«لا أحد ينزل النهر نفسه مرتين».

هذه المقولة للفيلسوف اليوناني هِرَقْليطُس، فمياه النهر متدفقة جارية، ومع كل مرة تنزل فيها النهر فأنت تنزل في مياه غير المياه الأولى التي نزلت فيها من قبل، في الحقيقة أنت تنزل في نهر جديد، ولا سيما النهر القرآني، ذلك النهر الذي شهد له أعداؤه قبل أتباعه، والذي كلما أبحرت فيه أثار في نفسك سؤالًا ما، وما إن تتدبره حتى يفيض عليك من آياته، ويسقيك من عذب كلماته.

كان السؤال الذي أثير في نفسي هذه المرة عن القسَم القرآني، فقد أقسم الله بأشياء عديدة في القرآن، فهل هذا التعدد من أجل التنوع؟ أم لغرض يخدم سياق الآيات المقسَم عليها؟

في أول الأمر ذهبت إلى الطريق الأسهل، فبحثت عن الحكمة في اختلاف القسَم في القرآن في تفاسير هذه الآيات المقسَم بها، وبعض الفتاوى التي تجيب عن هذا السؤال، فكان الجواب بين أن الله يقسم بما شاء من عظيم مخلوقاته، وبين أن الله فعال لما يريد ولا يُسْأَلُ عما يفعل، نعم هذا نصف الطريق، والذي يجب أن يعتقده المسلم، ولكن من ناحية أخرى فنحن مأمورون بأن نتدبر القرآن، ولأن القسَم أسلوب لتأكيد الخبر المقسَم عليه، فلا بد من أن تكون ثمة إشارة تقنع بما يُقسَم عليه.

لذا فقد قررت أن أبحر بنفسي هذه المرة، وبدأت ذاكرتي باستحضار آية من آيات القسَم القرآني، فكانت سورة النجم: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ».

هذا هو القسَم والمقسَم عليه، فما العلاقة بين النجم وبين عدم ضلال الرسول؟ هل أقسم الله بجرم سماوي لأن الآيات تتكلم عن رحلة المعراج السماوية؟ ربما، ولكن يظل السؤال لماذا النجم؟ لماذا لا يكون القمر أو الشمس أو الكواكب؟ فكلها أجرام سماوية!

وفي لحظة ما، خطر ببالي نصان لا أدري أيهما كان أسبق، أحدهما قوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»، والثاني قول المتنبي:

وَإِنّي لَنَجمٌ تَهتَدي بِيَ صُحبَتي .. إِذا حالَ مِن دونِ النُجومِ سَحابُ

إِذن هذا هو، فالعلاقة بين النجم وعدم ضلال الرسول هي أنهم يهتدون بالنجم في طرقاتهم، فإذا غاب النجم ضلوا الطريق، وكأن الله يقول: أقسم بالنجم الذي إذا غاب ضللتم طريقكم إن صاحبكم محمدًا ما ضل وما غوى؛ لأنه يهتدي بربه الذي لا يغيب، وهذا ما تفسره الآيات التالية لهاتين الآيتين.

ولكن قد يكون هذا الربط من صنع الخيال؛ لأني أبحث عنه! لا مشكلة، سأبحث مرة أخرى في آيات أخرى، ولتكن من سورة الفجر :«وَالْفَجْر (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ(4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ».

لعل الأمر هذه المرة يبدو أصعب من السابقة! هذا هو القسم فأين المقسَم عليه؟ الآيات التالية تتكلم عن عاد وثمود وفرعون، ثم تأتي آية «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ»، إِذن هذه الآية هي المقسَم عليها، فالقسم بين أوقات ترصد كالفجر الذي يرصد الناس من أجله السماء لكي يعرفوا متى ينفجر ضوء الصبح من قلب الظلام، وكذلك الليل متى يأتي بظلامه ليطغى على ضوء الصباح، والليالي العشر الأولى من ذي الحجة التي يرصد هلالها متى يولد، وأشياء تعد مثل مرور 10 أيام بعد مولد هذا الهلال، وكذلك الشفع «العدد الزوجي» والوتر «العدد الفردي» اللذان لا يعرفان هل هما شفع أم وتر إلا بعد إحصاء العدد، وكأن الله هنا أيضًا يقول: أقسم بهذه الأشياء التي ترصدونها، إني أرصد أعمالكم كما ترصدون هذه الأشياء.

وفي المرة الثالثة كان الأمر أيسر، فالله يقسم في سورة العاديات بمشهد مألوف، أعرفه بطبيعة دراستي للأدب العربي، خيل تعدو، وأنفاسها تعلو، تضرب الأرض بأقدامها فيتطاير منها شرر، تغير على الأعداء في وضح النهار، وتثير غبارًا خلفها، إلى أن تتوسط الجمع في أرض المعركة.

«وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا».

لماذا تفعل الخيل كل هذا؟ تفعله طاعة لصاحبها الذي يكرمها، هذا ما قالته العرب في أشعارها، ولا شيء أدل على ذلك من قول الأعرج الطائي في طاعة فرسه «الورد» له جزاء بما كان يصنع فيقول:

تلوم على أنْ أَمْنَحَ الورْد لِقْحةً .. وما تستوي والوردَ ساعة تفزعُ

إذا هي قامت حاسرًا مشمعلَّة .. نَخيب الفؤاد رأسُها لا يُقَنَّعُ

وقُمتُ إليه باللِّجام وسرجه .. هنالك يَجزيني بما كنت أصنعُ

لذا فقد أقسم الله بما تعرفه العرب خير معرفة، ثم يأتي بعد ذلك القسَم القرآني: «إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ»، وهنا تكتمل الهيئة والصورة، يقسم الله بالخيول التي تفعل هذه الأشياء طاعة لصاحبها الذي يكرمها بأن الإنسان جاحد فضل ربه، كافر به، عاصٍ له رغم أن نعمه عليه لا تعد ولا تحصى، وكأنه يقول لهم: انظروا وقارنوا كيف تتعامل خيولكم مع النعم، وكيف تتعاملون أنتم معها.

هكذا ظننت أنني وجدت ضالتي وقضي الأمر، لكنني كررت الشيء نفسه مرة أخرى، لا أدري ما الدافع هل هو القلق؟ هل هو البحث عما شعرت به من قبل؟ لا أدري! ربما مزيج منهما، على كل حال فقد كانت تجربة الإبحار في نهر القرآن تجربة ممتعة.

وخلاصة القول هذا هو ما وجدته عندما أبحرت في النهر القرآني، وجدت صلة بين القسم والمقسَم عليه، وكنت في كل مرة أجد علاقة هذه أشعر بسعادة ما، فإن كانت المرة الأول بحثًا عن إجابة لسؤال، فالمرات الأُخَر كانت بحثًا عن الشعور بهذه السعادة، سعادة النزول في هذا النهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تفسير القرطبي، سورة النجم
تفسير الطبري، سورة الفجر
تفسير الكشاف للزمخشري، سورة الزخرف، من موقع نداء الإيمان
موقع الإسلام سؤال وجواب
كتاب حلية الفرسان وشعار الشجعان
عرض التعليقات
تحميل المزيد