لو تكلمت مع مجموعة أشخاص عن سبب تخلفنا وتأخرنا بوصفنا عربًا ومسلمين لوجدت الإجابة عند الأغلب لا تخرج عن سبب بعدنا عن الدين، أو الابتعاد عن الشريعة الإسلامية الصحيحة، وقد ترى في هذه المجموعة من يناقض هذا السبب ويقول: ولماذا تقدم الغرب وهم في الأغلب لا يؤمنون بالله وحده، ولا يلتزمون شريعته؟

قد يكون هذا الرد مقحمًا للجواب الأول! أليس كذلك…

حسنًا لو تناولنا الموضوع بعقلانية وتجرد من الانتماءات والولاءات، وتفكرنا في واقعنا المعاصر وواقع الغرب المتقدم، سنرى واقعنا يسوده تأخر وتخلف وجهل وظلم وطغيان وحروب ومشاكل لا أول ولا آخر لها، وفي الطرف الآخر نرى واقع الغرب يمتاز بالتقدم والتطور والتنمية والاستقرار والعدالة والتعليم، واحترام حقوق الإنسان، إلى آخره… هل هناك من ينكر ذلك؟

السؤال هنا… لماذا ذلك؟

لماذا تقدموا وتأخرنا؟

لماذا نعاني من كل هذه المشاكل ونحن نملك خاتمة الشرائع السماوية التي أُنزِلت إلى الأرض لتحكمها إلى يوم القيامة، ووعدنا مُنزِلُهَا إن التزمناها وفهمناها وطبقناها بالفلاح والسيادة؟

ما الخلل إذً؟

دعوني أجاوب أولًا عن سبب تقدمهم: وهو أنهم بعد تيههم لفترة طويلة ومعاناتهم من حروب وتخلف وظلم وجهل، بسبب ظلم الكنيسة (الدين المُحَرَف) وما فعلته حينها من إجهاض لكل محاولات النهضة والتقدم، صحوا لأنفسهم ووضعوا قوانين تقنن حياتهم وتنظم أمورهم، وألزموا أنفسهم تطبيقها، وإذا نظرنا إلى هذه القوانين نجد كثيرًا منها مصدره الشريعة الإسلامية، والتي أهمها: العدالة، والمساواة، والحرية، والديمقراطية (متمثلة بالشورى في الإسلام)، وأهمية العلم والتعليم، إلى آخره لكن هنا أنا لا أنكر ما فعلته القوى الغربية من ظلم ودمار وحروب في بلادنا العربية والإسلامية، لكن أتكلم عن قانون وضعوه هم لإدارة مجتمعاتهم وتقدمها ونهوضها الحضاريّ.

وإذا ما استعرضنا وتدارسنا قول الإمام مالك (رحمه الله) إذ قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، نرى أهمية هذا الدين وقيمته في إحداث النهضة والحضارة حينذاك، ولكننا نرى في وقتنا المعاصر أن هناك كثيرًا من الناس قريبين فى أيامنا هذه من الدين، وربما تمتلىء المساجد بالمصلين، وربما كثرت الذقون، وربما كثُر حفاظ القرآن الكريم والحديث النبويّ، وربما وربما وربما؛ لكن ليس لكل ذلك أثر في الواقع، ولم يحصل أي تغيير في واقعنا ولو طفيف.

الرد على ذلك بسيط: هو أننا فهمنا الدين والشريعة الإسلامية بأنها مجرد شعائر لا أكثر ولا أقل، وليس لها أي أثر في داخلنا أو في حياتنا، لم نفهم ما الذي يروم اليه هذا الدين العظيم، لَم نُحَكِمُها في كل معاملاتنا الحياتية.

نفهم أن الذي أصلح أول هذه الأمة بالطبع ليس مفهوم الدين السائد في الوقت المعاصر، بل أصلحها الفهم الحقيقيّ لهذا الدين الحنيف، وفهم صحيح لغاية الشرع ومقاصده والتفكر فيها.

وأحب أن أستذكر وأؤكد ضرورة ما قاله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين قال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزةَ في غيرهِ أذلنا الله، وإذ نحن بوصفنا عربًا لم نكن على الأغلب أصحاب حضارة على مدار التاريخ، ولم نمتلكها إلا حين لزمنا طريق هذا الدين الحنيف، وحين ابتعدنا عنها أتهنا طريق الحضارة والعزة والتقدم.

إذً ما نحتاجه في واقعنا المعاصر هو فهم عميق لهذا الدين الحنيف، وفهم لمقاصده وغاياته، وهذا لا يأتي من دون نهضة وصحوة فكرية، ويؤكد ذلك قول المفكر الجزائريّ مالك بن نبي (رحمه الله): التغيير يبدأ من عالم الأفكار.

وننتهي هنا إلى ضرورة الرجوع إلى الفهم الصحيح لهذا الدين العظيم وما يروم إليه، والاهتمام بالفكر والتفكر في واقعنا المعاصر للخروج من الواقع البائس، وبودي هنا القول إن بإمكانية كل شخص منا أن يفهم الدين الصحيح إن هو أراد ذلك وسعى إليه، وعليه أن يطبقه هو شخصيًا في كل معاملاته اليومية والحياتية، وبذلك نكون قد وضعنا أول خطوة في طريق العودة إلى العزة والتقدم والنهضة والحضارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد