خلق الله الإنسان بفطرة سليمة بعيدة كل البعد عن أدران الخطايا والذنوب فلم يتركه الشيطان ينعم بفطرته فترصد له كل مرصد وأتبعه في كل سبيل حتي أوشك أن يُهلكه وزين له المعاصي وجمل له الدروب الوعرة فجعلها مبسوطة ممهدة وهون في عينيه الحُفر الموحشة وجعله في النار، يعيش فيها كجنة المسيح الدجال قال الله تعالى: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا).

وقد عَلِمَ الصالحين من العباد بخطورة كيد الشيطان فتنبهوا وأخذوا الحيطة وأستعاذوا بالله منه قالت امرأة عمران حين وضعت السيدة مريم (رب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) وتنكر الشيطان للإنسان ليهلكه ووقع كثير من الخلق في شباكه لذلك جعل الله للإنسان ما يعينه علي هذا العدو الخفي الواضح فهو خفي في النفس، واضح في قلب المؤمن وبصيرته فجعل له سفن كثيرة كتلك التي أعان الله بها نبيه نوح علي كفار قومه والتي أبى أن يركبها ابنه فكان من المغرقين.

نعم تتعدد المشاهد والمواقف ونتلمس لطف الله الخفي في حياتنا فذاك نجاه الله قبل أن يَسرِق بأن أحيا ضميره وهذا أعانه الله بصحبه صالحة وذاك انجاه الله من حادث ليعمل صالحًا من جديد قبل فوات الأجل.

وفي عصر اختلاط المفاهيم والتذبذب الديني الواقع فيه كثير من المسلمين أوكل الشيطان كثير من مهامه لبعض بني البشر فأثبتوا جدارة واستحقاق بأن يتنازل لهم الشيطان عن لقبه فصار شياطين الإنس أخطر وأضل فالسامري قد فعل ما عجز الشيطان عن فعله مع بني إسرائيل حين ذهب نبي الله موسى للمناجاة قال تعالي علي لسان موسى عليه السلام (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي).

فالسامري قد حول عبادة بني اسرائيل من الله الواحد الأحد لعبادة العجل وتسلل إلي النفوس كما تسلل النار في الهشيم إن التاريخ يعيد نفسه باختلاف شخصياته وتحدياته بيد أن سنة الله واحدة ومعادلة الكون واحدة حزب للباطل وحزب للحق وكل يدعو أنصاره، فأما حزب الشيطان فهم شياطين الأنس بقيادة عدو الله إبليس، وأما حزب الحق فنصيرهم الله إن توكلوا عليه حق توكله وأخذوا بالأسباب واستنوا بسنة النبي صلي الله عليه وسلم.

إن نموذج نبي الله نوح يجب أن يكون مثالًا لنا هذه الأيام؛ فانتشار الباطل متشابه، وكل إنسان يسعى لبناء سفينته التي تنجيه في تلك الريح العاتيه التي لا تزيد الشقي إلا شقاءً، والحيران إلا حيره ، وتشابه الزمان، فمن تمسك بزمام دينه لا يبرح إلا ويرى مِن حوله مَن ينغصون عليه أمر دينه وديناه سفها واستهزاءً، فإذا رأيت ذلك وأنت في طريقك فامض علي وجهك ولا تلتفت فإن العزم بمعية الله لا يُقهر.

قال تعالي (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ).

وتيقن أن الله سبحانه وتعالى لن يتركك فهو يكفيك ما يُخيفك ويروعك.

وكما قال الله تعالى لسيدنا نوح عليه السلام (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) فإن معية الله ستدركك ولو كنت في غيابت الجُب أو في بطن الحوت.

روى ابن الفرّاء في طبقات الحنابلة: أن عبد الغني المقدسي المحدث الشهير، كان مسجونًا في بيت المقدس في فلسطين، فقام من الليل صادقًا مع الله مخلصًا، فأخذ يصلي ومعه في السجن قوم من اليهود والنصارى، فأخذ يبكي حتى الصباح، فلما أصبح الصباح، ورأى أولئك النفر هذا الصادق العابد المخلص، ذهبوا إلى السجان، وقالوا: أطلقنا فإنا قد أسلمنا، ودخلنا في دين هذا الرجل، قال: ولِمَ؟ أدعاكم للإسلام؟ قالوا: ما دعانا للإسلام، ولكن بتنا معه في ليلة ذكرنا بيوم القيامة.

فلربما كلمة تقولها يدفع الله بها خصومة أعداءك ويجعلهم أقرب الأقربين فقط لأنك أخلصت لله وعزمت على مقارعة الشيطان وحزبة، ولا تنس أن الإبتعاد عن أهل الدنايا نجاة فاصنع الفلك كما صنعها نبي الله واخرج من ظهورهم حتي لا يغرقك الطوفان قال ابن القيم رحمه الله: (ولا تغتر بعزمك علي ترك الهوى مع مقاربة الفتنة فإن الهوى مكايد).

وارفق بنفسك يا صديقي فلعلك تستوي علي جودي الوصول في الجنة حيث لا نصب ولا تعب وارفق بنفسك في الدنيا فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نفسك مطيتك فارفق بها) ورفقك بنفسك لا يكون إلا بإبعادها عما يحط من قدرها ويذلها بمعصية الله والتي بالكاد تحط بقدرك عند الناس واشدد على يدك وتوكل على الله.

يقول ابن الجوزي رحمه الله:

وكم من عازمٍ على الجِدِّ سوَّفه الشيطان وجعله يقول (سوف)، وكم من ساعٍ إلى فضيلة ثبَّطه، فلربما عزم الفقيه على إعادة درسه، فقال (استرح ساعة) وما زال الشيطان يُحبِّب الكسل ويُسوِّف العمل.

فامسك لجام نفسك واركب السفينة ولا تكن من الغارقين وإذا عزمت فتوكل على الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تلبيس إبليس (ابن القيم)
عرض التعليقات
تحميل المزيد