تنكسر قلوب بعض المؤمنين حينما يجدون أعدادًا وجموعًا من المصريين، وغيرهم، تقف مع الباطل، وتنطق به وتدافع عنه.

ينكسرون حينما يجدون أنفسهم يدافعون عن هؤلاء، ويُسجنون ويعذَبون ويموتون من أجلهم، بل ويقدمون أبناءهم من أجل هؤلاء آملين اللحظة التي يفيقون فيها، من أجل حريتهم وكرامتهم ومستقبلهم.

يصبرون منهم على الأذى، الذي وصل لدرجة النطح والرفس، والهروب كما أخبر الله تعالى (كأنهم حُمُرٌ مستنفرة، فرّت من قسورة) يشاهدونهم يجمحون فارّين من الهدى والحرية والكرامة.

ولذلك فمن الأفضل تحليل هذه الأعداد ومعرفة تركيبتها، حتى لا تنكسر قلوب المؤمنين. إن هذه الأعداد – والجموع- تؤول إلى قلة ضئيلة جدًا، ولكن الخطورة تكمن في الفراغ. ومعنى هذه الجملة هي أن هذه الأعداد تؤول كثرتها إلى خنادق محددة هي أصحاب الفكرة وأصحاب المعتقدات.

– فقادة العسكر أصحاب اعتقاد علماني متطرف وأصحاب مصالح اقتصادية عملاقة.

– والكنيسة ربّت أتباعها – أو أكثرهم- منذ أربعين سنة تربية داخلية سرية، انعزالية وانفصالية وطائفية، ولها مشاريعها.

– وقمامة البلاد ممن يسمون زورًا وبهتانًا (نخبة) من المثقفين هم مجموعة من الليبراليين رافضي الشرائع الكارهين لها، والشيوعيين رافضي الشرائع والعقائد، والإباحيين رافعي راية الشهوات يرون الدين حائلًا بينهم وبين الملذات، وممثلين (يسمون زورًا فنانين) تافهين لا رأي ولا قيمة ولا شخصية، إنما يتشكلون حسب المعطيات، وكثرةُ الفجور أصغت قلوبهم للباطل وحبّبته لهم فيقبَلونه ويُقبلون عليه كارهين للحق مجافين إياه، باحثين عن الشهرة ولو على لحوم الأموات وأعراض القاصرات والمساجد التي دنسها العسكر.

– ثم تبقى فئة رجال الأعمال بما اقترفوا من مال حرام وانتهجوا سبل الحرام، حتى استمرؤوه، فانتقلوا من المعصية إلى كراهة الدين ورفع الراية المعادية له، لأنه يحول بينهم وبين الفساد والمال الحرام.

هذه هي الفئات أصحاب المصالح الذين يأخذون مواقفهم عن وعي، وهم عن الآخرة غافلون.

أما الكثرة والجموع فراجعة إلى توجيه إعلامي، وهو بدروه لا يصدر عن شخصيات إعلامية لها قناعة ودين وضمير ووطنية، بل هي مأجورة إلى أي من الفئات سالفة الذكر، فهي إما تابعة إلى أجهزة أمنية بتنوعاتها أو رجال أعمال يملكون المال وأرادوا امتلاك العقول ثم القوانين.

إن الكثرة راجعة إلى توجيه العقول، وتوجيه العقول خاضع للفئات أصحاب المصالح والعقائد، وعددها قليل.

تبقى المشكلة في هذه الأعداد لماذا كثرت؟ وتبقى الإجابة أنه الفراغ من المفاهيم العقدية والأخلاق الأساسية والتوازن النفسي والعقلي.

كان يجب، وما زال، على الدعوة أن ترسخ المفاهيم العقدية والأخلاق الأساسية والتوازن النفسي والعقلي، ما يجعل عند المرء ميزانًا في يده، وعقلًا في رأسه، وضميرًا في صدره يرفض به الباطل ويمتنع من التضليل ويتأبى على الاستخفاف.

إن الكثرة المؤيدة للباطل تذهب وتجيء، موقفها ليس بثابت، يعرف المجرمون أنفسهم هذا، لكن في جولة مساندتهم للباطل يؤذون، ويضيّعون على أنفسهم وبلادهم فرصة للانعتاق من التخلف والإذلال والإهانة والحاجة والتبعية والهامشية، حالة الغثاء.

يجب عدم الانخداع بهذ الكثرة، ولا التقليل من أذاها، لكن اعلم أن كل هذا راجع لفئة صغيرة (يفسدون في الأرض ولا يصلحون).

كما يجب مراجعة ما يجب أن يوجه إلى الأمة من خطاب، يمنع جيلها الحالي وأجيالها القادمة من التضليل والاستخفاف والغواية وموت الضمير وسفاهة العقول. هذا الخطاب حوله الكثير من علامات الاستفهام، وبه الكثير من جوانب النقص والخلل. ومن الخير الكثير مراجعة هذا الخطاب الذي يجب أن يشمل مفاهيم عقدية وتزكية خلقية واستواء نفسي واتزان عقلي ورشد تفكير ووعي سياسي. بعض هذا يحاول إيصاله اليوم ويبقى الكثير.

وكإشارة مختصرة – لها تفصيل بعد- نقول:

بيان حقيقة الواقع وأنه قائم على تبديل الشرائع، وبيان أن تبديل الشرائع يصادم العقيدة، وأنه يجب أن يكون عند المسلم من معرفة الواقع ومن معرفته بمعنى التوحيد ما يوجب عليه رفض تبديل الشرائع، وبالتالي إسقاط شرعية الأنظمة العلمانية المبدِلة، ويكون عنده من معرفة معنى التوحيد ما يتولى بالإسلام ويتولى فيه، لتقرير الهوية مرتبطة بالعقيدة ومبنية عليها.

الوعي السياسي الذي يعرف به أن الأمة لم تزل محتلة، وأن مخلب القط للصليبية والصهيونية هي الأنظمة العلمانية التي تقوم بدور تغيير الوعي وتغييب الأمة وتغريبها ونهب ثرواتها لمصالح الغرب وفئة قليلة في الداخل.

التوجيه النفسي، والاتزان العقلي، والأخلاق الأساسية هي من لوازم وضرورة الإنسان، كإنسان، ما يعطيه ترتيب عقلي ومنطقي وتفكير سوي وامتناع من متابعة الشهوات أو دغدغة المشاعر. العقول التي لا تحيد عن المبادئ والأساسيات بحيث لا يستطيع أراجوزات الإعلام أن يشككوهم في المبادئ أو يغيّروا الثوابت.

التزكية والأخلاق تمنع حالة الدياثة الغريبة التي انتشرت، وتعرّف معنى الإخلاص لا على أنه مجرد ترك تزيين الصلاة لما يرى من نظر رجل إليه، بل الإخلاص في العمل العام وخدمة الأمة والحفاظ على الدين والتفاني في تقديم الخير لها، الإخلاص في توجه العمل الإسلامي الذي يمنع الصفقات والتآمر!

الصدق ليس في الخبر عن حادثة فقط، بل في طلب إقامة الدين وإنقاذ الأمة دون أغراض جانبية طاغية!

الإحسان لا على أنه صدقة فردية، بل على أساس أنه خلق حضاري يحسن به المرء صنعته وتعليمه وإتقانه وتجرده.

أخلاق مثل هذه تنتج توجهًا سياسيًّا ومواقف تأبى العمالة وركوب الموجة والانتقام القذر والعمالة الرديئة واستغلال المواقف، كل هذا تمنعه هذه الأخلاق.

المقصود أن تكون أخلاقًا حضارية، يدرس المسلمون عناوينها في المساجد، ولكنهم لا يعرفون قيمتها وأبعادها إلا في أطر ضيقة داخل المسجد وعند عتباته يخلعون ما درسوه، فيبقون يحبطون كل محاولة للانعتاق، بينما هي أساس في تكوين شخصية الإنسان المسلم المعاصر ليقيم الحضارة المعاصرة على أساس دينه وهويته، ويواجه عدوه، ويرتفع على التآمر والشهوات والاستخفاف والإسفاف.

إن المهمة هي صناعة مسلم، وهو الشخصية المتحضرة المعاصرة، بمعنى التحضر بالمنهج الرباني بأبعاده الواقعية والعملية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد