لم يعد خفيًا أن كرة القدم قد اقتحمت عالم الأعمال والأموال من أوسع أبوابه، وأن مرحلة التحول «النيو ـ ليبرال» في كرة القدم، والذي أسس له «جواو هافيلانج»، وتم بحث بعض تفاصيله في الجزء الأول، هي ما أسست للطابع السلطوي والمركزي لإمبراطورية كرة القدم «الفيفا»؛ بحيث أصبحت إدارة «الفيفا» مشابهة لأسلوب إدارة المافيا.

«سيب بلاتر»، النهج «الهافيلانجي» يتعمق

ولد «جوزيب سيب بلاتر» في العاشر من مارس (آذار) عام 1936، بمدينة «فيسب» السويسرية ذات الأغلبية الديمغرافية المتحدثة باللغة الألمانية. لعب في صغره كرة القدم لنادٍ مغمور، قبل أن يهجر ممارسة الكرة، ويحصل على شهادة في الأعمال والاقتصاد من جامعة لوزان السويسرية. عمل في بداية حياته العملية كصحفي، ثم انتقل إلى العمل في وظائف مرتبطة بالعلاقات العامة، ومن هنا بدأت المسيرة! ترأس سيب المجلس السياحي في «الكانتون» السويسري الذي ينتمي إليه، كما أنه تولى منصب السكرتير العام للاتحاد السويسري لرياضة «هوكي» الجليد. كانت آخر محطة لبلاتر قبل الانضمام للفيفا في شركة الساعات السويسرية الشهيرة «لونجين»، حيث استلم منصب مدير قسم التوقيت الرياضي والعلاقات في الشركة، وشارك مع الشركة في أولمبيادي 1972 و1976 على التوالي.

بدأ بلاتر عمله في الفيفا عام 1975، في منصب المدير التقني. واستمر كذلك، حتى عام 1981، حيث تم تعيينه في منصب السكرتير العام للاتحاد الدولي، مما جعله يصبح يد «جواو هافيلانج» اليمنى، هذا جعل بلاتر شريكًا مباشرًا بكل الصفقات التي كان لهافيلانج يد فيها.

انتخب بلاتر في عام 1998 كرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، خليفة لهافيلانج، بعد منافسة شرسة من رئيس الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت، «لينارت يوهانسون»، في انتخابات كثر الحديث عن نزاهته؛ إذ ارتبط فوز بلاتر بأحاديث وشبهات حول دفعه لمبالغ مالية كرشاوٍ للتصويت له.

منذ أن استلم بلاتر الرئاسة، وسهام النقد وشبهات الفساد تحيط به؛ إذ اعتبر انتصاره كامتداد لإدارة هافيلانج، إذ إن بلاتر لم يكتفِ بما أسس له هافيلانج، بل قام بتعميق المنظومة الكروية التي ورثها، وأضاف لإدارته عناصر جديدة جعلت «الفيفا» بالكامل تدار من خلف الكواليس.

عمق بلاتر علاقاته مع اتحادات دول أسيا وإفريقيا المعروفة بعددها الكبير، وكتلتها التصويتية المعتبرة، وعزز علاقاته مع هذه الاتحادات التي معظمها غارق في الفساد المالي والإداري عن طريق الرشاوي والوعود والابتزاز، حتى إن «فرا آدو» رئيس الاتحاد الصومالي لكرة القدم، ونائب رئيس الاتحاد الأفريقي السابق كان قد اتهم بلاتر بدفع رشوة له تقدر بِـ (100,000) دولار؛ للتصويت لصالحه في انتخابات 1998.

أعلنت شركة «ISL» (الشركة الدولية للرياضة والرفاهية) إفلاسها عام 2001، ومعه طفت على السطح كل قضايا الفساد المالي التي تربطها بالاتحاد الدولي لكرة القدم، في صورة منح حقوق تسويق البث التلفزيوني والإذاعي لبطولات الاتحاد الدولي، وتمت إدانة «هافيلانج» وصهره «تيكسيرا» بتحصيل ما قدره 41 مليون فرنك سويسري من هذه الشركة في صورة رشاوٍ في الفترة من 1992 و2000، إلا أن بلاتر ـ متحصنًا بمركزه وبمراكز القوى المالية والسياسية التي هو على علاقة مباشرة معها ـ استطاع تجنب المحاكمة، ولو إلى حين.

تمت إعادة انتخاب بلاتر في الأعوام 2002، 2007، 2011، و2015 إلا أن آخر انتخابين شابهما الكثير من اللغط والانتقاد اللاذع لسياسات بلاتر؛ إذ نافس القطري «محمد بن همام» (رئيس الاتحاد الأسيوي في ذلك الوقت) «بلاتر» في انتخابات الرئاسة لعام 2011، إلا أنه انسحب من السباق قبل الانتخابات، بعد تحويله من قبل اللجنة الأخلاقية للفيفا على خلفية قضايا فساد. ابن همام كان حليفًا وثيقًا لبلاتر قبل أن يختلفا على كيفية إدارة بلاتر للجنة التنفيذية للفيفا، مما أدى إلى اشتعال الخصومة بينهما. فاز بلاتر بأغلبية ساحقة في التصويت لانتخابات 2011، بعد أن خاضها دون منافس، ولكن ذلك لم يمنع من اتهامه ـ فيما بعد ـ بشراء الأصوات.

في 27 مايو (أيار) 2015 داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI» الأمريكي ـ بمساعدة محققين سويسريين ـ فندقًًا في مدينة زيورخ السويسرية، كان يقيم فيه مجموعة من المسئولين في الفيفا. تم اعتقال سبعة إداريين في الاتحاد الدولي بتهم متعلقة بغسيل الأموال والابتزاز، فيما وجهت وزارة العدل الأمريكية تهمًا بالفساد المالي والإداري لسبع مسئولين ومسوقين في الاتحاد الدولي في ذات الوقت، وقد تم نشر تقارير متعلقة باتهام أربعة إداريين في الفيفا، بالإضافة إلى شركتين في التحقيقات. القضية متعلقة بمبالغ تقدر بـ 150 مليون دولار، تم توزيعها على شكل رشاوٍ. بعد يومين من تلك الحادثة تم إعادة انتخاب بلاتر، بعد فوزه على رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم الأمير «علي بن الحسين»، هذا الفوز الذي فتح النيران على بلاتر، وهو الذي كان قد وعد في عام 2011 بأن لا يترشح مرة ثانية للرئاسة.

في 2 يونيو 2015 دعا بلاتر إلى مؤتمر صحفي؛ أعلن فيه عن تنازله عن الرئاسة، ودعوته إلى عقد اجتماع استثنائي للجمعية العمومية؛ لانتخاب رئيس جديد، إلا أنه نوه إلى أنه سيبقى في منصبه؛ حتى يتم انتخاب الرئيس الجديد، ذلك لم يحدث؛ إذ فتحت السلطات السويسرية التحقيق في شهر سبتمبر (أيلول) حول دفع بلاتر لمبلغ يقدر بمليون و350 ألف باوند لـ«ميشيل بلاتيني» رئيس الاتحاد الأوروبي. قامت اللجنة الأخلاقية للاتحاد الدولي بتعليق بلاتر عن العمل لمدة 90 يومًا في تشرين الأول، ولكن القرار الأصعب كان بإيقاف بلاتر وبلاتيني لمدة 8 سنوات في ديسمبر (كانون الأول) من قبل اللجنة الأخلاقية. هذا القرار الذي تم تخفيفه إلى 6 سنوات في شباط 2016، بعد الاستئناف كان صعبًا على بلاتر، الرجل الذي كان يشعر بأنه لا يقهر، وأن بإمكانه اللعب كيفما شاء بمصير الرياضة الشعبية، دون حساب. إلا أن التشابك بين الرياضة والسياسة والاقتصاد لا يرحم. ومن كان حليفًا لبلاتر، صار عدوًا في ليلة وضحاها، حتى إن شركات عملاقة، مثل: «كوكا كولا»، و«فيزا»، و«ماكدونالدز» قامت بإصدار بيانات؛ تطالب باستقالة بلاتر.

شهدت رئاسة بلاتر توسعًا جامحًا لضخ الأموال والأرباح في الفيفا، إلا أن ذلك رافقه تزايد رقعة الاتهامات والفضائح المتعلقة بالفساد والرشاوي؛ فقد أثارت حملات «جنوب إفريقيا»، و«روسيا»، و«قطر»؛ لاستضافة كأس العالم لأعوام 2010، و2018، و2022 على التوالي السخط والاتهامات بدفع مبالغ مالية للاتحاد الدولي، وللدول الأعضاء؛ لنيل حق الاستضافة، حتى إن الاتهامات طالت دولة قوية اقتصاديًا وعريقة في كرة القدم، كـ«ألمانيا» لاستضافتها كأس العالم 2006. هذا عدا الانتقادات الموجهة لحكومات: «روسيا» و«قطر» والمتعلقة بحقوق الإنسان، وحقوق العمال الأجانب، بل حتى المناخ الحار جدًا في قطر.

غادر بلاتر إمبراطوريته، ليترك إرثًا ثقيلاً لمن سيحل مكانه، وستكشف الأيام عما كان يدور في كواليس هذه الإمبراطورية، إلا أن توسع حجم الفيفا وتأثيرها في فترة رئاسته جعلها موازية لمنظمة كالأمم المتحدة.

إنفانتينو، الحرس القديم بدم جديد

لم يكن يخطر ببال السويسري ذي الأصول الإيطالية، وهو يشارك في سحب قرعة دور المجموعات لبطولة دوري أبطال أوروبا للأندية، أن بضعة شهور، وبضعة ظروف، ستفسح له الطريق ليصبح رئيس الفيفا، فتوالي الأحداث وتوالي الفضائح شرعت الطريق على مصراعيه لـ«جياني إنفانتينو» لكي يصبح الإمبراطور الجديد. الأصلع ذو الـ46 عامًا، والذي كان يشغل منصب السكرتير التنفيذي للاتحاد الأوروبي لكرة القدم الـ«يويفا»، والذي يتقن ثلاث لغات، ويعرف ثلاثًا أخر، بما فيها العربية؛ لأصول زوجته اللبنانية، يعتبر الذراع اليمنى لميشيل بلاتيني. وكان قد شهد معه توسع البطولات الأوروبية وهيمنتها الرياضية والاقتصادية، حتى أضحت بطولة كدوري الأبطال منافسًا لشعبية كأس العالم والأولمبياد.

لا زالت خطوات جياني في أولها، إلا أنه ينظر له كامتداد للمنظومة السابقة، بل يحسب عليه: أنه من رجال الحرس القديم. ولا يتوقع أن يقوم بإصلاحات جذرية في الفيفا؛ وذلك لأسباب عديدة، متعلقة بقوة الأيادي العميقة والخفية في الفيفا من جهة، والعلاقات المتينة والمتشابكة التي تجمع الاتحاد الدولي مع العديد من الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات.

في النهاية، هنالك دومًا، الأمل في التماس التغيير في الاتحاد الدولي، وربما رؤية شاب سويسري أنيق على مقعد الرئاسة، تعطي البعض القليل من الأمل.

كرة القدم، هل فقدت بريقها؟

في بطولة كأس العالم 1998 في فرنسا، كانت المباريات تبث بالمجان على معظم القنوات الفضائية العربية، فكان التقليب بين القنوات يشبه التنقل في قناة واحدة مكررة. هذا الشيء حرمت منه الشعوب العربية في كأس العالم 2002، دون دفع مبلغ مالي يعد كبيرًا على الكثير من الناس، إلا أن بعض القنوات الأرضية اشترت حقوق البث فأنقذتنا. كرة القدم تحولت إلى سلعة غالية الثمن، لا يقتنيها ولا يتمتع بسحرها، إلا من يملك المال اللازم لشراء الاشتراك في القنوات التلفزيونية. حتى إن لاعبي كرة القدم المعاصرين أضحوا سلعة تجارية تباع وتشترى في أسواق شركات الوجبات السريعة وبطاقات الائتمان، وحتى المستحضرات التجميلية، بعد أن كان لاعبو الكرة سفراء لبلدانهم من الناحية الثقافية، بل حتى السياسية، ومنهم من انخرط في العمل السياسي أو الإنساني العالمي، بعد اعتزاله، كالنجم البرازيلي السابق «روماريو» الذي خاض معترك السياسة، ودخل البرلمان البرازيلي.

كرة القدم، وإن تاهت في مستنقعات «التسليع» تبقى رياضة الفقراء؛ فرؤية الأطفال يركضون بفرح خلف كرة ممزقة في مناطق الحروب، وفي الأحياء الفقيرة، ورؤية المقهورين مجتمعين بشغف حول شاشة تلفاز صغير؛ لمتابعة مباراة كرة قدم في الأرياف المنسية في أفريقيا أو أمريكا الجنوبية، كافية لتثبت أن الرياضة هي متنفس للمحرومين؛ لكي ينسوا ـ ولو إلى حين ـ آلامهم وأوجاعهم؛ فحينما تعلو آهاتهم، وصرخاتهم، وأفراحهم في المدرجات، والمقاهي، والبيوت الصغيرة تصبح الكرة الصغيرة ملاذًا من قسوة الكرة الكبيرة التي نعيش فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد