عبد الرحمن نبيل
عبد الرحمن نبيلطالب صيدلة

من وحي الخواطر التي تواردت في نفسي، والأفكار المتدفقة دائمًا في ذلك الرأس الذي لم ينتهِ مِنَ التفُكُّر في الأحداث المحيطة، وتحليل مُجرَيَاتِ الأمور، وتَتَبُّع مُسَبِّبَات الأمور، والتَدَبُّر في حكمة الإله العليّ الجليل.

أبدأ حديثي حين حضرت تدريبًا تابعًا لإحدى شركات الأدوية المصرية، والذي أقيم بإحدى كليات الصيدلة، حيث دار الحوار عن المستقبل المهني لخريجي كلية الصيدلة. فبدأوا بالتحدث عن مجال اليقظة الدوائية، مراقبة الجودة في المصانع، ومجال الأبحاث في المصانع، أخذوا يتحدثون عن شروط القبول، وعن طبيعة العمل، وكيفية التَأَهُّل لِأنْ تكون في أي مجال منهم وهُنَا كانت بداية نوبة التفكير؛ حينما قال أحد المحاضرين (أنتوا محتاجين تشتغلوا على نفسكم علشان تكونوا مؤهلين لأي مهنة من المهن دي)، وهنا توالت الأسئلة من أصدقائي الذين على وشك التخرج، وكانت الطامة الكبرى حين قال أحدهم (أيوه نعمل إيه إحنا دلوقت!، إحنا على وشك نتخرج، وحاسين إننا تايهين ومش عارفين هنلحق نعمل إيه دلوقت، والوظيفة محتاجة كوسة، والمرتبات لا تتعدى الألفي جنيه).

ثم دارت النقاشات حول مرتبات المهن، وهنا تركت غوغائية تلك النقاشات، وتذكرت أحد أصدقائي حينما كنت مقبلًا على المرحلة الجامعية حينما نصحني بأن تكون رسالتي في المرحلة الجامعية هو الإيمان بسبل التعلم، وأن أسير فيها قدر ما استطعت، وأنَّ طَرْقَ أبواب التَعَلُّم مع عدم الملل هو ما سيجعل منك شخصًا ذا شأن في يومٍ من الأيام، وهذا هو ما سيجعلك مؤهلًا عند التخرج، ولا تشعر بشعور أنك لا تليق بمهنة معينة أو مكان معين، وها أنا الآن يفصلني عن الحياة العملية عام واحد، وأشعر بعد ما سمعت من المحاضرين عن كيف تكون مؤهلًا بشعور الذي يرى نقطة النهاية قد اقتربت وهو أقربهم، وتذكرت أوقات الفراغ التي قضيتها في تعلم المهارات التي لم أكن من مكتسبيها، والاطلاع على مجالات مختلفة سنحتاجها في دروب الحياة يومًا على منصات التعلم الإلكترونية مثل COURSERA, EDX، وكيف كانت ثمار العُكُوفْ على الدراسة في وقت الإجازات الصيفية أحد المقومات التي ستساعدني يومًا في مستقبلي، رغم حرماني من الكثير من الترفيه والجلوس في المقاهي كباقي زملائي الذين لطالما مَلُّوا من دعوتي للنزول وقضاء وقت ممتع معهم، وتذكرت كم مرة اعتذرت لهم عن عدم مقدرتي على النزول لظروف ما، وفي قرارة نفسي (ورايا كورس لازم يخلص قبل نهاية موعد امتحان المقرر).

 حينما ذكر المحاضرون المجالات التي لا بد من الاطلاع عليها قبل التخرج، ومدى أهمية تَعَلُّمُهَا لأنها ستفيد جدًا فيما بعد التخرج والتي كان معظمها قد تَعَلَّمْتهم.

حينما ذكروا أهمية التطوع في المؤسسات الخيرية وتذكرت الساعات التي قضيتها يومًا في نزول القوافل الطبية، وقوافل المساعدات التابعة لإحدى المؤسسات الخيرية، وحضور المعسكرات التأهيلية، والمسئوليات التي كانت على عاتقي يومًا، وكيف تَعَلَّمْت أن أكون شخصًا مسئولًا يمثل كيانًا ما، ويتعلم جيدًا كيف تكون سلوكياته وتصرفاته أمام العامة، وكيفية ضبط مشاعري وغضبي حين التعرض لمسببات الغضب، وكيفية تدارك تلك المواقف، وغيرها الكثير والكثير من الأمور التي لطالما كتبنا عنها لا يَسَعْنَا في ذلك المقال الإسهاب فيها.

ثم ذَهَبْتُ بتفكيري إلى ما هو أكبر، إلى ما نحن نعيش لأجله، إلى الحياة البرزخية، وكيف يكون يوم القيامة، وكيف يتشابه هذا الموقف بيوم العرض على الله، وكيف يكون شعور الذين تهيّأوا لهذا اليوم الذي يُحْصَى كألف يوم مما نعد، وكيف يكون شعور الطالحين الذي أضاعوا حياتهم لعبًا ولهوًا، وكيف يكون شعور المُقَصّرِين الذين لم يستطيعوا التغلب على هَوَىَ النفس، بل وكانوا يضَيِّعُون العبادات، وإذا أقْدَموا عليها كانوا كُسَالَى.

أحسست شعور أصدقائي الذين هم على وَشْكِ التخرج وكأنهم مثل الذي أوشك على الغرغرة، ولم أعلم هل سأكون من الذين يؤتَون كتابهم باليمين أم الشمال، لم أعلم هل سأكون من الذين ابيضت وجوههم أم اسودت، لم أعلم هل سأكون ممن قالوا (هآؤم اقرأوا كتابيه) أم ممن قالوا (يا ليتني لم أوت كتابيه). وبدأت نفسي تلومُنِي على ذنب اقترفته سهوًا أو عمدًا. وانتهت أحاديثي الداخلية بأن ذلك الشهر الكريم هو العودة الحقيقية للعبادة كما لم أتعبد من قبل، ومجاهدة النفس، والتَقَوِّي بالتَّقوَىَ على المعاصي.

وأخيرًا: قد يُدار ذلك الحديث داخل كل نفس منّا، ولكن كم من نفس سَتُشْحِذُ هِمَّتَهَا، وكم من نفس سَتَصْدُق عزيمتها وسَتُعْلِن أنَّها نهاية سنين عجاف وبداية لعصر الخضرة، فالنفس يا عزيزي كالأرض إن رويتها بعبادة الواحد الأحد أزهرت وأثمرت، وإن رويتها بالمعصية باتت عجافًا، فرمضان غنيمة لِتغْتَنِمَها ولِتُعِيدَ ريَّ الحَرّثِ بِالعِبَادَة. فهلّا بدأت؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك