يقال إن أول خطوة لحل المشكلات هي الاعتراف بها، لكن يبدو أننا كمجتمعات عربية نقف على عتبة الخطوة الأولى في حيرة وخوف، لا نملك شجاعة الاعتراف، ففي ذلك طعن مباشر لمنتج ثقافي تم طرحه منذ أولى مراحل عمرنا المبكرة على أنه عقيدة دينية وإرادة الهية.

كنت حين بدأت تعلم الدين أتبنى كل ما يطرح عليّ من أفكار، طالما كان قائلها شيخًا معممًا؛ إذ كانت العمامة لها هيبتها وقدرها، فهذا ما ألفيت عليه الأهل والمجتمع من حولي، والذين يعتبرون المعمم رجلًا عليمًا ببواطن الأمور ووسيطًا بيننا وبين الله، يلقي إلينا إرادته وتعاليمه.

ولأكون صادقة، فأنا باعتباري مسلمة نجيبة لا أعرف إن كان تبني هذه التعاليم حينذاك نابع من قناعة تامة بصحتها ورغبة حقيقية في إرضاء الله أم مجرد وسيلة سهلة أنال بها رضا الأهل واستحسان المجتمع؟ لكن على أية حال، كنت على قدر من الالتزام، فلا أسأل أو أناقش تشريعات كثيرة مثل قوانين الزواج والطلاق، ولماذا الزواج عقد مدني واحتفظ الطلاق وحده بالحكم الديني ويقع شفهيًا؟ مع أن الشرع لا يشترط العقد في أي منهما. وفي تشريعات المواريث، بأي حق يكفل لولي الأمر القوامة على مال المسلم بمقدار الثلث وسلب حق صاحب المال في قوامته على ماله بالكامل مع أن النص القرآني شرع له ذلك. وكذلك في قضايا التبني، لماذا يحرم الله نسب أطفال التبني بالاختيار المطلق للآباء، وفي نفس الوقت يقر بنِسَب ابن الزنا لزوج الزانية؟

ولم أفهم سرًا للالتزام بنصوص قرآنية بصورة صارمة وإغفال أخرى صريحة واضحة لا لبس فيها؟ فتخلينا عن تحقيق إرادة الله في قطع يد السارق والسارقة، أو رجم الزانية والزاني كما أمرنا، ولكننا نصر على الجدل في شرعية حجاب المرأة مثلًا؟

ولم أفهم كذلك لماذا يستنكر كثير من أصحاب العمامة عمل المرأة ويسعون إلى حجبها عن الحياة بكل الوسائل والسبل؟ في الوقت الذي لا يقرون إلا بطبيبة لعلاج نساء المسلمين. وكيف يقولون بتكريمها وقد أجاز النص التعدي عليها بالضرب؟ وهل معنى الخلاف بينها وبين الرجل أنها في جميع الأحوال على الباطل؟ فكفل له الشرع حق تأديبها. ولماذا يستهين الدين بالعلوم الفلكية الدقيقة والتمسك كل عام بالجدل على رؤية أهلّة شهر رمضان؟ ولماذا ننكر وسائل علاجية زمنًا طويلًا قد حصد إنكارها آلاف الضحايا لمجرد رأي فقهي حرمهم من تلقيها؟ ولماذا يسعون إلى تحويل المجتمع المسلم إلى أجلاف قساة قلوب، فحرم كثير من الفقهاء الموسيقى والفن والحب؟ وكثير جدًا من الأشياء التي ضلت سبيلها للعقل والمنطق والحجة بدعوى جهلنا بحكمة التشريع.

ربما يكون هناك شيء من الصدق، لولا أن الفقه قد تخلى بالفعل عن بعض من تلك الأفكار، بدافع سياسي أحيانًا أو ضغط دولي أحيانًا أخرى. وقد يكون هذا التبرير مقنعًا أيضًا لو أن المؤسسة الدينية التزمت بحجب غير الأزهريين من دعوة العامة وتوجيههم دينيًّا، لكن نجدها تهاجم قامات علمية اجتهدت في العلم والبحث من دارسي علوم الفقه واللغة إذا ما خالفتها، وعلى النقيض تقبل بعوام الناس أئمة فوق المنابر طالما وافقوا توجهها ونهجها.

وقد بدأ شكّي في هذا المنتج الثقافي في ذلك اليوم الذي قررت فيه أن ألحق ابتني ذات الخمس سنوات بالدرس الديني في أحد مساجد مدينة ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية، لتصبح مسلمة نجيبة مثلي، فكنت أصطحبها في إجازة الصيف صباحًا إلى المسجد، وأتركها بضع ساعات مع معلمتها ثم أعود لأصحبها عائدين إلى المنزل. وفي أحد الأيام طلبت معلمتها مساعدتي كي أنسخ لها بعض الدروس الدينية على آلة الطباعة الخاصة بي، لأن الآلة بالمسجد بها عطل ما، ودون تردد أخذت الأوراق إلى البيت وقبل أن أقوم بالمهمة بدأت أقرأ الدرس المقرر على هؤلاء الضحايا من الأطفال، ووجدت كلامًا عنيفًا عن عقاب تارك الصلاة وعذاب القبر والشجاع الأقرع وخطابًا ترهيبًا منفرًا سبق لي سماعه في ندوة حضرتها أثناء سنوات الدراسة الجامعية في مصر، لذلك الشيخ ذائع الصيت الذي كان يمتع مريديه بالحديث عن عذاب القبر.

وتعجبت وتساءلت حينها من أين أتى الرجل بدلائل حديثه إذا كان النص القرآني لم يتعرض لشيء من هذا القبيل؟ وكذلك لا أظن أنه ينبغي لكائن من كان أن يدعي علم الغيب، ومن المستحيل أيضًا أن يكون الشيخ قد توفاه الله وعذبه في قبره ثم عاد من الموت ليقص علينا ما لاقاه.

لم أقف كثيرًا حينها عند هذا الموقف واكتفيت بأني كرهت الرجل وقاطعت ندواته، لكن اليوم الأمر متعلق بصغيرتي التي لا تملك قبول أو رفض ما تتلقاه من أفكار دينية. عدت إلى المسجد في اليوم التالي دون أن أطبع نسخة واحدة، وراجعت المعلمة فيما تريد أن تستهل به علاقة هؤلاء الأطفال بربهم، ومع أنها وافقتني الرأي، لكني ما عدت أئتمن مثلها على ابنتي تدس في عقلها ما تشاء من خوف ورعب وأفكار مسمومة.

وراودتني فكرة، هل من الممكن أن أكون أنا أيضًا قد تعرضت في مراحل مبكرة من عمري لأفكار كتلك المتطرفة وتلقيتها دون وعي وحفظتها عن ظهر قلب؟ على الأخص أن تساؤلاتي المستمرة لا تنتهي ولا أجد لها من إجابة شافية عند أصحاب العمامة، إلى جانب أنه من السهولة لأي منصف أن يلمس فوضى وتشوه المجتمع على إثر اجتهادتهم الفقهية.

وإنني لا أجد أحدًا يصيبني باليأس والإحباط كأولئك الذين يسألونني عن العائد من مناقشة مثل هذه القضايا، ولا يجدون بينها وبين واقعهم المرير أيما صلة ولسان حالهم يقول لي: «استغفري، أنت هتكفري ولا إيه؟!». هؤلاء لا يرون أن هناك مشكلات فكيف بإنكارهم يجدون لها حلا؟

بل نعم، إن مشكلتنا هي الازدواجية والتخبط في إصدار قوانين الزواج والطلاق واللجوء إلى رأي فقهي لإقرارها دون دراسة جادة لما طرأ على المجتمع من تغيير، فاكتظت محاكم الأحوال الشخصية بكل أشكال المعاناة والمظالم. نعم، مشكلتنا هي أحكام المواريث، وإعطاء رخصة لـ«ولي أمر» دون وجه حق في تقسيمها وسلب حق صاحب المال، فامتدت إشكاليات الإرث عبر أجيال ضاعت بينهم الحقوق. نعم، مشكلتنا تحريم التبني الذي ساهم في تفاقم مشكلة أطفال الشوارع وازدياد معدلات الجريمة والتشرد. نعم، مشكلتنا هي إقرار ما نرغب من النص وإنكار ما لا نرغب، فتارة نعترف بتاريخيته وتارة نصيح بأعلى صوت أنه يصلح لكل زمان ومكان. نعم، مشكلتنا أن المجتمع يحتاج مساهمة المرأة في كل مجال، لكن الفكر الرجعي يجذبنا جذبًا إلى الوراء، فتحولت شعارات تكريم المرأة إلى عبارات مسكرة يتم قمعها وإهانتها وانتهاكها من ورائها. ونعم، مشكلتنا هي إنكار العلم مقابل آراء فقهية سحيقة لم تملك من الأدوات ما نملكه اليوم.

ونعم، الموسيقى والفن والحب منحة الخالق وهبة الحياة وإن كره أعداؤها. وأخيرًا، لا لتجديد الخطاب الديني، فنحن لسنا بحاجة لولاية شيخ أو فقيه يسوقنا عميانا، فالولاية سلطة على فاقدي عقل أو أهلية، والمجتمع السوي مجتمع مسئول صاحب رأي وقرار، فشفاؤنا عقول واعية قادرة على تقييم أي خطاب وتمتلك حق قبوله أو رفضه مهما تم ابتزازها باتهامات التكفير أو العمالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد