تُعَرّف حقوق الإنسان بأنها الحقوق المُكتسبة والطبيعية لكل إنسان على وجه الأرض مهما اختلف لونه أو عِرقُه أو لغته أو دينه.

وتتعدد هذه الحقوق وتتنوع؛ فمنها حقوق فردية تتعلق بكل فرد مثل حق الحياة، وحق الحصول على الطعام المناسب، وحق التعليم والرعاية الصحية الملائمة، والمسكن، والحق في حرية التعبير عن الرأي، وممارسة الأنشطة السياسية والاجتماعية دون قيود أو ملاحقات أمنية. ومنها حقوق جماعية تُمنح للأفراد مجتمعين، وخاصةً عندما تجمعهم قواسم مشتركة مثل اللغة والدين مثل حق تقرير المصير، وحق المعيشة في دولة مستقلة ومحترمة.

وفكرة حقوق الإنسان هي فكرة عرفها الإنسان منذ القِدم فهي فطرية تنشأ وتولد مع مَولِدِه وخروجه إلى الدنيا حتى خروجه منها، وقد جاءت الشرائع السماوية لتؤكد على معنى حقوق الإنسان فقد بعث الله تعالى مع رسله الشرائع وأنزل عليهم الكتب التي تؤكد على معاني حقوق الإنسان من حيث العدالة والمساواة بين البشر جميعًا، وعدم التمييز بينهم، إلى جانب تحريم كل الأعمال التي تؤدي إلى الانتقاص من حرية الإنسان وحقه في الحياة، أو تلك التي تؤدي إلى ظلمه وغُبن حقه.

وقد عرفت البشرية عبر مراحلها المختلفة عدة محاولات لإقرار نظام تشريعي يعمل على حماية حقوق الإنسان قانونيًا وإنسانيًا، فقد عرفت بلاد الرافدين شريعة «حمو رابي» التي سنّت كثيرًا من القوانين التي تحفظ حق الإنسان وتدفع الظلم عنه بإقامة القصاص العادل، وكذلك قانون «مانو» الذي سنّ قوانين لحفظ حقوق الإنسان، وبعد ذلك جاءت منظمة الأمم المتحدة بعدة شرائع تؤكد على حقوق الإنسان، فقد أصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وضع قوانين ومعايير دولية لرعاية حقوق الإنسان وحفظها في العالم أجمع.

كما تكونت منظمات غير رسمية مهمتها مراقبة الالتزام بحفظ حقوق الإنسان عبر العالم من خلال إصدار تقارير توثق ما يحدث للأفراد والمجتمعات من جرائم وانتهاكات، ومنها على سبيل المثال منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومان رايتس ووتش، وهيومان رايتس مونيتور وغيرها، كما لا يفوتنا أن نُشير إلى دور الشريعة الإسلامية في حفظ حقوق الإنسان حيث أكدّت وبشدة على معاني المساواة والعدالة بين البشر والحياة الكريمة لهم، بل كانت هي الشريعة الوحيدة التي حفظت حق الإنسان كاملًا وشاملًا لجميع جوانب حياته.

وحقوق الإنسان في العالم اليوم هي من أهم القضايا التي تحتاج إلى البحث والتدقيق؛ فلقد لزم الأمر بعد الحرب العالمية الثانية إلى إقرار عدد من الاتفاقيات الدولية وكان أشهرها اتفاقية «جينيف لحقوق الإنسان في الحرب» واتفاقات الأمم المتحدة الحقوقية وغيرها.

ومن حقوق الإنسان الحقوق المدنية والتي هي مجموعة من الحقوق التي مُنِحَت للإنسان لكونه إنسانًا، وهي حقوق تحمي الأفراد وتحفظ لهم حقهم في المشاركة في مجتمعاتهم ودولهم دون تفرقة، بالإضافة إلى حق تقرير المصير. وتؤكد الحقوق المدنية على النزاهة العقلية والجسدية للأفراد وحفظ حقهم وأمنهم دون الالتفات إلى عِرق أو دين أو لون، وكذلك الحق في الخصوصية وحرية التفكير والرأي والتعبير والعقيدة والتجمع، وحرية التنقل والحركة والسفر.

والحقوق السياسية وهي حقوق لحماية الأفراد من انتهاكات المجتمع أو الحكومات، وتؤكد على حرية المشاركة في كل الأعمال والأنشطة السياسية دون تمييز أو تفرقة عنصرية، وتتضمن الحقوق المتعلقة بالعدالة في التقاضي، وحقوق المتهم بأن تُجرى له محاكمة عادلة نزيهة، وحقه في التعويض إذا ثبتت براءته، أو العيش في مكان آدمي ومعاملة إنسانية كاملة إذا ثبتت إدانته.

وحقوق اجتماعية في المشاركة الاجتماعية وإنشاء الجمعيات والمؤسسات، والحق في الاعتراض، والحق في التصويت في الانتخابات أو الترشح لها.

وحقوق اقتصادية تحافظ لكل إنسان على ماله وعمله ودخله.

وحقوق ثقافية تتيح له التمتع بثقافته الخاصة طالما كانت في حقوق الأعراف والأخلاق.

خلال الربع الثالث من عام 2015 ازدادت حالات القمع بشكل منهجي، وارتفعت وتيرة التصفية الجسدية وادعّاء أن الضحايا قُتِلوا في اشتباك مسلح، كما ارتفعت أعداد القتلى جرّاء التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون ومقار الاحتجاز، وتوازى مع هذا القضاءُ الظالم المُسيس الذي يُصدر أحكامًا غير معقولة بالإعدام والسجن المؤبد على الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، وفي كل هذا انتهاك لأبسط حقوق الإنسان في حقه في معرفة سبب اعتقاله، أو معاملته إنسانيًا، أو حجزه في أماكن آدمية، أو حقه في سماع صوته، أو توكيل من يدافع عنه، ولا يُجبر على الاعتراف تحت التهديد أو التعذيب، وذلك حسب التشريعات والمبادئ التي وضعتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، وباتت تلك القوانين والمُعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان شعارات تتغنى بها الدولة وفقط، بل شرعنت وقننت لنفسها ارتكاب جرائم مُحرمة دوليًا مثل «الإخفاء القسري، والقتل خارج إطار القانون، والاعتقال التعسفي، والاحتجاز بمقار غير قانونية، وتلفيق التُهم دون سند».

ولم تُغير السلطات المصرية من سياستها القمعية أو مراجعة ممارساتها الخارجة عن القانون، بل استمرت مع المنهج الدموي ذاته في ظل صمت دولي كامل، وتعزيز سياسة الإفلات من العقاب.

وعملية رصد انتهاكات حقوق الإنسان في مصر ليست بالأمر اليسير في ظل ندرة المعلومات بل وانعدامها في أحيان كثيرة، بالإضافة إلى حرص النظام على إظهار صورة مكذوبة ومشوهة لحقيقة ما يجري في مصر مدعومًا بآلات إعلامية عامة وخاصة ليصبح أي نشاط حقوقي أو إنساني خارج عن راية النظام جريمةً في نظر القانون المصري بحسب قانون الإرهاب الجديد، وقد برزت كذلك انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر وخاصة في الفترة من أول يوليو/تموز 2015 وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2015 إلا أنه لا مفر من محاولة العمل الجاد على إجلاء الحقيقة أمام الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي، وذلك لوضع كلٍّ أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية بشكل واضح.

فقد شكلت التجاوزات الحقوقية أسوأ مظاهر الانتهاكات الإنسانية، وسببت موجات عارمة من العنف والفوضى بسبب تواصل مسلسل الإعدامات والتعذيب والتحرش وانتهاك حرية التعبير، مما أثار منظمات حقوقية محلية ودولية حول مدى إمكانية مصر في قدرتها على صنع ديمقراطية حقيقية، وقد زادت الانتهاكات الحقوقية في مصر مؤخرًا مقارنة بالعهود الماضية لذلك ترى المنظمات الحقوقية أن الإصلاحات القانونية المزعومة كلها تصب في صالح النظام.

وعليه نرى نحن باعتبارنا محللين حقوقيين أنه في ظل انعدام الثقة وغياب الحلول الوسط أو تخفيف حدة الصراع بين النظام والمعارضة، يمكن للأزمة أن تطول مع ما يبدو من تداعياتها الخطيرة على الوضع الاقتصادي والسياسي، وقد اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية بـ«تخويف» الشهود وتهديدهم وإتلاف الأدلة الجنائية، بل وحبس واعتقال المحامين أنفسهم بهدف التغطية على قتل أجهزة الأمن لمئات المحتجين. وقد اعتمدت المنظمة في تقريرها على شهادات موثقة من محتجين ومحامين وشهود وصور وفيديو.

وتقرير «حصاد القهر» الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي يؤكد أن ما تتعرض له المنظمات الحقوقية بدأته وزيرة التضامن في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 بمحاولة إجبار تلك المنظمات على التسجيل تحت قانون الجمعيات الأهلية القمعي رقم 84 لسنة 2002، وفي  أقل من شهر من ذلك التاريخ جددت الدولة هجمتها على المنظمات الحقوقية عن طريق إحياء قضية التمويل الأجنبي سنة 2011، وتبع ذلك على مدى عام 2015 أكثر من استدعاء للتحقيق لنشطاء آخرين في منظمات حقوقية أخرى، من بينها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومركز هشام مبارك.

وأكدت أن تلك التهديدات والحرب غير المسبوقة دفعت بعض المنظمات والجمعيات الأهلية إلى وقف نشاطها أو تغيير مسار عملها أو نقل معظم أنشطتها إلى خارج مصر، تاركين الساحة بأرضها المحروقة وهوائها المسموم للمنظمات الحكومية التي أنشأتها السلطة واختارت لها الأعضاء لتزور السجون زيارات «مفاجئة» معروفة ومحددة مسبقًا، وبعدها تكتب ما يُملى عليها من تقارير يروج لها في أذرعهم الإعلامية في مشهد هزلي وعبثي لا ينطلي حتى على السذج من العامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد