للتوضيح؛ استخدام كلمة أخلاق ومصفوفة أخلاقية هنا ليس بالمعنى الحرفي ولا تُعتبر أخلاقية حسب رأي بل أقدمها كما هم يعتبرونها حسب زاوية رؤيتهم.

النقطة الأولى أنَّ ما يُسيطر على المجتمع هو أسمى ما في المُجتمع «الأخلاق» لكن يختلف التعريف والمسطرة التي يتم القياس بها.

على سبيل المثال؛ إن ولدت في مجتمع يعتبر نحر الأطفال السود فضيلة وبورِكَت من السلطة العليا مثل الدين أو الكهنة المُتحدثين باسم الذات الآلهية أو الفرضيات الماورائية عن الحياة الأخرى، والأهم هو الثقافة الاجتماعية الأخلاقية السائدة.. حينما تصبح الأخلاق حسب مفهومِهم مباركة من أحد أنواع تِلك السلطة العليا وسوف يصبح ذبح الطفل الأسود شيء أخلاقيّ.

النقطة الثانية أنَّ الأخلاق لم تكن يوماً وليدة نفس العصر التي تُمارس به بل دائماً هي مورثة لنا ومؤدّلَجة علينا، نحن اليوم لا نملك مصفوفة أخلاقية خاصة بنا بل نملك المصفوفة الأخلاقية التي صاغها أجيال سبقتنا بمئات السنين بل بآلاف السنين ولكن يصعب نقدها وتغيرها وتنقيحها طالما هي مباركة من السلطة العليا المقدسة المتفقة على تلك المصفوفة الأخلاقية، ومُجرد معارضتها يسمى كفر أو إلحاد أو انحطاط أخلاقيّ.

النقطة الثالثة هي اكتساب السلطة المربح من حماية المصفوفة الأخلاقية السائدة؛ دائماً القانون أو الدستور الاجتماعي يضرب على وتر إرضاء الأكثرية والتهليل عليهم بالفضيلة مقابل السمعة الطيبة أو وصف رجل خلوق وامرأة محترمة طالما أنهم يتبعون تلك المصفوفة الأخلاقية وبالطبع يرافق ذلك النصوص الدينية التي تُشكل مرجعية أخلاقية ثابتة “حسب رأيهم” وهذا ما يجعل الجميع يسلكون طريق محافظ على مصفوفتهم الأخلاقية المزعومة دون جدل ولا حوار.. وهذا يعود أيضاً للشبح الذي يسمى كلام المجتمع ووصف أحدهم بأنه بلا شرف وبلا كرامة.

ذلك الهرم الاجتماعي الذي يفرض على كل الأفراد المصفوفة الأخلاقية «حسب رؤيته» ينقسم إلى مجموعة فئات؛ الأولى منها لا تفكر ولا تملك استقلال فكري يؤهلها لتشريح مفهوم الأخلاق بل تكتفي بالتبعية تحت اسم عادات وتقاليد وتهلهل لها بكل قدسية.. وهذا يعود إلى أنهم يرون شرفهم وقيمتهم الاجتماعية مرتبطة بشكل موثق بكلام المجتمع وانقيادهم للعادات والتقاليد «حتى لو أنهم يفعلون عكس ذلك بالخفاء، المهم لهم أن يتخلصوا من الشبح الذي يسمى كلام المجتمع والسمعة كونها تشكل قيمتهم المرجوة.. حسب رأيهم طبعاً».

الفئة الثانية هي التي تُفكر لكن لا تستطيع أن تتجاوز تلك المصفوفة المفروضة عليهم ولهذا يستعينون بالتبرير والتآويل الامنطقيّ، يحاولون دائماً تشويه أفكار من يخالف مسطرتهم الأخلاقية بكل الوسائل وبكل المغالطات ويعلقون شماعة التشويه على كلمة {نحن مجتمع شَرقي ومحافظ} وكأن تلك الشماعة تملك القدسية لكي يتحكموا بحياة الجميع.

لهذا يسمون الجريمة التي تنتهك حق الحياة لأحدهم بأنها جريمة شرف، يدلسون الأخلاق نفسها لمجرد أنهم خضعوا لهذا الهرم الاجتماعي الخاطئ.

ما الأصول لكلمة شرف حسب مفهومهم!

قبل مئات السنين وبعيداً عن الدين كان يوجد عادات قبلية وهي مجموعة تشريعات يحددها كبار القبيلة حسب دوائرهم الفكرية “الأخلاقية برأيهم” والمرأة بتلك الفترة كانت تُعتبر وسيلة للتكاثر وأداة جنسية وبمرتبة دونية دون أيّ نوع من الاستقلال المادي أو الفكري أو الاجتماعي، وتم توثيق ذلك وتطبيعه بشكل أكبر بمرحلة التديّن ونشوء الدين وهُنا تحولت التقاليد القبلية إلى تشريعات دينية مُقدسة لا تقبل النقد والانتقاد وبل يُحاسب من يَمِس بها بالرفض ويُتَهم بالكفر أو الزندقة ويتم نبذه اجتماعيًّا، وهذا ما حافظ على التشريع كل هذه المدة الزمنية دون المساس به وأصبح جذور فكرية يتم توارثها دون أن تُشَّرح وتُفَصَّل أو تُهَمَش من المجتمع.

وكُل نشوء دين وتشريع كان يستند على البيئة التي نشأ بها وحتى بعد توالي الأديان واقتباسها من بعضها كانت التغيريات بما يخص حقوق المرأة وما يسمى جريمة الشرف هي تغيرات طفيفة ولهذا بقيت المرأة كُل تلك العصور وحتى عصرنا هذا تعيش بذلك القالب الذي يعتبرها وسيلة وأداة أثبات للشرف بمختلف الأشكال الرجعية والتي تحدّ من حريتها في الحياة، وهذا على حساب حقها في الاختيار والاستقلالية بكل أنواعها.

وحتى اليوم في القرن الواحد والعشرون ما زالت تلك البقعة في العالم التي تسمى دول العالم الثالث تُصدر تلك الأفكار على أنه مسطرة أخلاقية يجب الاعتماد عليها في بناء المجتمع!

وأليس ذلك شيء يدعو للاستغراب كما هو اعتراف واضح وصريح أن تلك المصفوفة التي يدعون أنها أخلاقية هي متحجرة ولا تقبل التغيير والتطوير، وكما قال الفيلسفوف فريدرك نيتشه:

الأفعى التي لا تستطيع أن تغير جلدها لا بُدَّ أن تموت، وكذلك العقول التي تُمنع عن تغيير آرائها لا يمكن أن تستمر في التفكير

وهذا حالنا اليوم بالضبط، أن لا أحد يفكر بل الأغلبية الساحقة تشبه تلك الأفعى التي لا تستطيع تبديل جلدها.

حسناً لنُسقط نفس الفكرة على ما يسمى القتل باسم الشرف، تِلك الفكرة المَدعومة من الشريعة والدستور والقانون والمجتمع أيضاً، مفهوم الشرف هو مفهوم مطاط جداً ويقبل التآويل بشكل كبير إلّا في مجتمعنا الذي ترك كل التأويلات وتجاهل الطائفية والعبودية والقمع لحقوقه وحق مواطنته والنهب والتفقير المُمنهج والفساد الاجتماعي والحكومي والتحريض والعنصرية وغيرهم الكثير ووضع كل شرفه في كمية قمعه لابنته وزوجته وأخته والتحكم بهم وبحريتهم وباستقلالهم وبأفكارهم وأصبحت قيمة شرفه تترافق مع نوعية كلام محيطه عن المرأة التي تخصه دون أن يأخذ بالمعيار أن كل تلك المصفوفة الفكرية التي يقوم المحيط والمجتمع بالتقييم على أساسها هي مصفوفة خاطئة، بل كلام الناس يعتبر الشبح الأول الذي يجعل هذه المصفوفة تستمر أكثر وتستمر الجرائم أكثر وأكثر.. وتَكتمل هذه الازدواجية المقيتة أن الرجل نفسه لا تنطبق عليه نفس القوانين وهذا بذاته طعن في مفهوم المساواة التي تنص عليها منظمة حقوق الإنسان.

لا عار بما يسمى غسل العار إلّا الجريمة بذاتها

الأدلجة التي تحافظ على وجود هذه الشعارات والقوانين

دائماً تكون الثقافة العامة في أيَّ مجتمعٍ يكن مُستندة على نص ثابت ومحمي من قبل سلطة تشريعية وتنفيذية ونمتلك نوعين من تلك النصوص، أمّا قانونيّ أو دينيّ اجتماعيّ..

نحن في هذه الأدلجة نعاني أولاً من النص الديني وانعكاسه على تقاليد المجتمع الشرقي، ولأن النص الديني مُقدس ومحمي من السلطة الحكومية والاجتماعية بشكل كبير ويَصعب انتقاده بشكل مباشر ومن منصة إعلامية رسمية، فأن المجتمع يعاني من امتداد هذا الفهم للنص الديني وجعله مصفوفة أخلاقية مُقدسة تحدّد معنى الشرف والعار وما إلى ذلك، وتكتمل الأدلة من القانون بذاته الذي يبيح للمجرم غسل عاره ويخفف حكم جريمة الشرف بشكل مباشر.. الكارثة بالموضوع أن تلك المصفوفة بالرغم من كل الحماية التي تنالها إلّا أنها تُبَّث في كل تفاصيل النهج التربوي والتعليمي في المجتمع وتُخرج أشخاص يتبعون تلك المصفوفة لننتهي بدائرة مغلقة من التخلف والرجعية الفكرية والمفاهيم الخاطئة.

إصلاح تلك المصفوفة الخاطئة

الأمر من الممكن أن يشرح ذلك بالطريقة الصعبة أو الطريقة السهلة بجلمة واحد تقول «للرجل والمرأة نفس الحقوق الاجتماعية والعلمية والعملية والاقتصادية».

لكن لنتحدث عن بعض التفاصيل والازدواجية التي يعيشها المجتمع، غالباً ما يتم تربية الطفل حتى الوصول لمرحلة المراهقة أنه بمرتبة أعلى من أخته في المنزل والأخت بمرتبة دونية منه وهي ما تشكل «الشرف» على عكس أخيه الآخر الذي يعتبر ذات استقلالية كاملة ولا يشكل «الشرف» لأنه ذكر.

هُنا يعيش ذلك المراهق مرحلة ازدواجية تجعله يعامل أخته بطريقة قمعية لأن ذلك يتناسب طرداً مع شرفه كما يتخيَّل وكما أخبروه، ومن الجهة الأخرى يعامل أول فتاة يقوم بالانجذاب لها والتعايش معها في علاقة عاطفية بكل احترام ويتناسى أن ذات المعادلة تُطبق عكسياً على أخته ويرفض أن تعيش نفس تجربته، هذه هي الازدواجية التي يقع بها الجميع، الازدواجية التي تفضح النفاق بتلك المصفوفة الفكرية.

«لا يوجد دافع شريف في قتل النساء وقمعهم والتحكم بهم».

«جرائم قتل النساء باسم الشرف بصمة عار على المجتمع والإنسانية».

«القوانين الدستورية والتشاريع الدينية التي تُبيح قتل النساء بأسم الشرف هي جزء من الجريمة».

هذا المقال كُتب لأن هُناك ضحية قُتلت بسبب تِلك المصفوفة، وليست الأولى ولن تكون الأخيرة طالما أنّنا نُمارس هذا المصفوفة القمعية للمرأة.

ديانا ضحية مجتمع متخلف أهدر حياتها لأن الأب لم يتحمل التحريض من إدارة المدرسة بعد أن غابت الفتاة البالغة من العمر 17 عامًا عن مدرستها، وهذا مثال دقيق عن المصفوفة المتخلفة في المجتمع من النهج التربوي والنهج التعليمي بآن واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد