شغلت الأحداث التي عرفتها الولايات المتحدة، بسبب مقتل جورج فلويد، الذي أعقبته حركة احتجاج عارمة في الشارع الأمريكي، جميع الشعوب عبر العالم، فتعالت عبارات التنديد والشجب من هنا وهناك، وتدفقت آلاف التغريدات من مواطنين من جميع المناطق بما فيها المنطقة العربية، منتفضين ضد العنصرية في أمريكا ومناهضين للتمييز العنصري. هذه الظاهرة التي تمثل آفة كل العصور وجريمة ممتدة على مر التاريخ، أصبحت تتعدى التمييز العرقي والديني السائد في العديد من الدول والمجتمعات في السر والعلن، لتشمل ميادين عدة، لتبرز مفاهيم أخرى من قبيل العنصرية البيئية، والعنصرية الاقتصادية، والعنصرية التكنولوجية، والأدهى من ذلك العنصرية العلمية والطبية.

فإذا كان التمييز الاقتصادي يهمش شرائح واسعة في المجتمعات العالمية فيرميها بين براثن الفقر والجوع، فإن العنصرية البيئية تعرض هذه الفئات الهشة للملوثات والنفايات السامة، وتحرمهم من الوصول إلى مصادر المنافع الإيكولوجية (مثل الهواء النظيف، والماء، والموارد الطبيعية)، وتجعلهم عرضة للفيضانات وغيرها من الكوارث الطبيعية. وفي سياق دولي، قد ينطبق التهميش البيئي على العلاقات الإيكولوجية المتدنية بين الدول الصناعية ودول العالم الثالث.

ثم تأتي عنصرية البحث العلمي لتلقي بظلالها القاتمة وتتجاوز بخطورتها وحيفها كل أنواع الإقصاء والتمييز. ففي الوقت الذي كان يتسابق فيه العالم لاتخاذ جميع الخطوات اللازمة لاحتواء وباء كورونا، أطل بعض العلماء من فرنسا ليدلوا بتصريحات عنصرية حول أفريقيا، باتخاذها حقلًا ضخمًا لتجاربهم على لقاح ضد كوفيد-19، متجاهلين كل ما يتشدقون به من قيم المساواة والإنسانية وحقوق الإنسان. معللين ذلك بأن القارة الأفريقية تفتقر إلى الموارد الضرورية للتصدي للفيروس.

ولعل أهم مبدأ رسخه فيروس كورونا عندما اجتاح العالم هو أن الناس سواسية في إصابتهم بالمرض. فلا فرق بين عرق وآخر، ولا بين فقير أو غني، ولا بين صفوة المجتمع وخاصته أو عامة الناس. ولكن نزعة الاستعلاء طغت بقوة على الرغم من كل ذلك وما تزال حاضرة بقوة.

ويتجلى ذلك حاليًا في السباق المحموم نحو تطوير لقاح ضد وباء كوفيد-19. من كان يظن أن تتحول مجهودات تطوير لقاح ضد الوباء إلى صراع بين التعاون وتعدد الأطراف من ناحية، والقومية وشريعة الغاب من ناحية أخرى؟

إن التعاون الدولي مطلوب أكثر من أي وقت مضى لضمان وصول اللقاح ضد فيروس كورونا إلى شعوب العالم أجمع، وعدم ترك أولئك الذين هم في أمس الحاجة إليه فريسة للمرض والتهميش. وفي هذا السياق، قام بعض القادة الأفارقة السابقين، بعضهم عضو في الاتحاد الأفريقي، بتوجيه رسالة مفتوحة يطلبون من خلالها أن يكون اللقاح ضد كوفيد-19 «لقاحًا لفائدة كل الشعوب» أي أن يكون منفعة عالمية عامة، لا تخضع لأي براءة اختراع، والتي يمكن إنتاجها على نطاق واسع وتوزيعها مجانًا على جميع السكان في جميع أنحاء العالم. إذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال السماح للاحتكارات والرأسمالية المتوحشة والمنافسة الشرسة والقومية الضيقة أن تقف سدًّا أمام تعميم لقاح بهذا القدر من الأهمية وإقصاء فئات واسعة من الاستفادة منه وتعريض صحتهم للخطر.

وعليه يتعين توحيد الجهود وتقاسم المعطيات والمعلومات وتعبئة جميع الكفاءات وانخراط الجميع في العالم دون استثناء في مواجهة هذا التهديد الكوني.

في الولايات المتحدة، أطلق الرئيس دونالد ترامب عملية «وارب سبيد» لتكون البلاد أول من يقدم لقاحًا للعموم، 300 مليون جرعة بحلول يناير. وبحسب ما ورد في الإعلام الدولي، أحبطت الحكومة الألمانية محاولة ممولة من الحكومة الأمريكية لاحتكار الحقوق الحصرية للقاح محتمل تقوم الشركة الألمانية «كيور فاك» بتطويره.

وفي السياق نفسه، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شركة «سانوفي»، ثالث أكبر صانع لقاحات في العالم، موافقتها على منح الولايات المتحدة الأمريكية، أولوية الحصول على عقار «سانوفي»، بعد أن تعهدت إدارة ترامب بتمويل لقاح كوفيد-19 التجريبي، لتغير الشركة فيما بعد موقفها موضحة أن العقار سيكون متاحًا للجميع.

وليست الولايات المتحدة البلد الوحيد الذي يسعى جاهدًا ليكون أول من يسوق اللقاح عالميًّا، فقد مولت الحكومة الصينية تجارب ضخمة تشمل ما لا يقل عن تسعة لقاحات محتملة قيد التطوير، تجند لها عددًا هائلًا من العلماء يعملون بكد للوصول إلى الهدف نفسه.

وهكذا تطورت أزمة الانقسام الدولي في بحثه عن اللقاح ضد الوباء وتحولت إلى معركة مخيفة بين الدول يطبعها الاندفاع الشرس، وتبادل التهم والادعاءات.

والخطر الحقيقي في كل ذلك هو أن الدول الغنية والمتقدمة هي الوحيدة التي توجد على قمة خط إنتاج اللقاحات حين تصبح متاحة، وسيكونون بطبيعة الحال أول المستفيدين منها وليس أولئك الأكثر احتياجًا إليها.

وهناك مبادرات لضمان التعاون الدولي المتعدد الأطراف، من أجل توزيع اللقاح المحتمل بشكل عادل على جميع الدول حول العالم، لكن عندما تتعلق المسألة بالحياة والموت، يتم نسيان فكرة التضامن الدولي بسرعة. وهو بالذات ما كشفت عنه أزمة كورونا، وبدا واضحًا من خلال ما حدث عند وقف تصدير الأجهزة الطبية في أوروبا وأمريكا. إنها «القومية الطبية» وتداعياتها على توزيع اللقاح فيما بعد.

وحتى مع التعاون الدولي وحسن النية، فإن التحدي التالي سوف يتمثل في الاتفاق على المستفيدين من ذوي الأولوية. فهل ينبغي لكبار السن أن يكونوا على رأس القائمة؟ أم العاملين في مجال الصحة، أم المعلمين؟ أم العمال؟ أو ربما المجتمعات التي تتسم بأنظمة الرعاية الصحية الهشة حيث يكون من الصعب للغاية السيطرة على الأوبئة.

في ظل هذا الواقع المتضارب لا يسعنا سوى أن نفسح باب الأمل في غد أفضل، آملين من القوى العالمية أن تنأى بنفسها عن جعل صحة البشر موضعًا لأي تمييز أو تفرقة، وتبذل قصارى جهدها من أجل توزيع عادل لأي عقار أو لقاح سيجري تطويره ضد الوباء، حفاظًا على صحة الجميع وتجنبًا لمخاطر العدوى في حال ما جرى إقصاء بعض الشعوب من الاستفادة من اللقاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عنصرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد