منذ أن قامت الثورة – 25 يناير (كانون الثاني) – ونحن نشاهد مسلسل سقوط الرموز.. مسلسل يتكرر كل يوم، حتى أنه أصبح مملًا للغاية كمسلسل هندي (رخِم) أو كبرامج (المقالب) التي أبطالها نجوم المجتمع، فأنت تعرف كل تفاصيل البرنامج وما يحدث وما سيحدث – وربما أنت متأكد أن الموضوع كله تمثيل في تمثيل – لكنك تشاهده كل يوم لتعرف من بطل مقلب اليوم تمامًا مثلما أصبحنا ننتظر كل يوم الرمز الذي سيسقط.

أغلبهم سقطوا بلا مراعاة لحبنا لهم، أو حتى احترامًا لتاريخهم كرموز.. سياسي شهير كنّا نستمع إليه، كاتب عبقري يكتب عنّا وإلينا، شاعر ثورجي يثور في قصائده ويقول ما نخاف قوله، ممثل جميع أعماله عن حياتنا… إلخ. الأغلب سقط.

كل رمز سقط بطريقته، لكنهم اجتعموا في النهاية على مبدأ السقوط.. الكاتب الفلاني الذي كان يكتب عن الحرية تنازل عن الحرية وعنّا وعن الكتابة ذات نفسها.. الشاعر الثورجي صاحب القصائد الثورية، أصبح رئيسًا للمنظمة الفلانية.. الممثل ذو الأعمال القيمة، اتجه للأعمال التجارية.. حتى هذا الذي كان يحدثنا عن الأخلاق، اتضح أنه (لا مؤاخذة).

صدمات.. صدمات.. صدمات.. ولا شئ سوي الصدمات، مسلسل من السقوط لتلك الرموز العريقة التي طالما أحببناها، سقوط شاهدناه وعاصرناه، وآخر حدث قديمًا، لكنه ظهر الآن.

صدمات جعلتنا ننتظر من سيسقط المرّة القادمة، جعلتنا لا نثق في أحد.. يا عزيزي حتى الرياضي الأسطورة الذي شهد الجميع على عظمته، وأخلاقه.. سقط.

سقوط ثم سقوط ثم سقوط، جعلنا نشك أننا في (زمن المسخ) – كما قال الأسواني – سقوط عنيف لهذا ولذاك جعلنا نؤمن أن (كله بتاع مصالح) كما يقول المثل الشعبي.

لم يعد شخص واحد نستطيع أن نقول: إنه رمز حقيقي، الأغلب سقط.. وحتى الذين لم يسقطوا إلى الآن، على أعتاب السقوط.. ومن نثق فعلًا أنهم رموز حقيقية، شوههم الذين سقطوا وحاولوا إسقاطهم معهم، فإما أنهم سقطوا مثلهم، أو اختفوا.. الحل الوحيد لكي لا يسقط ذلك الرمز هو أن يموت، قبلما يسقط.. وأخشى أنه كان سقط قبل الموت، لكننا كنّا لا ندري.

وعندما نتحدث عن الرمز لا نقول إنه ملاك، لا يخطئ إطلاقًا، هو بشر عادي يخطئ ويصيب، لديه سيئات وحسنات.. هو فقط شخص صادق ليس منافقًا، يكتب عن الحرية فلا يتردد في الدفاع عنها، يحدثنا عن الأخلاق فيكون – فعلًا – ذا خلق.

وبالطبع فهو لا يحبه كل الناس، لا يوجد شخص أو حتى شيء يجتمع عليه الجميع، ولكن على الأقل يحترمه الجميع، ربما نختلف معه في وجهات النظر، ولكن نظل نحترمه ونقدره.. فالرمز ليس ملاكًا أو خارقًا، فقط شخص تطابق أفعاله أقواله.

لم أكتب هذه الكلمات لأنعي الأخلاق الضائعه أو أتحدث عن ما وصلنا إليه من نفاق وغش، فهذه الأشياء تحدث عنها الجميع من قبل كثيرًا.. فأصبح التحدث فيها سذاجة شديدة. أنا فقط أتعجب من تلك الظاهرة التي أصبحت تتكرر كثيرًا، حتى أننا لم نعد نهتم بسقوط هذا أو ذاك مهما كان مدى حبنا له قبل السقوط.. وأصبحنا نفصل بين إنتاج رموزنا – أعماله، سواء كان ممثل أو كاتب أو مغني أو شاعر أو إعلامي – وبين مايفعل في الواقع، فلم يعد من الغريب أن يكتب أديب رواية عن الفساد، ثم نكتشف أنه سيد الفاسدين، أو أن يقوم ممثل ما ببطولة فيلم يدافع عن الحريات، وبعدها يُقر أنه لا يمانع أن يُعتقل شخص معارض أو ضد نظام.. الأمثلة كثيرة، ولم تعد هناك أي غرابة في أن تحدث.. لم يعد أمامنا – نحن الشعب – سوى الفصل بين ما يقدمه ذلك الشخص من إنتاج وبين أفعاله وأقواله.. فللأسف كُتب على مصر أن يسكنها المنافقون.

في النهاية – عزيزي القارئ – قد تتذكر وأنت تقرأ كلامي هذا الأشخاص الذين مازالوا يمثلون رموزًا بالنسبة لك، فأحب أن أخبرك أن بعضهم سيسقط عاجلًا أم آجلًا، كما سقط الذين كنت تعتبرهم رموزًا من قبل.. فهذا البلد لا يعيش له رموزًا.

وإحقاقًا للحق، فقليل جدًا من استطاعوا أن يحافظواعلى مكانتهم كرموز حقيقية نعترف بها ونقدرها، وأدعو الله أن يظلوا هكذا فسقوطهم سيكون مؤلمًا وغير محتمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد