تختلف طقوس الزفاف من دولة إلى أخرى ومن ثقافة إلى ثقافة، ولكن يجتمع البشر حول حقيقة إقامة الحفلات كإعلان زواج. هناك من يحب حضور حفلات الزفاف وهناك من يكرهها أما أنا فأنكرها أصلا. أنكرها تماما كما أنكر وجود (النيش) تلك القطعة الخشبية المزخرفة المصنوعة على شكل دولاب يحوي بداخله الكثير من الأواني والتحف التي قد لا تعني شيئًا في المستقبلين القريب والبعيد.

(لماذا؟)

لا يجب أن تقام الأفراح قبل الامتحان، فهل ستتقبل أنت فكرة أن يرقص أحدهم ويغني ويطلق الزغاريد قبل أن يدخل لجنة الامتحان؟ بالطبع سيدهشك ذلك. (مجنون) ستقول ذلك وأنا أقول ذلك عندما أرى هذا الحشد من البشر، والمشاعر والإضاءات والكثير من الحركات غير المفهومة، أغان هابطة وموسيقى صاخبة وسيارات ترقص، الكثير من البشر قرروا أن يعلنوا نجاح تجربة ما قبل إجرائها. لست عدوا للبهجة والفرح لكن أحب التعقل في الأمور، فقط يكفي أن نعلن أن فلانًا تزوج فلانة ويكون ذلك بين الأهل والأصدقاء في أي دور عبادة وندعو لهما بالتوفيق والنجاح ونمضي.

أما وقد أعلنا الفرح والرقص والموسيقى الصاخبة ويتبع ذلك الكثير من التبرم واللعنات من جانب أهل الزوج وأهل الزوجة والكثير من المشكلات التي لا تنتهي بين الزوج والزوجة إلا بالانفصال غالبًا، فماذا استفدنا وكيف يكون حالنا بعد أن نرى نتيجة الامتحان وقد أعلنت عن سقوطٍ وفشلٍ ذريع.

ربما يقارن البعض ويقول أنه بناءً على ذلك فلا بد من ألا نقيم المآتم للموتى ولا نفرح بالميلاد وأقول لهم أنا وأنت لن نكون حزينين على موت طاغية ظالم لأنه لم يبرهن على أحقيته بهذا الحزن، أما وإن مات صالحًا فيحق لنا أن نبكي ونحزن ونقيم المآتم توديعًا لجمال قد لا يتكرر، أما عن فرحتنا بالميلاد فأنا أمتلك بعض التحفظ تجاه ذلك أيضًا.

(عبث)

حتى وبالنظر من بعيد على قاعات الزفاف وكل المراسم التي تحويها سترى بعينك كل ما هو مزيف وقميء، فيتجمع الفتيات وقد رسمن أنفسهن كعرائس المولد -تلك الحلوى الشعبية التي نعرفها- وأخذن في الحديث عن هذا وعن ذاك بل وقد لا تسلم صديقتهم من النميمة والتفحص فيها وفي زوجها، سترى الشباب وهم يزيفون مشاعرهم ويتمايلون على أنغام موسيقى لا تخضع لأي قانون أو إيقاع محدد، سترى كبار السن والعجائز والأطفال وقد حُمِّلوا بالهموم والأحزان يجلسون على الطاولات لا يصدرون أي تعبير ينم عن الفرح للعروسين، هم فقط جاءوا لأجل إثبات وجود، كأنهم جمهور يتابع مسرحية ركيكة.

أسرة كاملة تحمل الهم وتتحمل أعباء كثيرة وتخطط أيامًا عديدة فقط لأجل يوم واحد، ربما كان سيبدو لي هذا أمرًا مقبولًا لو كان هذا اليوم يوم تخرج طالب من جامعته ناجحًا حاملًا على صدره أعلى الأوسمة، أو يوم تكريم شهيد ضحى بنفسه من أجل بلاده وأهله، أما وهو يوم فقط لإعلان حقيقة أن اثنين من البشر قررا أن يتشاركا الحياة فما الذي يدعو إلى الاحتفال بذلك؟ حتى وإن كانا قد جمعتهما من قبل قصة حب وأنهما شعرا بنجاح قصتهما فهما حقًا مخطئان في ذلك هما فقط قطعا أولى خطوات الأمل، الأمل الذي ربما ينتهي بلا شيء، أعتقد أنه من الأجدر أن نعلن عن الزواج بشيء من الفرح المصاحب بالحذر ثم ما أن نشعر بنجاح التجربة نرقص ونبتهج ونطلق الأفراح في كل مكان.

الغريب في الأمر أن هناك رغبة جامحة عند الإنسان أن يتفاخر ويتباهى بفرحته وأنه يعتبر الزواج بين اثنين بائسين نجاحًا عظيمًا يستحق الاحتفال، بل وهناك من يتلو عليك شروطًا محددة لحفل الزفاف والجميع يعلم أن ذلك لا يعني شيئًا، فقط صاحب القاعة هو من يستحق أن يفرح وهو يقوم بِعَد نقودِه ليلًا مبتسمًا قائلًا لنفسه «رزق الهبل على المجانين» حتى وإن اختلفنا في صحة المقولة دينيًا لكن على الأقل يبقى معناها صحيحًا نسبيًّا فأنت وأنا وكلنا مجانين.

لذلك أشعر بالعديد من الصراعات الداخلية التي قد تؤخر ذهابي لحفل زفاف صديق ما أو ربما تلغيه تمامًا ليس لقلة تقدير له لكن لعدم اعترافي بكل ما سيحدث.

(النهاية)

بالطبع يحب الإنسان المشاركة، فمشاركة السعادة تضاعفها ومشاركة الحزن يقلل من أوجاعه، لكن فقط علينا مراجعة الأمور، وعليك أن تفرح يا صديقي وأن نبارك لك، ولكن من الأفضل أن ندعو لك ولعروسك بالنجاح والتوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد