ربما قد اصطدمتَ في يومٍ ما بفيلم “المتبقي” الذي عُرض عام 1995، وهو فيلم يضم حفنة من كبار الممثلين السوريين، أمثال سلمى المصري وجمال سليمان وبسّام كوسا، يؤدون القصة المستوحاة من رواية غسّان كنفاني “عائد إلى حيفا”.

الفيلم صوّر تعامل جيش الاحتلال الإسرائيلي مع الفلسطينيين، وكيفية إبادتهم في عدة مشاهد يُدمى لها القلب، استحلال الدم والعرض وبث الخوف والرعب، لينتهوا في وطنهم ويتبقى الطفل “فرحان” الذي احتفظت به أسرة يهودية، فتأتي جدته من غزة لاسترجاعه.

تبكي مع لقطات عدة في الفيلم، ينتابك طوال الوقت رغبة في حمل سلاحك والمضي قدمًا للمحاربة وتحرير فلسطين، تشاهد تمسك الجدة بفرحان وفي نفس الوقت تضحيتها بحياتها ليعيش هو حرًّا.

فيلم آخر مثل “المخدوعون” والذي أنتج عام 1973 والمقتبس أيضًا من إحدى روايات غسّان كنفاني “رجال في الشمس”، يصور رحلة 3 رجال فلسطينيين إلى الكويت من أجل لقمة العيش، وكيف أجبرهم الاحتلال والفقر والتضييق في الرزق إلى هجر أرضهم لأرض أخرى خلف الصحراء، لا يفقهون فيها سوى ما يشاع عنها بأنها مملوءة بالنفط، فانتهى بهم الأمر جثثًا ملقاة في طريقها، في طريق لقمة العيش، عراة لا كفن يغطي سوءاتهم، ملقون على رمال الصحراء كما تُلقى القمامة!

تنتهي منه وفي قلبك رغبة للنيل من كل عربي جعل حال القضية الفلسطينية كجثة ملقاة لا يُلقِي لها أحد بالاً.

أيًّا من هذه الأفلام لم تكن فلسطينية الإنتاج ولا التمثيل، هي كانت فلسطينية الروح والأدب ليس إلا.

ولكن في عام 2005 فاجأنا رجل فلسطيني الأصل كندي الجنسية بإخراج فيلم ترشح لنيل جائزة الأوسكار، هاني أبو أسعد أنتج فيلمه بتمويل من الصندوق الهولندي والبريطاني والأوروبي والأمريكي والإسرائيلي! وإذا ما بحثت عنه في مواقع الأفلام ستجده مُعرّفا بـ: (الفيلم الفلسطيني “الجنة الآن”).

الفيلم عبارة عن تشويه فج وصريح للمقاومة الفلسطينية، بدءًا من القادة الذين يتحدثون مع الشابين سعيد وخالد كما تحدث أحمد راتب إلى عادل إمام في فيلم “الإرهاب”، مرورًا بـ “سُهى” ابنة الشهيد “أبو عزام”، والتي تتحدث باسم بوق السلام مع إسرائيل، فهي ترى أن العمليات الاستشهادية لا قيمة لها، بل على العكس تمامًا هي تزيد الكراهية والنفور وتستفز الإسرائيليين لقتل المزيد! ثم تصرخ ابنة الشهيد المقاوم “مفيش جنّة.. طلع الجِنّي اللي في دماغك”.

وطوال الفيلم ستقابلكَ حالة من ردود الأفعال المتشككة والمترددة من قبل خالد وسعيد حول فائدة القيام بعمليتهما الاستشهادية، فهما متذبذبان ومدمنان السجائر والأرجيلة، وهدفهما من الاستشهاد هو الهروب من شعور العجز! أين عقيدة المقاومة هنا التي تنص على أنها جهاد ونصر، فالمقاوم يسير بخطى ثابتة وواثقة، وليس بتردد وتراجع. هو يقاوم لينتصر، فلا يقتل نفسه ليهرب.

الفيلم يفتقر للمشاهد الطبيعية الخلابة، للموسيقى والكدرات المبهرة، للتفاصيل العربية الجذابة التي يمتلئ بها الفلسطيني، لا أدري كيف ترشح للأوسكار.

أما في عام 2013، يبدو أن “أبو أسعد” قد استشعر خطأه الذي بسببه تعرض إلى انتقادات لاذعة، فاتخذ السبيل الناعم، ووضع الكثير من السُّم مع الكثير والكثير من العسل.

ففي فيلم “عمر” الذي يتحدث أيضًا عن المقاومة، يتذبذب المقاوم والمجاهد بين حريته وأن يمد المخابرات الإسرائيلية بالمعلومات اللازمة عن قائده “طارق”، فيضطر “عمر” أن يقتل “طارق”، على الرغم من أنه رفيقه في الجهاد ورفيق طفولته وشقيق حبيبته، صديقه الآخر يوهمه أنه أقام علاقة مع حبيبته ليتركه يتزوجها ويستر عليها، اللمسة الإنسانية الجميلة لرجل المخابرات الإسرائيلي والعته لرجل المقاومة “طارق” يجعلانك تؤمن باستحقاقهم جميعًا ما حدث لهم.

 

هاني أبو أسعد سمع قصة ما من صديق ما، فدخل غرفة ما، وأمسك ورقة ما وقلمًا ما وكتب سيناريو الفيلم في 4 ساعات وصوره في 8 أسابيع ثم رُشّح لأوسكار 2014!

حرص المخرج على التخفيف من وطأة الهجوم على المقاومة، فأبرز مساوئ جدار العزل العنصري، والحالة المحبطة لعمر وعدم استطاعته تسلق الجدار مرة أخرى كرمز لروحه التي قتلها الإسرائيليون.

 

عُرض الفيلم أول مرة في نادي سينما إسرائيلي، أثنى عليه العديد من المخرجون والفنانون الإسرائيليون، ورجال المخابرات السابقون الذين عملوا في تجنيد الفلسطينيين ليتجسسوا على المقاومة، و قالت عنه “نيتشا شاحار” المنتمية لليسار الإسرائيلي والخبيرة في الشئون التربوية “الفيلم مُغضب جدًّا، لم أستطع الجلوس بهدوء طوال العرض، فالفيلم كان يتحدث فقط عن الكذب والاستغلال، الشاب يكذب على البنت، وعلى أصدقائه ويخونهم”.

بالتأكيد! فهذا هو المقاوم الفلسطيني!

يقول المخرج هاني أبو أسعد: “قصدتُ أن يكون البطل خبّازًا لأن الخبز يُوضع على النار وإذا زاد الوقت احترق، وإذا قلّ لا يُؤكل، وبالتالي البطل كان في حاجة إلى هذا التوازن كي يعيش”.
ويبدو أن “أبو أسعد” لجأ لهذا التوازن في صناعة فيلمه، فلا يحترق من قبل الفلسطينيين ولا يحترق من قبل الإسرائيليين!!!

ينتهي كلا الفيلمين (الجنة الآن – عمر) بإتمام مهمة قتل الإسرائيليين!

هل عليك أن تسعد الآن لأن الإسرائيلي قُتِل، أم تغضب لأن نفس الإسرائيلي استشهد!

هذا النصر اللا فلسطيني الزائف، هذه السينما التي تروج لمعاداة القضية، التعاطف مع شعب الله المختار، إظهار كم السوء في المجاهدين، هذه الأفلام الإسرافلسطينية، إسرائيلية بنكهة فلسطينية، علينا جميعًا أن نكف عن تعريفها باسم “الفيلم الفلسطيني الرائع”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد