مناقشة قصة طوفان نوح بين العلم الحديث والإسلام والمنطق

دُعي د. John H. Walton (أستاذ العهد القديم بجامعة Wheaton College بأمريكا) ليعطينا محاضرةً في جامعة كامبريدج عن عدم فهم الكتب السماوية فهمًا حرفيًا، وبما أنه مسيحي فقد عني بالإنجيل في محاضرته عن باقي الكتب السماوية، وأشار إلى بعض النقاط التي أُسيئ فهمُها، كخلق الكون في ستة أيام، والخلق المباشر لسيدنا آدم، بالإضافة إلى محلية طوفان نوح وليس عالميته، وأنه أغرق جزءًا من الأرض وليس الأرضَ كُلَّها، وأضاف أنَّ العلمَ لم يُثبت حدوثَ مثل هذا الطوفان، بل لقد كتب د. John H. Walton في قصة طوفان نوح كتابًا بعنوان «The Lost World of the Flood».

ذهبتُ إليه بعد انتهاء المحاضرة لأسألَه عن رأيِه بشيءٍ من التفصيل في قضية طوفان نوح، فنحن -المسلمينَ- تجاوزنا قضيةَ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولم يقل أحدٌ -على حد علمي- بأنهن خُلقن في ستة أيام وأن كل يوم يتكون من 24 ساعة، بل لقد تجاوز بعضُ المسلمينَ -وهم فئة قليلة- قضيةَ خلق آدم خلقًا مُباشرًا، فهناك فئةٌ من المسلمين اليوم يؤمنون بنظرية التطور ولا يجدون أي تعارض بينها وبين الإسلام، وأنَّ القضيةَ تكمن في عدم التمسُّك بالتفسير والفهم القديم، وكُتبت في ذلك كتبٌ عديدة على رأسها كتاب «أبي آدم» للدكتور عبدالصبور شاهين، وكتاب «كيف بدأ الخلق» للدكتور عمرو شريف، وكتاب «الإسلام وأسئلة العلم المزعجة» للدكتور نضال قسوم. ولكن القضية التي لم أتجاوزها وكانت جديدةً على مسامعي، هي أنَّ طوفانَ نوح كان محليًا ولم يكن عالميًا ولم يُغرق الأرضَ كُلَّها. فأجابني حين سألته أنه ليس متخصصًا في العلم الطبيعي، وإنما هو متخصصٌ في علوم الكتاب المقدس، ثم استعجب من سؤالي له وقال: أتسألني أنا عن القضايا العلمية وواقف بجوارنا الدكتور Bob White (أستاذ فيزياء الأرض هنا في جامعة كامبريدج)؟ سَلْهُ فهو من أفضل علماء العالم المتخصصين في هذا المجال.

وجهت وجهي إلى د. Bob White أسأله، وكان يعرفني جيدًا -فكنت أنا المسلم الوحيد والعربي الوحيد الذي حضر هذه الدورة المتعلقة بالدين والعلم-، فأجابني: لا يا محمد، لا يوجد دليل علمي واحد على حدوث مثل هذا الطوفان، وأخذ يُعدد لي الأسبابَ العلميةَ التي تقول باستحالةِ حدوث مثل هذا الطوفان. وهنا 21 سببًا علميًا لنفي حدوث مثل هذا الطوفان. وأنَّ كلَ الدراسات العلمية تقترح حدوث طوفان محدود في منطقة مُعيَّنة من الأرض. ثم سألني: هل يقول القرآن أنَّ طوفان نوح كان طوفانًا عالميًا وأنه أغرق كل مَن على وجه الأرض؟ قلت نعم، وحاولت أن أستدعيَ آيةً واحدةً من القرآن لأذكرَها له، فلم أجد.

وحين أنهيتُ محاضراتي وعدت إلى البيت، شرعتُ في البحث في هذه القضية كي أصلَ إلى حل فيها، فالمشكلة الحقيقة في الفهم الديني. فبدأت في البحث العميق في آيات القرآن وتفسيراتها. وهنا لا بد لنا من وقفة.

رسالة نوح لم تكن عالمية

على عكس ما يقوله بعض المفسرين أنَّ رسالةَ سيدنا نوح كانت للبشرية جميعها؛ لأنه من أولي العزم من الرسل(١)، فإن القرآنَ يُؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ سيدنا نوح أُرسل إلى قوم بعينِهم، ولم يُرسل للناس كافة. «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ» [العنكبوت 14]، «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ» [المؤمنون 23] «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» [هود 25]، «إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» [نوح 2،1].

وعليهِ، فلا توجد آية واحدة في القرآن تقول بأنَّ رسالةَ سيدنا نوح رسالةٌ عالميةٌ وأنه أُرسل إلى كلِ البشر، بل لم يقلْ أبدًا «يا أيها الناس»، وإنما قال «يا قوم»، ولو كانت رسالتُه عالميةً لقال «يا أيها الناس»، أو لَذَكَرَ اللهُ أنه أُرسل للناسِ كافةً كما ذَكَرَ ذلك لسيدنا محمد، فنحن نعلم أنَّ رسالةَ سيدنا محمد عالميةٌ، لذلك تجد في القرآن «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا» [سبأ 28]، «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا» [الأعراف 158].

أما القائلين بأنَّ رسالتَه عالميةٌ لأنه من أُولِي العزم من الرسل، فهذا القول مردودٌ عليه، فسيدنا موسى من أُولِي العزم من الرسل، وسيدنا عيسى من أولى العزم من الرسل أيضًا، ومع ذلك لم تكن رسالتُهم عالميةً، وإنما أُرسِلا إلى بني إسرائيل وحدهم، فقال اللهُ لموسى ولأخيه هارون «فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ» [طه 47]، وأما عيسى عليه السلام فقد قال اللهُ عنه «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ*وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ» [آل عمران 48]، «إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم» [الصف 6] وعليهِ، فإن قولَهم بأنَّ رسالةَ نوحٍ عالميةٌ لأنه من أولي العزم من الرسل، غير صحيح.

المُغرقون هم قوم نوح فقط

حين عدتُ إلى آياتِ القرآنِ، لم أجد أيضًا آيةً واحدةً تقول بأنَّ اللهَ أغرقَ البشريةَ كلَّها، بل إنَّ القرآنَ كُلَّه يؤكد على أنَّ المُغرَقِينَ هم قومُ نوح وفقط، هؤلاء القوم الذين كذَّبوا بآيات الله «وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» [الأعراف 64]، «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ» [هود 37]، «وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ» [الأنبياء 77]، «مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا» [نوح 25]… وغيرهم من الآياتِ العديدةِ التي تتحدث عن أنَّ المُغرَقِين هم قوم سيدنا نوح فقط، الذين كذَّبوه و جحدوا رسالتَه.

أما المُستدلين بقول سيدنا نوح «وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا» [نوح 26]، ليقولوا بأنَّ الطوفانَ أغرقَ الأرضَ كُلَّها، ففي الحقيقة هذه الآية لا تُسعفهم أبدًا، لا تُسعفهم قرآنيًا ولا حتى منطقيًا.

قرآنيًا: لأن كلمةَ «الأرض» في القرآنِ لا تعني بالضرورةِ كلَ الأرضِ، فحين نأخذ حالةَ سيدنا محمد مثالًا، نجدُ قولَ الله «وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا» [الإسراء 76]، لم يقلْ أحدٌ في العالمين أنَّ النبيَ محمدًا كان قومُه يريدون أنْ يُخرجوه من كوكب الأرض، أو من على وجه الأرض، وإنما اختلفوا في الأرض التي أرادوا إخراج النبي منها، فمنهم من يقول هي مكة، ومنهم من يقول هي المدينة، وأيًا كان المقصود بالأرض، ففي النهاية أُطلقت كلمة «الأرض» على بلدة صغيرة، سواءً كانت مكة أم المدينة. ليست فقط في حالة سيدنا محمد وحده، بل مع نبي اللهِ موسى أيضًا «فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا» [الإسراء 103]، ومعلوم للجميع أنَّ سيدَنا موسى وقومَه كانوا في مصر، ومع ذلك قال الله أن فرعون أراد أن يستفزهم من «الأرضِ»، فالأرضُ في هذه الآية أُطلقت على مكان صغير في الكرة الأرضية وهو مصر، بل حتى الآية التي تليها مباشرة «وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ» [الإسراء 104]، يقول القرطبي في تفسيره إنَّ الأرضَ في هذه الآية هي أرضُ الشام(2). فتخيلوا معي، سطرًا واحدًا في كتاب الله، ذكرت فيه كلمة الأرض مرتين، والمرتان لهما تفسير مختلف، لنفس الكلمة الواحدة. بل إنَّ سيدنا يوسف قال للمَلِك «اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ» [يوسف 55] والجميع يعلم أن المَلِكَ لم يحكم الأرضَ كُلِّها، وإنما كان في مصر فقط. وعليهِ، فإن «الأرضَ» المقصودة في قوله «وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا» [نوح 26]، ليست الأرض كلها، وإنما المكان أو القرية أو المدينة التي كان يسكن فيها قوم نوح.

منطقيًا؛ لأنَّ هذا الفعل لا يُمكن أنْ يخرجَ من إلهٍ عادلٍ حكيمٍ، لا يُمكن أنْ يُهلكَ هذا الإلهُ العادلُ أقوامًا لا ذنب لهم، فكيف يُتخيَّل أنْ يُرسَل رسولٌ إلى قومٍ بعينهم في مكان ما في الأرض، فإذا كذَّبَه هؤلاء القومُ وجحدوا رسالتَه، فبدل أنَّ يُهلكَ اللهُ هؤلاء المُكذِّبين، أرادَ أنْ يُعاقبَ جميعَ من في الأرض كلهم، وهم لا ذنب لهم، فلا وصلتْ لهم رسالةُ نوح، ولا كذبوها ولا يعلمون عنها شيئًا. بل إنَّ هذا الإلهَ لم يَكْتَفِ فقط بتدمير وإغراق مَن لا ذنب لهم من البشر، بل دَمَّرَ حتى الحيوانات والنباتات، لأجل ماذا يُهلك هذا العالمَ؟ لأن قومًا ما في قرية ما كذَّبوا رسولَهم الذي أُرسل إليهم! هذا الكلامُ مُستحيل أنْ يفعلَه إلهٌ قال عن نفسه «فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ» [العنكبوت 40]، أي أنَّ كلَ شخصٍ يُعاقب على ذنبه وفقط، وقال «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ» [فاطر 18]. 

لم يُحمل زوجان من جميع الكائنات في السفينة

يستدل البعضُ بعالميةِ الطوفان من قوله «حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ» [هود 40]، وقوله «فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ» [المؤمنون 27] ولدي جوابان على هذا الادعاء.

أولًا: إنَّ الأمرَ بحمل الحيوانات لم يكن إلا في لحظةِ ما قبل الطوفان مباشرة، وهذا يُفهم من قوله «حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا» [هود 40] فالأمرُ بحمل الحيوانات كان حين جاء أمر الله بإغراقهم، وحين فار التّنور، ولم يكن هناك وقتٌ أصلًا ليطوفَ سيدنا نوح الأرضَ كُلَّها ليجمعَ منها كل الحيوانات. بل إنِّ اللهَ استخدم في الآية الثانية تعبيرًا لا بُد أن نقفَ عنده وهو «فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ» [المؤمنون 27]، فمرَّةً يقول اللهُ «احمل» وتارةً أخرى يقول «اسلك»، وحسب ما قاله الراغب الأصفهاني في معنى كلمة «اسلك» أنَّها هي النفاذ في الطريق. (3) وهذا يدل على سهولة حمل الحيوانات في السفينة. وعليهِ، فإن سيدنا نوح حمل الحيوانات المُستأنَسة فقط كي يشربوا ألبانَها ويأكلوا منها بعد زوال الطوفان. 

ثانيا: كيف يتسنى لسيدنا نوح أنْ يطوفَ الأرضَ كلَّها ليأخذَ من جميع أنواع الكائنات فيها زوجين اثنين -مع العلم أنَّ عدد الأنواع الموجود في الكون يصل إلى حوالي 8.7 مليون نوع-(4)؟ ولكن دعني أفترض بأنه في زمن سيدنا نوح كان يوجد على الأرض 1% فقط من الأنواع الموجودة الآن، أي سأعتبر أنَّ عددَ الأنواع يُساوي 87.000 نوع، وأنَّه أخذَ من كل نوع زوجين، إذن فعدد الكائنات المُفترض أنْ تُوضعَ في السفينةِ هم 174.000 كائن. فكيف يُمكن لـ 174 ألف كائن أن يوضعوا جميعًا في سفينة بدائية صُنعت من آلاف السنين؟ بل كيف سيتعايشون جميعًا؟ هل جاب سيدُنا نوح الأرضَ كلَّها ليأخذَ حيوانَ الكنغر من أستراليا؟ والدبَ القطبي من القطب الشمال؟ والبطريقَ من القطب الجنوبي؟ إنَّ هذا الافتراضَ لا يبدو عقلانيًا أبدًا.

العلمُ وسفينة نوح

إنَّ الجميعَ مِن مُختلف الديانات اشتغلوا بحُطام السفينة، فليست الحالُ هنا في أوروبا بأحسنَ منها في عالمِنا العربي، ولكن الحقيقة أنَّ المسلمين شَغَلَهُم أمرُ إيجاد السفينة بسبب ظنهم أنَّ اللهَ قد تركَها باقيةً إلى الآن وذلك لقوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ*فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ» [العنكبوت 15]، وقالوا إنَّ اللهَ قد تركَ سفينةَ نوح باقيةً إلى الآن ليجعلَها آيةً لنا. والرأيُ هو أنَّ السفينةَ ليستْ هي الآية وإنما القصة والعبرة هي الآية، وإلا فما الذي يزيدنا من وجود السفينة أو من عدمها؟ ويؤكدُ هذا الرأيَ قولُ الله «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ» [الحاقة 12]، فالتذكرةُ التي يريد اللهُ أن تعيها الآذانُ والعقولُ هي القصةُ نفسُها والموعظة التي نخرج بها منها، وإلا فلا معنى لأن تعيَ العقولُ السفينةَ! ويؤكدها قولُ الله أيضًا «وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» [يس 41]، فالأيةُ هي العبرةُ والموعظةُ التي نخرج منها من سرد هذه القصة لتكونَ للناسِ آيةً، وليست السفينة نفسها.

وأريد أن أقول نهايةً: إلى الآن لا يوجد أي دليل علمي على وجود سفينة نوح رغم الادعاءات التي نسمعها كل يوم عن اكتشاف السفينة، فمرةً يقولون أننا اكتشفنا حُطامَ السفينة على جبل أرارات في تركيا، -هذا المكان الذي يذكر الكتابُ المقدسُ أنَّ السفينةَ رستْ عليه- وقد قال ذلك Violet M. Cummings وكتب كتابًا عنها بعنوان «Noah’s Ark: Fable Or Fact؟». ومرَّةً يقولون اكتشفناها على سلسلة جبال ألبرز في إيران.(5) وفي النهاية تم تصنيف هذا النوع من الأبحاث باعتبارها علومًا زائفة وعلومًا كاذبة من قِبَل الجيولوجيين وعلماء الآثار (6).

العلمُ والطوفان

إننا حتى لو افترضنا علميًا حدوث مثل هذا الطوفان، السماءُ تُسقط كلَ الماء الذي بها (والذي يساوي تقريبًا 13.000 كم٣)، والأرض تُخرج كل ماءَها، فنعم، علميًا يمكن أنْ يحدث طوفان ويُغرق الأرضَ كُلَّها. ستغرق الأرض كلها وسيكون ارتفاع الماء 2.5 سم، أي أن البشرية ستغرق في شِبْر ماء، وإذا اعتبرنا أنَّ الشبر يساوي طوله من 8 إلى 15 سم، فإن الناس سيغرقون في ثُلُث شِبْر من الماء.(7)

وإذا افترضنا علميًا أيضًا الصورة التي يتم وصف الطوفان بها، وهي ماء يصل إلى قمم الجبال، وغرق للأرض جميعها، فإن هذا يتطلب حجم مياه يبلغ حوالي 4،500،000،000 كم3، أي حوالي 3.25 مرة من إجمالي كمية المياه في المحيطات اليوم، ويحتوي الغلاف الجوي على 13000 كم 3 فقط. والسؤال هنا: من أين تأتي كل هذه المياه الزائدة؟ وأين ذهبت عندما انحسر الطوفان؟ إذا كنا نفترض أن هذه المياه في الأرض اليوم، فإنها ستشغل مكعب طوله حوالي 1650 كم من كل جانب. ولم يتم رؤية أي خزان من هذا القبيل في باطن الأرض إلى الآن.(7)

إلا أنَّ هناك بحثًا علميًا نشره عالمان من جامعة كولومبيا، هما دكتور William B.F.Ryan ودكتور Walter C. Pitman III يفترضان فيه ارتفاع كارثي حدث في منطقة البحر الأسود منذ حوالي 7.000 سنة، وتُعرف هذه الظاهرة علميًا بـ«فرضية طوفان البحر الأسود»، أو «Black Sea deluge hypothesis». (٨) وقد كتبا كتابًا مُفصلًا بخصوص فرضيتهما هذه بنوع من التفصيل تحت عنوان «Noah’s Flood: The New Scientific Discoveries About the Event That Changed History».

وعلى اعتبار صحة هذه الفرضية فهي ستُعزز الطرحَ الذي قلته وهو أنَّ الطوفانَ كان محليًا ولم يكن عالميًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر