ساد في الآونة الأخيرة نوع من اليأس حول ما آلت إليه ثورات الربيع العربي التي اجتاحت كثيرًا من أنظمة الاستبداد في الشرق الأوسط، اليأس الذي دفع كثيرًا من المفكرين والناشطين إلى محاولة استخلاص دروس هذا الفشل الذريع الذي لحق بهذه الثورات التي آلت في أحسن أحوالها إلى انتخاب أحد رموز نظام بورقيبة البائد كرئيس للبلاد في تونس وآلت أخرى إلى حرب أهلية ضروس أكلت الأخضر واليابس وتسببت في تدخل دولي واسع النطاق لا يعلم منتهاه إلا الله، حتى صارت الشام حقلاً لاستعراض القوة ومعملاً لاختبار أكثر الأسلحة فتكـًا بالبنى التحتية والحياة الإنسانية،و السؤال، ما الذي أدى إلى هذا الفشل؟

إن البحث في أسباب هذا الفشل، لا سيما الداخلي منها، ربما يكون سببًا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الثورات قبل موتها نهائيًا، ربما كانت أسباب الفشل كامنة في صفات هذه الثورات من البداية، والتي ظنها بعضهم ميزات عظيمة وأسباب للفخار، لعلي هنا أقتبس حكمة أقدم مفكر استراتيجي في التاريخ، صنتزو، حين أكد أن كل معركة تتحدد نتيجتها قبل حتى أن تبدأ، وتعتمد تلك النتيجة على عوامل منها القيادة والخطة والاستعداد وغيرها، وأزعم أن أصل البلاء والفشل لم يكن في ضعف القيادة ولكن كان في غيابها بالكلية.

حقيقة لا أستطيع فهم كيف ظن مشعلوا تلك الثورات ومحركوها ومفكروها أن غياب القيادة الموحدة لذلك الحِراك هو ميزة عظيمة ومدعاة للفخر والاعتزاز، بينما تُعلمنا مقتضيات الواقع وحقائق التاريخ أن هذا من أهم أسباب فشل الثورات وضياعها. هل من الممكن تصور نجاح الثورة البلشفية دون دور “لينين”في قيادة قطارها عبر عواصف روسيا القسرية الطاحنة، هل من الممكن تصور نجاح الثورة الإيرانية في إسقاط نظام متجذر تمتع بجهاز أمني فتاك ودعم دوليكامل دون زعامة “الخميني”،بل هل نستطيع تخيل نجاح أمريكا في ثورة استقلالها واتحادها دون دور جورج واشنطن.

لقد أخطأ الثوار خطأً فادحًا حين ظنوا إمكانية نجاح حِراكهم دون قيادة موحدة تحدد أهدافه وتجمعهم على تحقيقها. كيف توهموا ذلك وجلهم يعلم مصير أشهر ثورة فيالتاريخ، الثورة الفرنسية، والتي آلت بعد بضع سنين إلى دكتاتورية نابوليونية ثم ملكية أرستقراطية مضادة لكل ما قامت الثورة من أجل تحقيقه،وما كان ذلك إلا لغياب القيادة الموحدة لتلك الثورة حتى قام يخوِن بعضهم بعضًا ويقتل بعضهم بعضًا وسادت الفوضى حتى ضج الناس وتاقت نفوسهم إلى الاستبداد من جديد. فالأنظمة السلطوية المتجذرة كانت دائمًا قادرة على امتصاص أشرس الانتفاضات الشعبية وأشدها وحشية، لا سيما هذه التي لا قيادة واضحة لها، فهذه الانتفاضات سرعان ما تأكل نفسها بنفسها وتنحرف عن مسارها إلى أن تسقط في هاوية سحيقة.

لعل إدراك بعض المفكرين هذا الضعف الشديد النابع من الفرقة هو ما دفع كثيرًا منهم إلى الدعوة المتكررة إلى الاصطفاف، هذه الدعوة التي كاد ينوء بها كاهل صفحات التواصل الاجتماعي وشاشات الإعلام الثوري حتى بلغ الناس منها حد الملل والسأم. وهنا أيضًا يخطئ هؤلاء الداعون إلى الاصطفاف أولاً. إن من يتصور إمكانية حدوث اصطفاف مؤثر دون قيادة واحدة فهو واهم مغتر. إن قابلية الجموع إلى اتباع الأشخاص والاصطفاف وراءهم تفوق بكثير قابليتهم إلى اتباع الأفكار والمواقف المتقلبة.

لذلك فإن تركز القيادة في شخص واحد كان وما يزال العامل الأبرز في تجمع الناس واتحادهم حول تلك القيادة. نعم، للأسف هكذا هي طبائع الناس،ينجذبون دومًا إلى شخصية القائد ويتجمعون حوله وينتمون إليه هذا ما بينه عمر بن الخطاب –رضى الله عنه-في حكمته الخالدة “لا إسلام بغير جماعة ولا جماعة بغير إمارة ولا إمارة بغير طاعة”. نعم لا جماعة بغير إمارة ولا اصطفاف بغير قيادة، سواء أحببنا ذلك أم كرهناه، هذه هي طبيعة البشر.لذا فإن البحث عن تلك القيادة وجمع الناس عليها لهو الخطوة الأولى التي يجب القيام بها قبل التحدث عن اصطفاف هش يجمعه مؤتمر براق وتفرقه كلمة هزيلة.

قد تكون هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، وقد يظن البعض أنها مدعاة لمزيد من الفرقة، وقد يكون للاصطفاف على هذه الصورة عيوب كثيرة، ولكنها مهما عظمت لن تقترب مما نحن فيه من الفشل بل إن الفوائد المتحققة منها أضعاف أضعاف ما يمكن أن ينتج عنها من ضرر. كلنا يعلم أننا أضعنا كثيرًا من الوقت حتى عظم الخطب واتسع الرتق على الراتق، فهذا أوان الاتجاه بالثورة إلى الطريق الصحيح وترك ما عداه من الخطب الرنانة والدعوات غير الواقعية وأول هذا الطريق والخطوة الأولى فيه، الاجتماع إلى قيادة موحدة يجتمع تحتها السواد الأعظم من الثوار، رضى من رضى وسخط من سخط. فرحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها أو بلغها كما سمعها إلى من بيده العمل بها.

والحمد لله رب العالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد