نقل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين قوله: أتمنى أن أستيقظ يومًا من النوم فأرى غزة وقد ابتلعها البحر، على ما يبدو أن هذا الهاجس لم يعد يقلق شارون الذي تحدى غزة وصواريخ غزة، كما أن هذا التحدي أربك كل حسابات دولة الاحتلال الإسرائيلي التي أجبرت على الانسحاب من غزة، هاجس غزة يمتد إلى دول عربية وإقليمية، فبعض الدول العربية تحمل غزة مسؤولية المباشرة عن الثورات العربية، وأن نجاح غزة في الانتخابات التشريعية عام 2006، وتمرد على الامن الفلسطيني الذي رفض نتائج الانتخابات ورفض الالتزام بأوامر وزير الداخلية الفلسطيني الحمساوي سعيد صيام في حينها، والذي شكل الوحدة التنفيذية، التي ساهمت مع كتائب القسام والعديد من الفصائل في حينها من بسط سيطرتها على كامل القطاع، بما عرف فيما بعد بالانقسام الفلسطيني.

ورغم تأكيد العديد من المؤرخين السياسيين أن الانقسام الفلسطيني بدأ من اللحظة التي قررت بها منظمة التحرير بقيادة فتح إجراء اتفاقية سلام مع المحتل الإسرائيلي بما عرف باتفاقية أوسلو لاحقًا، إلا أن المواجهة الفعلية بين طرفي الانقسام تأخرت عدة سنوات، رغم حدوث مناوشات بين الطرفين وسقوط قتلى، ولكن يبقى غياب الرئيس الراحل ياسر عرفات سببًا رئيسًا في حدوث مواجهة شاملة في أواسط العام 2007، فالرئيس الراحل ياسر عرفات لم يترك خيارًا للمقاومة المسلحة، ولم يتردد عند وصول المفاوضات إلى طريق مسدود من مراسلة حركة حماس، وطلب منها قيادة الشارع المقاوم، وتسيير الانتفاضة الفلسطينية الثانية من عام 2000، بل لم يتردد في تشكيل مجموعات مسلحة وقيادة هذه المجموعات من أجل الانخراط في المواجهة المسلحة مع المحتل الإسرائيلي.

في حين أن رئيس منظمة التحرير محمود عباس، والذي يشغل منصب رئيس السلطة الفلسطينية بتمديد من جامعة الدول العربية، يختلف في فكره عن الرئيس السابق ياسر عرفات، فمحمود عباس يرفض العمل المقاوم كيفما كان، ومهما كانت أشكاله، ولا يخشى المواجهة الداخلية في سبيل تحقيق مكاسب سياسية، ويسعى بكل الطرق لكسب مواقف دولية وإقناع إسرائيل بتفاوض وتقديم تنازلات سياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب المواطن الفلسطيني، ولا يزال يعتبر إحباط العمليات العسكرية ضد المحتل الإسرائيلي إنجازًا وطنيًا، ويجب أن يكون له ثمن سياسي، ولم يكن حديثه عن إحباط العديد من العمليات في الماضي وصولًا إلى تحميل رئيس وزراء الاحتلال الحالي نتنياهو المسؤولية عن نجاح بعض المقاومين من تنفيذ عمليات على أرض الضفة الغربية، منهما نتنياهو بتمويل العمليات، وذلك بسبب رضوخ الأخير إلى مقاومة غزة ورفع جزئي للحصار المفروض على غزة، والسماح بدخول الأموال.

إن اختلاف البرامج بين طرفي الخلاف الفلسطيني، أنصار المقاومة وأنصار المفاوضات أخذ منحنىً خطيرًا بالمواجهة المسلحة بين طرفين، من العام 2007، ورغم كل الجهود المبذولة لحل الخلاف بين الطرفين لم تجد آذانًا صاغية، بل تعقدت الأمور، وزادت الهوة، وأصبح كل طرف لديه برنامجه ومشاريعه الخاصة، وأصبح كل طرف يشعر أن الطرف الآخر عقبة يجب التخلص منه، حتى أصبحت محاولة أحد الطرفين التقرب من الآخر وتقديم تنازل ما من أجل تحقيق المصالحة، ولو شكلية لحين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس المنظمة التحرير، أصبح ينظر لها بريبة وشك وتخوين، وفي أكثر مراحل تقارب كانت قبل سنتين تقريبًا عندما تم التوافق على إجراء انتخابات بلدية ومجالس المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فكانت النتيجة تعطيل الانتخابات ورفض إجرائها، والحجة كانت عدم قدرة إجراء انتخابات في القدس الشريف، ولكن وبعد أشهر أجريت الانتخابات البلديات والمجالس المحلية، بدون القدس الشريف وبدون غزة، وبدون توافق وطني ورفض فصائلي.

ما جرى قبل سنتين كان رفض الذهاب للانتخابات بوجود حماس، ومشاركة غزة، وما يجري اليوم هو تخلي الرئيس منظمة التحرير محمود عباس عن غزة، وسعي لفصلها إداريًا وسياسيًا عن الوطن بدون تحمل التبعيات القانونية، إذا وافقت حماس على الانتخابات التشريعي، وقبلت بإجرائها بتزامن بين الضفة وقطاع غزة، سيكون مصير هذه الانتخابات التأجيل في الغالب، فالهدف من هذه الانتخابات سحب الشرعية عن المجلس التشريعي، والوضع القانوني الذي تحظى به حماس بقيادة هذا المجلس، لن أتفاجأ بإجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية فقط، ومع غياب حماس والعديد من الفصائل الفلسطينية لكي يستفرد فريق المفاوضات بالمجلس التشريعي، والرئاسة السلطة ورئاسة منظمة التحرير.

إن الانقسام الفلسطيني يشكل مرحلة زمنية وتاريخية من عمر القضية الفلسطينية، وإجراء الانتخابات التشريعية في الضفة الغربية دون غزة مرحلة جديدة من مراحل الفصل الجغرافي والانقسام الاجتماعي والسياسي، إن مغامرة محمود عباس بعزل حركات المقاومة، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية بشكل أحادي، وفي ظل الانقسام واختلاف البرامج، وتحت احتلال لا يبدو أنه إلى زوال في الوقت القريب، لن يجني علينا كفلسطينيين إلا مزيدًا من الويلات والمشاكل، وبرغم من التحذير المستمر من رئيس منظمة التحرير من فصل غزة عن الوطن، نجده يعمل ويجتهد في هذا الفصل.

ومع إعلان محمود عباس إجراء الانتخابات التشريعية في غضون ستة أشهر القادمة، لا نعرف بماذا يفكر! هل سيقنع حماس بإجراء الانتخابات في قطاع غزة والضفة الغربية! أم أن الموضوع مجرد مغامرة غير محسوبة العواقب؟ وماذا إن وافقت حماس على المشاركة في الانتخابات التشريعية بدون إجراء انتخابات الرئاسية ومنظمة التحرير! وكانت النتيجة الفوز لحركة حماس كما تظهر استطلاع الرأي؟ هل سنعود إلى مربع الانقسام من جديد؟ وهل سيقبل فريق المفاوضات بنتيجة الانتخابات؟

الحقيقة الوحيدة التي يجب أن يتمسك بها كل فلسطيني، إذا أراد إنهاء الانقسام، أو توحيد القيادة السياسية على أقل تقدير، يجب أن لا يكون هناك انتخابات تشريعية بشكل مستقل، وإذا كان لا بد منها في ظل الانقسام الحاصل وبدون توافق فلسطيني، فلا بد وأن تكون الانتخابات التشريعية والرئاسية ومنظمة التحرير بالتوازي، ومن يفوز في المؤسسات الفلسطينية عليه تحمل تبعية قيادته الشارع الفلسطيني وإدارته لبرنامجه الانتخابي، أين كان الفائز من بين الطرفين.

لا لفصل غزة عن الوطن، ولا شرعية لأي مؤسسة بدون توافق وطني أو انتخابات شاملة وبمشاركة جميع الأطياف الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد