كانت الأمور قد وصلت إلى طريق مسدود، و بات الاتحاد بين مصر وسوريا الذى عرف يوماً باسم “الجمهورية العربية المتحدة” على شفا الانهيار، وفي النصف الثانى من عام 1961 قام حزب البعث بالتعاون مع عدد من الأحزاب في سوريا بالتوقيع على وثيقة الانفصال عن مصر، وانتهت الوحدة فعليا في دمشق فى 28 سبتمبر 1961، وعلى أثر ذلك تم اعتقال عدد من الضباط السوريين في مصر؛ بسبب موقفهم الرافض للانفصال، وظلوا في الأسر في سجن “أبوزعبل” لمدة 44 يومًا، ثم أطلق سراحهم بعد ذلك وأعيدوا إلى سوريا في إطار عملية تبادل مع ضباط مصريين كانوا قد احتجزوا في سوريا، كان من بين هؤلاء الضباط ، الرائد في سلاح الطيران حافظ علي سليمان الأسد الذى أبعد عن الجيش بعد عودته لسوريا لموقفه الرافض للانفصال، وأحيل إلى الخدمة المدنية في إحدى الوزارات.

في الثامن من مارس 1963 ، استولت اللجنة العسكرية للفرع الإقليمي السوري في حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في سوريا، وانقلبت على نظام الرئيس “ناظم القدسي” والحكومة المنتخبة برئاسة “خالد العظم”؛ بسبب الانفصال عن مصر كما ادعوا، فيما عرف بـ “ثورة الثامن من آذار”، وبعد أن استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب آذار، أعيد الرائد حافظ الأسد إلى الخدمة من قبل صديقه ورفيقه في اللجنة العسكرية ومدير إدارة شئون الضباط آنذاك المقدم: “صلاح جديد” ، ثم رقي بعدها في عام 1964 من رتبة رائد إلى رتبة لواء دفعة واحدة، وعُيِّن قائدًا للقوات الجوية والدفاع الجوي، بينما عُيِّن القيادى بحزب البعث والطبيب البشرى “نور الدين الأتاسي” وزيرًا للداخلية، ثم رقي إلى نائب رئيس الوزراء في العام التالي، وبدأت اللجنة العسكرية بتعزيز نفوذها.

وفي 23 فبراير 1966 قاد “صلاح جديد” انقلاباً عسكرياً بمشاركة صديقه حافظ الأسد، وهو الانقلاب العاشر في سوريا خلال عشرين عامًا، على القيادة القومية لحزب البعث، وأطاح برئيس مجلس الرئاسة اللواء “أمين الحافظ” ، وتخلى صلاح جديد عن رتبته العسكرية؛ لإكمال السيطرة على الحزب ليصبح مساعد الأمين العام لحزب البعث، بينما تولى الأسد منصب وزير الدفاع، وأصبح نور الدين الأتاسي رئيسًا للدولة وأميناً عامّاً لحزب البعث، لكن كانت سلطته محدودة؛ إذ كانت السلطة الفعلية في يد مساعد الأمين العام لحزب البعث صلاح جديد، وفي عام 1968 تبوّأ الأتاسي منصب رئيس الوزراء إلى جانب تبوّئه منصبَي الأمين العام للحزب ورئيس الدولة.

في 5 يونيو 1967 تحركت إسرائيل عسكرياً وقامت بضرب مصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان، واحتلت سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان ودمرت نحو 80% من العتاد الحربى للدول العربية، فيما عرف بنكسة يونيو 67 ، أو حرب الأيام الستة، أو “ملحمة شيشيت ها ياميم” ، ومن بعد النكسة بدأت الخلافات بالظهور بين الأسد وصلاح جديد؛ حيث انتقد جديد أداء وزارة الدفاع خلال الحرب، من تأخر غير مفهوم لسلاح الجو السوري في دعم نظيره الأردني، بالإضافة لقرار الأسد بسحب الجيش، وإذاعته نبأ سقوط القنيطرة بيد إسرائيل في العاشر من يونيو قبل أن يحدث ذلك فعليًا، مما أدى لتحميله مسئولية الهزيمة.

وكان عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة يومئذ في جولة ميدانية جنوب القنيطرة، وقال الاكتع في شهادته لاحقاً: “سمعت نبأ سقوط القنيطرة يذاع من الراديو، وعرفت أنه غير صحيح؛ لأننا جنوب القنيطرة، ولم نر جيش العدو، فاتصلت هاتفياً بحافظ الأسد وزير الدفاع، وقلت لـه: المعلومات التي وصلتكم غير دقيقة، نحن جنوب القنيطرة، ولم نر جيش العدو! فشتمني بأقذع الألفاظ، ومما قالـه لي: لا تتدخل في عمل غيرك يا … ، فعرفت أن في الأمر شيئاً!”

وبالفعل لم تطأ القوات الإسرائيلية أرض القنيطرة، إلا بعد إعلان سقوطها بما لا يقل عن سبع عشرة ساعة، وقال سامي الجندي وزير الإعلام آنذاك وعضو القيادة القطرية في كتابه “كسرة خبز”: “إن إعلان سقوط القنيطرة قبل وصول العدو لها بأكثر من يوم، أمر لا يمكن فهمه بتأويل حسن”.

وصلت الخلافات بين حافظ الأسد وصلاح جديد إلى أوجها خلال أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970، فقد تمكنت كتائب حركة التحرير الفلسطينية من السيطرة على كبرى المدن الأردنية في شمال المملكة الأردنية، وأعلن ياسر عرفات في بيان له أن المنطقة الشمالية من الأردن أصبحت مناطق “محررة” تخضع لسيطرة “الثوار” الفلسطينيين، وعين عرفات حكاماً إداريين لمحافظة “إربد” وفي “لواء عجلون” و”لواء جرش”، وفي ليلة 18 سبتمبر 1970 أرسل صلاح جديد الجيش السوري لدعم الفلسطينين في اعتدائهم على الأردن، و قاد الرئيس السوري نور الدين الأتاسي الهجوم بنفسه من مقر القيادة في درعا؛ في محاولة لتعزيز قوات عرفات في شمال الأردن، لكن حافظ الأسد امتنع عن تقديم التغطية الجوية للجيش السوري وتسبب في إفشال مهمته.

و تصاعدت حدة الخلاف إلى أوجهها، وفي أكتوبر 1970 استقال نور الدين الأتاسى من كافة مناصبه؛ احتجاجاً على تدخل الجيش في السياسية، وعلى ممارسات رفعت الأسد شقيق وزير الدفاع حافظ الأسد، وعلى إثر هذه الاستقالة فرغت المناصب الثلاثة الرئيسة في الدولة، وفي 30 أكتوبر 1970 قام صلاح جديد بعقد المؤتمر العاشر الاستثنائي الطارىء للقيادة القطرية لحزب البعث، والتي قررت بالإجماع إقالة وزير الدفاع حافظ الأسد ورئيس الأركان مصطفى طلاس من منصبيهما، لكن الأسد لم ينصع للقرار، وفي 16 نوفمبر 1970، وبمساعدة من القطع الموالية له في الجيش، ومساعدة شقيقه رفعت الأسد قائد الفرقة الرابعة الملقبة بسرايا الدفاع.

قاد وزير الدفاع السوري المقال حافظ الأسد انقلاباً عسكرياً على رفيقه وصديقه صلاح جديد، وعلى رئيس الجمهورية الدكتور نور الدين الأتاسي أول رئيس مدني من البعثيين، واعتقلهم مع العديد من رفاقهم من قيادات حزب البعث في سجن المزة، واستولى على الإذاعة والتليفزيون، وقرأ المذيع “محمد قطان” رئيس شعبة المذيعين آنذاك بيان الانقلاب العسكرى الذي لقب لاحقاً بـ “الحركة التصحيحية”، وبعدها بخمسة أيام وفي 21 نوفمبر، تولى الأسد منصب رئاسة مجلس الوزراء، إضافة إلى منصب وزير الدفاع في الحكومة الجديدة، وعين “أحمد الحسن الخطيب” رئيس نقابة المعلمين السابق وعضو حزب البعث رئيسًا صورياً للبلاد، حيث كانت السلطة الحقيقية في يد رئيس الوزراء اللواء حافظ الأسد.

واستمر الخطيب في منصبه لفترة انتقالية دامت لمدة أربعة أشهر من 18 نوفمبر 1970 إلى 22 فبراير 1971، قضاها في “قصر المهاجرين” مشغولا باستقبال المهنئين والفرحين والفخورين به، متلقياً آلاف المبايعات المكتوبة بالدم وبرقيات الولاء، وفي أول هذه الأيام أصاب حماس التأييد تجار دمشق وحلب، وركضوا إلى المطابع ليشتروا صور الرئيس الجديد؛ ليعلقوها كالمعتاد في صدر دكاكينهم كعادتهم، عملاً بمبدأ مات الملك عاش الملك، لكنهم تفاجأوا بأن الصور المطبوعة والموزعة كانت لوزير الدفاع ورئيس الوزراء حافظ الأسد فقط، وعلى الفور جفت وفود المهنئين من دمشق وحلب حيث مقر الخطيب، وتحول مسارها إلى رئاسة الوزراء حيث مقر الأسد.

وخلال هذه الفترة كانت جموع الشعب السوري تقوم بمسيرات يومية عفوية، مطالبين حافظ الأسد بالترشح لرئاسة الجمهورية، وكانت الإذاعة السورية تذيع أغنية “تسلم يداك يا معلم .. قود السفينة يا معلم” قاصدين اللواء حافظ الأسد وزير الدفاع، الذي “أنقذ البلاد من الفوضى” على حد تعبير المذيعين السوريين، وبالطبع اضطر الأسد – كما قال فيما بعد – للنزول على رغبة الشعب، وقبول تكليف الشعب له بهذه المهمة الشاقة.

بمجرد تولى الأسد الحكم في 22 فبراير 1971، توالت مجازره ضد الشعب السوري الواحدة تلو الأخرى، و ابتدع نظام الأسد طرقا مبتكرة لإرهاب الشعب السوري، وقمع الحريات؛ بدعوى القضاء على الإرهاب والتطرف، مثل الاعتداء على حرمة المساكن واختطاف النساء والفتيات، والسطو على الأموال والممتلكات وقتل الأزواج والتمثيل بهم أمام الزوجات والأولاد تحت مسمى “تمشيط المدن والقرى”، إذ تقوم الحوامات والدبابات والقوى المحمولة بتطويق المدن والقرى التي يراد تمشيطها، ويؤمر الناس بمنع التجول والمكوث في بيوتهم، وتقسم المدينة إلى قطاعات.

تتولى كل قطاع مجموعة كبيرة من الجنود والوحدات الخاصة وسرايا الدفاع التى يقودها رفعت الأسد، وعناصر المخابرات والكتائب الطائفية، ويستبيحون كل شيء في أثناء “التمشيط”، يسرقون وينهبون ويدمرون ويعتدون على الناس، ويقتلون كل من يرفع صوته محتجاً ومعترضاً على هذه الانتهاكات زاعمين أنه من الإخوان المسلمين، وكثيراً ما أبادوا أسراً كاملة، وقطعوا أيدي النساء وأصابعهن من أجل الأساور والخواتم الذهبية، ولم تكد تخلو مدينة أو قرية في القطر إلا وتعرضت للتمشيط، فحلب مثلاً مشطت مرتين، ومدينة حماة مشطت تسع مرات، وهكذا سائر المدن والقرى، واستمرت البلاد في حالة من الخوف والذعر بسبب “الشبيحة”، وهم عصابات من المرتزقة استعان بهم الأسد لحفظ أركان نظامه وكبت المعارضة.

في العاشر من يونيو 2000 توفى حافظ الأسد، وتولى منصب الرئاسة بعده ابنه طبيب العيون:”بشار الأسد”، إثر استفتاء عرض على مجلس الشعب السوري لتعديل سريع لدستور الجمهورية العربية السورية؛ لخفض الحد الأدنى لعمر الرئيس من أربعين إلى أربع وثلاثين عاماً، لتمكينه كقيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي من عرض ترشيحه على مجلس الشعب لمنصب الرئاسة، وبالفعل ورث الحكم لبشار الأسد، وظل صالح جديد رهن الاعتقال بدون محاكمة، حوالي ثلاث وعشرين سنة،حتى توفي في السجن في 19 أغسطس 1993، وكذلك نور الدين الأتاسى الذي أمضى 22 عاماً في السجن في زنزانة ضيقة دون محاكمة.

وفي عام 1980 أنزل الأتاسي من سجن المزة ووضع قيد الإقامة الجبرية في حي القصور، وقامت السلطات بمفاوضته عن طريق الجنرال محمد الخولي رئيس المخابرات الجوية ليعترف بشرعية نظام الأسد، ولكن المفاوضات أدت إلى إعادته إلى سجنه، و أصيب الأتاسى بسرطان المريء و لم تُقدِّم له السلطة العلاج المناسب، وتدهورت حالته وأُدخل إلى مشفى تشرين العسكري لمدة 4 أشهر، وفي نوفمبر 1992 علمت السلطات الفرنسية بحالته الصحية السيئة فعرضت على السلطات السورية أن تتولى علاجه، فأرسل الأتاسي إلى المستشفى الأمريكي بباريس في 22 نوفمبر، ولكن الوقت لم يسعفه، وتوفي بعد أسبوع من وصوله فى 3 ديسمبر عام 1992 عن عمر يناهز الثلاثة وستين عاماً، ودُفن في مدينته حمص، وخرجت له جنازة مهيبة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد