوص طريقة إداراتها. لم يكن رينيه سافديرا سياسيًّا منظمًا تقليديًّا مثلهم، فقد كان شابًا يعمل بإخراج وتصميم الإعلانات من خلال وكالة إعلان تشيلية شهيرة. ولطبيعة عمله فقد كان مهتمًا بمخاطبة عقلية المشاهد وجذبه، كان يهتم بكيفية ترويج سلعته بنجاح.

اجتمع رؤساء سبعة عشر حزبًا، أغلبهم من التيار اليساري وروافده، للتخطيط لحملة التصويت بلا. اتهمهم الراديكاليون بالمشاركة في تمثيلية هزلية غرضها الوحيد هو تزيين وجه نظام بينوشيه وإضفاء شرعية لديكتاتوريته عبر غطاء ديمقراطي شكلي. أما أعضاء الحملة فكانوا يرون في الاستفتاء فرصة كبيرة لفضح ممارسات بنوشيه الديكتاتورية الدموية العنيفة، وتوسيع رقعة مؤيدي المعارضة بين الشيليين. ولكن كان لرينيه سافديرا رأيًا آخر، فقد كان معتقدًا فعلاً ومؤمنًا حقَّا باستطاعة الحملة وقدرتها على إسقاط بينوشيه.

-2-

في عام 1970، وصل الرئيس الثوري الاشتراكي (سلفادور الليندي) إلى رئاسة شيلي عبر صندوق الانتخابات، كان أول زعيم اشتراكي منتخب بأمريكا اللاتينية، سبقه فيديل كاسترو إلى قيادة كوبا من خلال ثورة مسلحة. قال كاسترو إن سلفادور الليندي هو أول قائد بالعالم ينجح في تحقيق تغييرات جذرية ثورية عبر إجراءات دستورية، قال إن تجربة الليندي فريدة من نوعها.

بصيف عام 1973, بالتحديد بيونيو، كانت محاولة الانقلاب العسكري الأولى ضد سلفادور الليندي. حاصرت الدبابات قصره، حاول بعض الجنرالات الإطاحة به. فشلت تلك المحاولة وظل الليندي ممسكًا بالحكم، وتم إجبار قائد الجيش على التنحي تحت ضغوط من الطبقة العليا، وحل محله الجنرال أوجستو بينوشيه.

كان الليندي قد بدأ في تهديد مصالح الولايات المتحدة بتقاربه مع كاسترو، وكذلك والأهم أنه هدد مصالح الأغنياء بسياساته المنحازة للفقراء عن طريق تأميم المؤسسات، وإعادة توزيع الأراضي، والسعي إلى دولة عدالة اجتماعية حقيقية. لذلك – ولذلك فقط- ما يزال الليندي زعيمًا تبجله كتب التاريخ، ولذلك – ولذلك فقط- كانت وما زالت أغلبية الشعب الشيلي الفقير تحتفي به، ليس لأنه رئيس شرعي أو لأنه يحافظ على صلواته أو يحفظ الكتب الدينية، ولكن لأنه انحاز فعلا لأبناء شعبه الفقراء، كما لم يفعل أي من رؤسائنا منذ سنين.

ملحوظة أخرى: ينطق اسم الليندي (أليندي)، ولكني كتبتها كما جرت العادة.

-3-

رأى رينيه سافديرا – طبقًا للفيلم– أن الساسة ببلده لا يدركون بماذا يفكر شعبهم، يحدثونهم عن الظلم والقهر والتعذيب والتسلط والنظم القمعية، ولكنهم لا يحدثونهم أبدًا عما يهمهم حقًّا، لا يحدثونهم عن السعادة التي سيوفرونها لهم، لا يحدثونهم عن مخاوفهم، عن بدائلهم، عن حياتهم اليومية، عن الرغد الذي سيسعون إليه.

قال أحدهم إن الاشتراكية تعد الجميع بالمساواة, ولكنها لا تحدد على أى مستوى سيتساوون، فالأغنياء يخشون المساواة بالطبقة الوسطى، وأبناء الطبقة الوسطى يخشون التساوي بالفقراء. أما الرأسمالية فهي تحدث شعوبها عن البطل الفذ العبقري المجتهد الذي سيصنع المجد ويجتذب الفرص ليكون فارس الزمان وأثرى الأثرياء. الرأسمالية تبيع هذا الحلم، تستند إلى الغرور البشري الذي يهيأ لكل مواطن أنه هذا الاستثنائي الذي سيفوز بتلك المسابقة دون غيره.

-4-

كان الليندي على وشك إلقاء خطبة بـ 11 سبتمبر 1973 ليعرض فيها حزمة القوانين الخاصة بالعدالة الاجتماعية للاستفتاء، بعدما رفض عرضًا من أحزاب المعارضة بإشراك بعض الجنرالات معه بالحكومة. ولكن بينوشيه لم يمهل الليندي إلقاء خطبته، حيث قصفت قواته بيت الليندي الشخصي ومن بعده القصر الرئاسي، وأضرمت فيه النيران، وقادت الليندي خارجه.

كان الليندي قد طالب وزراءه بمغادرة القصر عندما علم بخطة بينوشيه، طالبهم بالعودة لمنازلهم، بينما سيبقى هو بالقصر لأنها مسئوليته التي لن يتخلى عنها، ولكن الوزراء جميعًا رفضوا طلب الليندي وتمسكوا بالبقاء داخل القصر تحت القصف.

على باب القصر، وبينما تقتاده جنود بينوشيه، مات الليندي في ظروف غامضة، أغلب الظن أنه أخرج مسدسه وأسكن رصاصة برأسه.

-5-

“34690 معذبًا
No
200000 منفي
No
2110 سياسي معدم
NO
1248 مختفيًا

NO

من أجل انتخابات حرة, صوت بلا”.

كان هذا نص الإعلان الأول الذي اقترحته قوى المعارضة بشيلى ورفضه سافديرا.

-6-

بمشهد في فيلم (NO)، سأل قيادي بالمعارضة خادمته بماذا ستصوت في الاستفتاء، أجابته سأصوت بنعم، سألها لماذا؟ فأجابت “أنا بخير، ابنى بالجامعة، وابنتي لديها وظيفة”.

اعتمد بينوشيه في تثبيت حكمه على بث الرعب بين الطبقات الأغنى من عودة الاشتراكية حتى إن الطبقات المعدمة خافت على مكتسباتها الوهمية، واعتمد خطابه الإعلامى على تخويفهم من خسارة كل أشيائهم الثمينة والقيمة – أو التي يظنونها كذلك-، صنع من الاشتراكية وحشًا ضخمًا ودأب على محاربته. الحرب على الاشتراكية مثل الحرب على الإرهاب، قد يكون العدو موجودًا فعلاً، ولكنه استغله وضخمه وغذاه ليخيف به شعبه، ويجلس قابعًا بمؤخرته الثقيلة فوق رؤوسهم.

-7-

إعلان رينيه سافديرا الذي أطلق بالحملة الرسمية على أنغام أغانٍ راقصة صاخبة:

لا يعجبني الحال.. ولا أريده
لا يعجبني .. ولا أريده
كم أكره النظر إليه كل يوم
ولا أطيق ابتسامته الباردة
لا يعجبني أدبه، ولا ثقافته الضئيلة
إنه لا يعجبني ولا أريده
أقواله لم تفعل لنا شيئًا
رجل لا يحتذى به
حتى كلماته فشلت في التأثير في
إنه ببساطة لا يأثر في”.

وعلى خلفية من صور الشباب الراقص, وشرب البيبسي والجري بالشوارع وركوب الدراجات، وهم يغنون ببهجة:

سأقولها دون خوف, سأصوت بلا
يهمني المستقبل، تهمني الحياة, سأصوت بلا
سنصوت جميعًا بلا
شيلي.. السعادة قادمة.. شيلي.. السعادة قادمة”.

-8-

– فازت المعارضة في استفتاء شيلي عام 1988 في مفاجأة مدوية، أزاحوا بينوشيه بعدما حاول بشتى الطرق أن يمنع ذلك، سحل معارضيه وطاردهم، وحاول تزوير الاستفتاء دون جدوى.

– حكم شيلي منذ ذلك الحين خمسة رؤساء، منهم اثنان اشتراكيان، وثلاثة ليبراليين.

– مات بيونشيه في عام 2006، وخرجت مظاهرات احتفالاً بموته!! كما خرج في المقابل ستون ألفًا من مؤيديه.

– بجنازة بينوشيه بصق ابن أحد القادة العسكريين على كفن الديكتاتور الراحل.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد