أحمد حشمت
أحمد حشمت

500

“إن سن قانون عقوبات عسكري يبرره وجود نظام خاص بالجيش يستند على الطاعة فبدونها لا يستطيع الجيش أن يقوم بوظيفته بل لا يكون هناك جيش على الإطلاق. وإذا كان من الممكن أن يقوم الرؤساء بتوقيع الجزاءات التأديبية على المخالفات البسيطة فإن الالتزام العسكري قد يكون خطيرًا بحيث يتطلب جزاءً جسيمًا، وحينئذ لا يمكن توقيعه بغير ضمانات. فالوسيلة الوحيدة هي سن تنظيم قضائي يطبق المبادئ العامة في القانون التي تكفل للمتهم هذه الضمانات”(1)

عندما تخطو بقدمك عتبة بوابة النيابة العسكرية، وتدخل حيز الوجود العسكري، الممتد حقيقة بعد الثورة من أقصى البلاد إلى أقصاها، وتقترب أكثر وأكثر لتدخل الدائرة المركزية لوجود القضاء العسكري، تدخل سريعًا في نفسك كل الأحاسيس الطاردة والمضادة للحرية والحياة، وتحس بأنك دخلت السجن بقدميك وبإرادتك.

محاكمات ضد الثورة وحقوق الإنسان:

على الرغم من أن دخولي للنيابة العسكرية دائمًا كان لتأدية واجب الدفاع عن المتظاهرين المحاكمين أمامها، إلا أن إجراءات التفتيش التي كانوا يمارسونها علينا، والتحفز المبالغ فيه ضد كل من ينتمي إلى الثورة أو حقوق الإنسان، يجعلك تتأكد من أنك دخلت مكانـًا ليس للحرية فيه مكان أو متنفس.

لن يمنعك ترددك الدائم على مقرات القضاء العسكري، أو حضورك المستمر أمام النيابات والمحاكم العسكرية، من وقوعك فريسة للعقيدة العسكرية التي تبنى على السمع والطاعة للأوامر العسكرية بغير نقاش أو جدال.

فقد تحدث بداية المشاكل مع المجندين أفراد أمن الوحدة العسكرية، ويمنع دخولك من البوابة الرئيسية بسبب حملك وسائل اتصالك الشخصية، تليفون أو فلاش ميموري أو كمبيوتر لوحي “أي باد”، وضعك شعارات واستيكرات “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” على ملابسك وحقائبك يثير أزمة كبرى، وقد يعرضك لجريمة عسكرية، هم يدعون أن هذه الشعارات معارضة “للقوات المسلحة”، وقد تؤثر على عقيدة المجندين وإيمانهم بها، على الرغم من انتشار هذا الشعار وهذه الفكرة وتخطيها حواجز المنع والرقابة بعد ثورة 25 يناير بصورة يصعب تصور منعها ومصادرتها.

لا أتذكر عدد المرات الكثيرة التي تعرضنا فيها لمضايقات ومشاكسات من أعضاء النيابة العسكرية، أو أعضاء المحكمة العسكرية أنفسهم، أو من المحامين المنتدبين من قبلها الذين تعودوا على أن مهنة المحاماة “سبوبة” أو “مصلحة” وليست رسالة وقيمة وواجبًا قبل أن يكون “أكل عيش”.

مشهد المتهمين المصابين الذي تعرضوا لمختلف أنواع الانتهاكات والتعذيب والتعدي من قبل القائمين بالقبض عليهم في الاشتباكات لا ينسى ولا يقبل رؤيته أي قلب اختزن فيه بعض الرقة والعطف الإنسانية.

أذكر عندما وقفت مدافعًا في مايو 2012، عن أحد المتظاهرين أثناء تحقيق النيابة العسكرية معه، لاتهامه بالوقوف احتجاجًا أمامها للتضامن مع المعتقلين في أحداث العباسية، كيف أعطى هذا المتهم بالتضامن ساعتها درسًا لعضو النيابة العسكرية في مفاهيم السياسة والثورة، رغم ما كان يعانيه وقتها من أوجاع إصابته التي حدثت به من تعدي أفراد القوات المسلحة الغاشمين عليه هو وزملائه، وكيف أذعن له عضو النيابة مستمعًا ومنصتًا كتلميذ يتلقى تعاليم أستاذه، وكافأه أخيرًا بالحبس احتياطيًّا 15 يومًا.

معتقلون لا متهمون:

أتذكر أيضًا عندما دافعت عن الشهيد/ باسم محسن في المحكمة العسكرية بالسويس، وهو متهم أيضًا بالوقوف احتجاجًا أمامها في يوليو 2012، تعبيرًا عن تضامنه مع من اعتقل من رفاقه، بسبب وقفتهم الاحتجاجية على اعتقال متظاهري العباسية مايو 2012، وقف أحد شهود النفي ليدلي بأقواله أمام المحكمة وقال إن: “باسم قبض عليه أثناء وقوفه أمام النيابة العسكرية ضمن مجموعة كانت تطالب بالإفراج عن المعتقلين”، واندهش القاضي العسكري حينها من لفظة “المعتقلين”، وقرر أن يصحح للشاهد أن الذين يحاكمون أمام المحكمة العسكرية متهمين وليسوا معتقلين وأن هذه اللفظة خطأ.

كان في يقين وعقيدة القاضي العسكري حينها أنه يطبق القانون، وأن المتهم الذي يحاكم أمامه يحاكم طبقـًا للقانون، لكنه لم يلفت نظره أن القضاء الاستثنائي الظالم ليس مستقلاً، ولا يحوز أي ضمانة من ضمانات العدالة، لم يصل لوجدان هذا القاضي – هذا إن جاز تنصيبه منصب القضاء أصلاً – أن الحقيقة في المحاكمات العسكرية غائبة، وأن أدلة الإثبات معدومة، ومع ذلك يحكم بحبس وسجن من لم يثبت عليه الدليل. غاب عن “القاضي العسكري” أن القرار يرجع لوزارة الدفاع، وأن الحكم يراجع أمام ضابط أعلى يسمى بالضابط المصدق لا يشترط فيه أن يكون قاضيًا، لذلك لم يدرك أن الواقف للمحاكمة أمامه ليس متهمًا طبقـًا لقواعد ومبادئ العدالة والإنصاف.

أتذكر وأنا أضحك شعار القضاء العسكري المكتوب على جدار المبنى من الداخل، “عدالة سريعة مؤكدة”، لأنني لم أجد طوال رحلتي كمدافع أمامه أية عدالة، ولا أي تأكيد، لكنني كنت أحس دائمًا بالسرعة التي وصلت إلى محاكمة المتهمين من غير دفاع حقيقي وأن الجلسات كانت تأجيلاتها باليوم أو اليومين على الأكثر.

محاكمات استثنائية بالقانون :

• وفقـًا للمادتين 97 و100 من قانون القضاء العسكري رقم 25 لسنة 1966 المعدل، فإن الأحكام العسكرية الحضورية والغيابية تخضع لسلطة التصديق وهي لرئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة وله أن ينيب أحد الضباط فى ذلك، وحتى بعد التعديل بإنشاء درجات للتقاضي وإنشاء محكمة عليا للطعون بالنقض، يقع الحكم أولاً في يد الضابط المصدق ليرى ما الأمر وما السياسة المتخذة بشأنه وذلك إجراء أقره قانون الأحكام العسكرية ومن بعده قانون القضاء العسكري ليكون الحكم نهائيًّا يقبل التنفيذ أو الطعن، وسلطة التصديق هنا سلطة واسعة يستطيع من خلالها إيقاف تنفيذ الأحكام أو تخفيفها وإبدالها بعقوبات أقل منها أو إعادة المحاكمة مرة أخرى أو حفظ الدعوى حتى في حالة صدور الحكم بالبراءة لأول مرة فإن للضابط المصدق الأمر بإعادة المحاكمة مرة أخرى بعكس صدور الحكم بالبراءة بعد التصديق فإنه يصدق عليه ملزمًا بما قضت به المحكمة ولا يجوز له تغيير الحكم.

• ووفقـًا للمادتين 3 و54 من القانون نفسه، فإن القضاء العسكري خاضع لكل الأنظمة المنصوص عليها من قوانين الخدمة العسكرية، والتي من أهم خصائصها الانضباط والطاعة اللتان تتنافيان مع مقتضيات العمل القضائي، كما يتم تعين القضاة العسكريين بقرار من وزير الدفاع ويكونون تحت الاختبار فترة، ويجوز عزلهم أيضًا بالطريق التأديبي.

• ووفقـًا للمادتين 77 و78 أيضًا، فإن القضاء العسكري خارج على المبادئ العامة بالنسبة للمحاكمات الغيابية التي تقضي ببطلان ما تم من إجراءات المحاكمة وكذا الحكم إذا قدم المتهم نفسه أو قبض عليه قبل إتمام محاكمته غيابيًّا أو قبل سقوط العقوبة.

• ورغم النص في الدستور على أن القضاء العسكري جهة مستقلة وأن قضاته مستقلون، إلا أنه وفقـًا للمادة 1 من قانون القضاء العسكري فمن يقوم بشأن القضاء العسكري هيئة من هيئات وزارة الدفاع، وفي ذلك النص القانوني خضوعًا إداريًّا وإشرافيًّا يطعن في الاستقلالية المزعومة والتجرد والحيادية المفترضة في القضاء العسكري، وذلك لتبعيته لأحد أجهزة السلطة التنفيذية متمثلة في وزارة الدفاع.

• ووفقـًا للمادة 49 من قانون القضاء العسكري، يحظر الادعاء المدني، أمام المحاكم العسكرية، ويحرم تبعًا لذلك المدعي بالحقوق المدنية أو المضرور من تقديم طلبات أو دفاعه أمام القضاء العسكري.

• ووفقـًا للمادة 53 من قانون القضاء العسكري، تم إباحة انعقاد المحاكمة العسكرية في أي مكان دون عبرة بالاختصاص المكاني، والمرتبط بمكان ومحل وقوع الجريمة أو محل إقامة المتهم أو مكان القبض على المتهم، المقرر طبقـًا للقواعد العامة في القضاء الجنائي العادي بنص المادة 217 من قانون الإجراءات الجنائية، وكذلك نجد أن هذا الأمر ارتبط عمليـًّا بانعقاد المحاكمات في أي موقع وأي مكان دون اشتراط ضمانات خاصة بالمكان تجعله مناسبًا لموقف القضاء وكلمة العدالة بما يكفل تحقيق المحاكمة العادلة المنصفة، إذ نجد أن الواقع العملي أثبت أن المحاكمات العسكرية قد تجرى في مطابخ السجون العسكرية أو داخل معسكرات التدريب.

• ووفقـًا للمواد 60 و61 و62 و63 من قانون القضاء العسكري، فإن القاضي العسكري هو وحده الذي ينظر في طلب المعارضة في صلاحيته بنظر الدعوى التي أمامه، وهو الذي يقرر منفردًا إن كان هذا الطلب مقبولاً أم لا، بعكس طبيعة الحال في القضاء العادي الذي يرفع يد القاضي عن الدعوى التي ينظرها إذا قدم طلب رده ويحيل الأمر لمحكمة أعلى للفصل في موضوع طلب الرد.

ميزان مقلوب للعدالة:

الازدواجية واختلاف المعايير والطبقية تجدها داخل القضاء العسكري، كما تجدها في مجتمعنا خارجه، ففي كل الأحوال لا ترجع الأمور أو القرارات الصادرة من أعضاء ومسئولي القضاء العسكري إلى معايير ومبادئ واضحة تهتم بالمساواة والتجرد والحيادية والموضوعية، وكلما زاد ترددك على هيئة القضاء العسكري في قضايا مختلفة متنوعة، زاد معدل تعرضك وملاقاتك أمثلة وحالات عديدة لذلك.

ففي أثناء نظر تحقيقات أحداث فض اعتصام العباسية ـ مايو 2012، فوجئنا جميعًا بصدور قرار من النيابة العسكرية، بحبس 12 فتاة مصرية 15 يومًا حبسًا احتياطيًّا على ذمة التحقيق، كان قد تم القبض عليهن بتهمة التجمهر المخالف للقانون والاعتداء على القوات المسلحة، وبعد صدور القرار الظالم بليل، فوجئنا برجوع النيابة العسكرية عن قرارها وتعديله في خلال ساعات بإخلاء سبيلهن بدون أي ضمان مالي.

لم يكن هذا الموقف غريبًا بالنسبة لي فقد توقعت صدوره حينها لأني كنت على مقربة من الحدث بالصدفة، وفي صباح يوم السبت 5 مايو 2012، بعد نظر التحقيقات مع باقي المتهمين، والتي امتدت على مدار يومين متتاليين، لم ننم فيها ولم نبرح مقر النيابة العسكرية وقضينا ليلتها داخلها، أثناء حضوري التحقيق مع أحد المتهمين، دخل علينا المحامي/ ممدوح إسماعيل، وكان ساعتها نائبًا في مجلس الشعب الذي تم حله بحكم المحكمة الدستورية في 15 يونيو 2012، وقام بمصافحة عضو النيابة الذي كان يجري التحقيق، وسأله عن قرارات النيابة التي ستصدر بخصوص الأحداث والمتهمات، فأبلغه عضو النيابة أنه لا يعلم شيئا، وأن الأمر كله بيد السلطات العليا، مشيرًا إلى رئيس هيئة القضاء العسكري والمجلس العسكري.

عندها استوقفه ممدوح إسماعيل، ولفت نظره إلى خطورة قرار النيابة العسكرية الذي صدر بحبس 12 فتاة، وأن هذا القرار سيكون فضيحة للعسكر، وسيكون مثار اعتراض إعلامي وشعبي كبيرين، فرد عليه عضو النيابة بقلق ناصحًا له أن يصعد إلى أعلى، حيث مقر رئيس هيئة القضاء العسكري، ليرجع عن هذا القرار واستدرك في نصحه له بأن يطرح عليه فكرة إحالة التحقيقات برمتها إلى القضاء المدني.

وانتهى الأمر بخروج ممدوح إسماعيل المحامي من غرفة عضو النيابة متجهًا إلى أعلى، حيث مقر رئيس الهيئة عبر المصعد، وبعد سويعات قليلة تم إخلاء سبيل الفتيات من سجن القناطر.

وظل الأمر على هذا المنوال حيث كان يتم إخلاء سبيل من يتم الضغط الشعبي أو الإعلامي عليه بصرف النظر عن بحث موقفه القانوني في أوراق التحقيقات، وعانينا أشد المعاناة أمام أعضاء النيابات والمحاكم العسكرية، في توضيح وجهة نظرنا بأن الفقراء فقط هم الذين يطالهم القانون، وأن المحبوسين هم المنسيون والمجهولون، وأن العدالة تتحقق بالمساواة والتجرد وليست العدالة أن تفرج عمن طالب الإعلام أو الأحزاب أو الجماعات بالإفراج عنه.

وأنه لا عدالة في ظل وجود تدخل من الواسطة والمحسوبية، وأن العدالة في الأصل عمياء، لا تنظر أو تصنف المتهمين بطبقية حسب ملبسهم وشكلهم ومظهرهم الخارجي.

لهذه الأسباب ولأسباب أخرى سيظل حكم القضاء العسكري قضاء وقدرًا، وليس حكمًا يبنى على الأسباب المنطقية والأدلة القانونية العقلية، وستظل إجراءاته مثار شك بعيدة عن الشفافية والنزاهة والاستقلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • بيير مسمير Pierre Messmer": من مواليد 20 مارس 1916 في فينسين (السين)، وتوفي 29 أغسطس 2007 في باريس، تولى وزارة الدفاع الفرنسية (في ظل حكومات ميشال دوبريه، جورج بومبيدو، وموريس كوف دو مورفيل) 25 فبراير 1971 - 5 يوليو 1972، ثم وزير إدارات الدولة والأراضي لما وراء البحار (في ظل حكومة جاك شابان دلماس) 5 يوليو 1972 - 27 مايو 1974، ثم رئيسًا للوزراء، تحت رئاسة جورج بومبيدو.

تعليقات الفيسبوك