من منا لا يعلم مدى كذب ونفاق الإدارات الأمريكية، وتعاونها الوثيق مع الكيان الصهيوني المحتل لأراضي فلسطين، كما ندرك المساعي التي كانت ولا زالت تبذل من قبل واشنطن في سبيل منح الصهاينة «دولة قومية» على حساب الدولة الفلسطينية والشعب الفلسطيني المناضل والمكافح والمدافع عن أرضه منذ عقود من الزمن، حيث حينًا بعد آخر، ورئيس أمريكي تلو آخر، تتخذ الولايات المتحدة ذرائع جديدة تزعم من خلالها إيجاد صيغة حل للأزمة الفلسطينية – الإسرائيلية، ودائمًا ما تكون هذه الحلول المزعومة «عفنة»، تميل لصالح جهة دون أخرى، وبالطبع فإن القرارات الأمريكية تميل كفتها لصالح تل أبيب الحليفة والصديقة الودودة لواشنطن.

الحيلة التي تريد من خلالها واشنطن اليوم أن تقضي على حلم الاستقلال الفلسطيني الذي لطالما لا يزال يراود بعض العرب (وليس جميعهم)، والمواطنين الفلسطينيين على وجه الخصوص، تكمن في ما يسمى بـ«اتفاق السلام»، والمعروفة بـ«صفقة القرن»، التي تتم بجهود كبيرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، وجيسون غرينبلات (المبعوث الأمريكي لعملية السلام في الشرق الأوسط، وهو يهودي أرثوذكسي عمل محاميًا في مجال العقارات وكان مقربًا لترمب منذ عقود)، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتن ياهو، وبمساندة بعض قادة الدول العربية والأنظمة الخليجية.

ومن أبرز البنود التي تتضمنها «صفقة القرن» هي قيام دولة فلسطينية على قطاع غزة وحوالي نصف الضفة الغربية، بسيادة محدودة، على أن يبقى الأمن بيد إسرائيل في معظم أنحاء الضفة، كما تظل السيادة الأمنية على نهر الأردن بيد إسرائيل.

وفي القدس تنقل الأحياء العربية إلى سيادة الدولة الفلسطينية عدا البلدة القديمة التي تظل تحت السيادة الإسرائيلية، وستعلن «أبوديس» عاصمة لفلسطين، فيما يتم تقاسم الرعاية الدينية على مساجد المدينة القديمة بين فلسطين والأردن، دمج غزة في الدولة الفلسطينية الجديدة، بشرط موافقة «حماس» على نزع السلاح.

وملخص الخطة أن إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وفلسطين بسيادتها المحدودة تكون الوطن القومي للفلسطينيين.

«صفقة القرن» لا تختلف في مضامينها كثيرًا عن «وعد بلفور» المشؤوم الذي مضى عليه أكثر من مئة عام، حيث إن الهدف من الاثنين إقامة دولة يهودية على حساب العرب الفلسطينيين، وتصفية القضية الفلسطينية بطريقة أو بأخرى، أما الاختلاف فيكمن فقط بالأسماء فوعدٌ يسمى «بلفور» وآخر يسمى بـ«وعد ترامب»، ويظل الشعب الفلسطيني ما بين وعود الأمس واليوم مستمرًا في حراكه ومسيراته الرافضة للوجود الصهيوني وأي طرق تحاول أن تقبع تلك المسيرات، وتجبر الفلسطينيين على القبول بما لا يريدونه.

أوهام كبيرة ترافق الأجانب ومساعديهم العرب في ما يتعلق بقضية فلسطين، فعلى ما أضن إنهم نسوا أن هذا الشعب أمضى عقودًا من الزمن وهو مستمر في محاربة ومقارعة الاحتلال، قدم آلاف الضحايا بل أكثر، وآخرين أسرى، وغيرهم مصابون، وبعضهم معتقل، دون أن يكل أو يمل بل على العكس تمامًا، يزداد الفلسطينيين كل يوم بل كل لحظة تمضي عزمًا وإصرارً بالثبات على موقفهم وطموحهم في عودة أرضهم إليهم.

ولعل الحوار الفلسطيني – الفلسطيني الذي عقد في يومي (11) و(13) فبراير (شباط)، بالعاصمة الروسية موسكو، والذي ضم مختلف الفصائل الفلسطينية وأكدوا فيه رفض أية مبادرات خارجية بما في ذلك الاقتصادية التي من شأنها تقويض فرص بناء الدولة الفلسطينية المستقلة، والمتصلة جغرافيا، وذات سيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، بالإضافة إلى توافق جميع الفصائل على قرار مواجهة الخطة الأمريكية المسماة بـ«صفقة القرن»، يعتبر حوارًا بالغ الأهمية لا سيما أنه جاء في وقت تحتاج فيه فلسطين إلى تعاضد وتكاتف جميع أبنائها لمواجه المشروع الصهيو – أمريكي الساعية إلى طمر قضيتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

عن الإسقاط الأمني كجزء من حرب العقول
شارك 1
منذ 3 أسابيع
الاحتلال الإسرائيلي
أشرف مروان الجاسوس الخارق
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع
فلسطين.. هدم للبيوت أم هَدم الذاكر!
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 4 أسابيع