من البؤس بمكان أن هذا الجيل الملحمي قد أتى بعد أن انتهى زمن الملاحم، فلا اعتصامات كالتى فاض بها عصر مبارك ولا بدايات لحركات ثورية كالتى توهجت فى آخر خمس سنوات من عهده، ولا حتى ملاعب مفتوحة لجماهير كرة القدم، لم يعد الحماس والقدرة على الهتاف من مميزات العصر الحالي.

 
هى كتذكار على تطور العمل الاحتجاجى من عصور ما قبل 3 يوليو، هذا التذكار يكتمل بكل تراكمات ما قبل يناير ليكون مُخرجه كالتالى : شابً كاره للحزبية، أناركي الهوى، كاره لفكرة التنظيم على اختلاف أشكاله، حتى لو كان تنظيمه الشخصي، يتحرج من فكرة القيادة، ولا يأتمر لأحد، حتى لو كان صديقه الذى يحمل شارة القيادة فى ملعب الكرة. ليخبرك من يراه هكذا معزيا ومبررا بجمله واحدة: “معلش، أصله يسارى”.

هذا البؤس يكتمل بنقيض هذا الشاب الذى تكون بنفس التراكمات على الطرف الآخر ليُنتج فى النهاية شاا ينظر بشكل مستمر ضد كل من هتف يوما، هو يرى أنهم مجموعة من “السرسجية”، هو يحب هذا اللفظ، ويستخدمه بكثره لوصم كافة مخالفيه فى الرأي، هو يرى أن الحل السحرى يكمن فى عقله، عقله هو وحده.

 
هو يعتقد أن الحنكه والخبرة السياسية العظيمة التى يتدوالها هو والصفوة التى يجالسها تقودهم للقبول بأن ينضموا لرجال تحسين أحوال عصر مبارك، تقوده للقراءة والتحدث بالإنجليزية أمام جمهور عربي، هو يفضل أن يتحدث دوما عن الاقتصاد وعن معدلات النمو العظيمة التى شهدتها بورصة مبارك.

 
هو يعتقد أن الحل سيأتى مع صمت “السرسجية” واندثار الإسلاميين، الذى يكرههم بشدة لدرجة تجعله يرضى بأن يتواجد ومن يمثله كوزير فى حكومة يرأسها أحمد نظيف مثلا، لديه دائما جملة واحدة ليرد بها على أصدقائه الذين يذكرونه بأن هذا لا يتفق مع مبادئ الثورة التى شاركهم فيها: “أنا ليبرالي” وكأن هذه الجمله مبرراً لكل شيء لا يمكنه تفسيره.

 

 
وفى الحقيقه هذا الهياج وتلك الطفولية، ليس يسارية، وهذا الانسحاق والانحناء، ليس ليبرالية. لاحظ أننى أتحدث عما يمكن تسميته بـ “ثوار يناير” المسيسين منهم، المدنيين منهم، من لم يقعوا فى خانة الطائفية، ولم يخاصموا السياسة قبل أن يقربوها أصلا.

 

 
ويبدو أن البؤس فى الأساس قد أتى من هذه الجملة: “ثوار يناير”، التى يبدو أننا جميعاً، لم نكن مستعدين لحملها، كنا ـ و لم نزل ـ صغاراً طيبيبن، لم نتعلم الكثير، ولم نجهز لعمل الكثير، يبدو أن سفينة نوح لم تُبن أبداً، لذا فقد حق للطوفان أن يخسف بنا، و يبدو أنها تتنظر من يجعلون من بنائها مشروع حياتهم، تنتظر جيلا يفهم ما يلبسه من أيديولوجيات قبل أن يتباهى بحملها ، جيلا يؤمن بضرورة العيش المشترك بين الجميع، كما يؤمن بضرورة تحقيق عدالة انتقاليه قبل أن يتم هذا، جيلا يجمعه مشروع مشترك، يخلق هيكلا لمجموعة من النوايا الطيبة التى كسبناها فى يناير .

 

 

 

ربما حينها، وحينها فقط ستنجو هذه الأمه .

يا صبر نوح !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد