كثيرة هي التعريفات التي تصلح أن تكون تفسيرًا لهذه الكلمة المفخخة “الحب” كل منا حسب تأويله، لكننا جميعًا نتفق على أن الحب “شعور” ليس “مادة” ولأنه شعور فهو لا يستأذن أحدًا، يأتي هكذا من تلقاء نفسه ونحن بدورنا نحتفي به لأننا لا نملك من أمر قلوبنا شيئًا، يأتي الحب ولا يعنيه ما إذا كان الوقت مناسبًا أم لا، ولا يخضع للجغرافيا ولا تمنعه الحروب، بل أظن أن هناك حُبًا يستحق أن تُشَن الحروب لأجله.

 

ليس شرطًا أن يُحِبَك مَن تُحِب حتى وإن كنت كريمًا في مشاعرك معه، طالما أحببته بمحض إرادتك دون أن تُمارس عليك أية ضغوط، فليس هناك عطاء أنت مُجبَر عليه، والشعور ليس استحقاقًا يستوجب السداد بمثله، لذلك ستكون وضيعًا لو امتننت بحبك على من أحبَبت لمجرد أنك أحببته من طرف واحد، فهو لا يملك أن يحبك وأنت أيضًا لا تملك أن تتوقف عن حبه، هذه حقيقه عليك أن تقبل بها.

 

كم يبدو مثيرًا للشفقة هذا الذي يسعى بكل ما أوتي من فرصه أن يكون نسخة مكررة من غيره كي يحبه، ظني أن الحب أسمى من كل هذه التُرهات والسخافات، كن أنت أنت لا أحد غيرك، حافظ على كونك شخصًا يتمتع بثقل ذاتي ليس بحاجة لأحد كي يشعره بقيمته ووجوده، فأنت حين تتخلى عن سَمتك وعفويتك ستتحول في عين الطرف الآخر إلى مسخ بذيء يتعالى عن مصافحته أو القبول به، فلا تشحذ حبًا يا مسكين.

 

حين كتب “ابراهيم نصرالله” في روايته “شرفة رجل الثلج” أن “الأحلام التي لا تنبت في أرضها تتحول إلى كوابيس” كان يحذرنا ممن لا يشبهوننا، حين يقرر أحدنا أن يخوض تجربة “زواج” عليه بمَن يشبهونه، أتحدث هنا عن الزواج التقليدي أو ما يُسمي “زواج الصالونات”، لأن الحب لا يعترف بالجنسية ولا يخضع للمتشابهات، أما الزواج ليس شرطًا أن تأتي به قصة حب والحب ليس بالضرورة أن ينتهي بزواج.

 

حين أحَب الأديب “جبران خليل جبران” الأديبة “مي زيادة” وعاشوا على هذه العاطفة عشرين سنة دون أن يلتقوا إلى أن مات جبران وانتقلت بعدها مي إلى مستشفى الأمراض النفسية بعد أن ساءت حالتها، كنت أسأل نفسي سؤالًا كيف لإنسان أن يغرم بامرأة دون أن يَراها هذا ضربًا من الخيال؟

 

لكنني وجدت الرد في أحد رسائل جبران حين كتب إلى مي في “الشعلة الزرقاء” قائلًا: ربما تظنين في نفسك أنني من الخياليين لا أعيش الواقع وأنا لا أعرف ماذا يعنون بهذه الكلمة البائسة، لكنني أعرف أنني لست بخيالي إلى درجة الكذب على نفسي، ولو حاولت الكذب على نفسي فنفسي لن تصدقني، النفس لا ترى في الحياة إلا ما بها ولا تؤمن إلا باختباراتها الخصوصية، واذا ما اختبرت أمرًا صار غصنًا في شجرتها .

 

” لا أريد من هذه الرسالة الطويلة سوى عبارة “النفس لا ترى في الحياة إلا ما بها ولا تؤمن إلا باختباراتها – الروحية الخالصة – لذلك فالحب لن تأتي به قوة دافعة ولن يصنعه أحد على عينه، ولو جمعوا لك كل الأقارب والجيران والعرّافات واللُطفاء حتى تحب شخصًا ما لن تحبه طالما أنك لم تشعر بهذا الحب ابتداءً.

 

إذًا الحُب رزق كما قال النبي محمد حين وصف حبه لأمنا خديجة “إني رُزِقتُ حبها” قال النبي ذلك يوم كان المجتمع يؤمن بالحب كشعور مقدس يشع منه القلب نورًا وتتجلى فيه الروح وجودًا، حبًا تزداد معه النفس قوة وعزمًا كلما مر الوقت، حبًا يمكنهم المراهنة عليه، أما الحب في زماننا اليوم – دون تعميم – أصبح حبًا هشًا ضعيفًا لأنه مصنوع كما الآلات تمامًا، حبًا لن تستطيع أن تسحب يدك نظيفة منه لو لم يكتمل، ستبقى متورط به كذنب، حبًا يعتمد على المقارنات قابل للمساومة والتفاوض والبيع والشراء، حبًا أعمى كما يصفه البعض.

 

كان الحب كبيرًا يوم كانت المرأة تبحث عن فكرة الحب لا عن الرجل نفسه، لأن الرجل قد يمرض أو يضعف وربما يموت، لكن الفكرة ستبقى لأنها أقوى وأنقى، كان كبيرًا يوم كان الزواج أكبر من مجرد سرير وشهوة، كان كبيرًا يوم كان الرجل يحترم استقلال المرأة، يرى فيها المركز وكل من سواها هوامش، يحرك الحياة في داخلها، يدفعها لاكتشاف ذاتها، كان كبيرًا يوم كان الزواج شراكة لا مفاوضات، يوم كان الحلال المشروع ميسورًا، فتطهرت مجتمعاتنا من الحرام الممنوع.

 

آفة الحب الإهمال، لا شيء يمكنه أن يحكم على شعور الحب بالوأد أكثر من “الإهمال والتجاهل” حتى وإن أبقى الطرفان على العلاقة ستكون باردة، قرأت يومًا أن “عباس العقاد” أرسل كتابًا إلى “مي زيادة” ولم ترد عليه، فبعث إليها برسالة أخرى قائلًا: “أرجو أن يكون ذلك عَمدًا، فالعقاب عندي أهون من الإهمال”.

 

نهاية أقول .. ما مِن أحدٍ صحيح في الحب، يوجد شخص صحيح لأنك تحبه فحسب، وسيبقى دومًا صحيحًا مهما فعل، فالحب له قوانين غير قوانيننا وعين ليست كأعيننا ولغة لا تشبه لغتنا، فلا تعتذر إن سقطت فيه يومًا، فغيرك سقطوا في أمور تستحق التوبة ولم يعتذروا.

 

أختم بما قاله “الرافعي” في رائعته “أوراق الورد”:

“قد يكون في الدنيا ما يُغني الواحد من الناس عن أهل الأرض كافّة، ولكن الدنيا بما وسعت لا يمكن أبدًا أن تغني محبًا عن الواحد الذي يحبه، هذا الواحد له حساب عجيب غير حساب العقل، فإن الواحد في الحساب العقلي أول العدد، أما في الحساب القلبي فهو أول العدد وآخره، ليس بعده آخِر إذ ليس معه آخَر”

 

دمتم بحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد