استفزني كتاب «وقال الراوي» للشاعر عبد المعطي حجازي، لقراءة رواية أولاد حارتنا، الذي بدا وكأن الجزء المخصص لنجيب محفوظ مُكرسٌ من أجلها فقط!

لذلك قررت قراءتها، بعدما سمعت كلامًا كثيرًا سلبًا وإيجابًا عنها، مجرد سماع كالدخان لا أكثر.

الحقيقة أن فكرة الرواية، المَبنية على تراث تاريخ الأنبياء، في قمة العبقرية، حتى أنها استحوذت علي اهتمامي وانبهاري كاملين، مؤكدًا على عبقرية نجيب محفوظ الفَذة، حيث وصل إلى قمة العبقرية الأدبية في أولاد حارتنا.

سواء في الفكرة نفسها، أو في التكنيك والقالب، أو في اللغة الأدبية المرنة والرشيقة، أو في الحبكة برغم ما فيها من ثغرات، أو في العُمق الفلسفي، أو الترميز السياسي، وموازنته بين السرد والوصف والحوار. أدوات استخدمها جميعًا، معًا، ببراعة منقطعة النظير.

أثناء قراءتي، كنت أنبهر بكل تلك الأدوات، وقُدرته الإبداعية الفذة في الإدهاش.

وإليكم وقفاتي فيها، هي وحدها التي أنتقدها على الكاتب، غير مُعمم حُكمي على الرواية برمتها:

لا أدري، في بعض السياقات التي تتوارد على ذهني تلقائيًا إسقاط على القصصِ الأصلية، أفيها نوع من الجهل بمعانيها وأسبابها ودلالاتها؟ أم أنه اختلق حوارات ومعاني جديدة، لا يجوز في رأيي حينها دمجها عن أصل قصصي مقدس، وإلا سيقع الكاتب في فخ إرباك المتلقي، مما يجعله عُرضةً لتصديق ثقافي مُحرف بين الحقيقة والخيال.

وهكذا يدلس الشيطان الحقائق على بني آدم.

فكأنما الكاتب هو إبليس يشوه الحقائق، يجعلها كالصنم، الذي تُلفق عنه الأساطير حتى يُعبد ويُصدق!

مثل على ذلك:

«هذا الرجل أسوء من ابنه إدريس…» ص92

«هل وعدك البلطجي الأكبر بالحماية؟»

ومن ذلك النهج الكثير، الكثير بلا حصر في الرواية، نقم كثير من الشخصيات على الجبلاوي بشكل مباشر.

فإذا كان يقصد الجبلاوي، فذهن المتلقي يتجه تلقائيًا لأصل الرمز الذي أسقطه على الجبلاوي أو العكس، وهو الله تبارك وتعالى.

فهو يصنع من القصة الأصلية في بعض المواضع قياسًا جريئًا أو مفهومًا مغلوطًا. كأنه يتلاعب بالرموز في شخصيات مختلقة، تفلته من المحاسبة.

أخرج سياقات أصلية في إسقاطها من مضمونها، وبالطبع فإننا نسعى دائمًا نحو المضمون، مهما اختلفت الأشكال، فهنا هو حَرّف المضامين والدلالات، وألبسها مضامين باطلة ودلالات مُدلسة عن الأصل، فإذا لم يرد ذلك، فلماذا استعان بالإسقاط عن أصل مُقدس؟ أليست مغامرة كبيرة أكبر من عبقريته؟

مقتل همام على يد قدري كان سطحيًا للغاية، وليس فيه مُبررات الدفن الكافية، وليس فيه الإحساس الإنساني المطلوب عند بني آدم، عندما يتعرضون لموقف مُشابه، كما عُرضت القصة الأصلية تأصيلًا للبشر، وسوقًا للحالة العامة التي قد تجتاح أي إنسان في موقف القتل.

بالنسبة لمعالجة شخصية الجبلاوي، فلم تكن تصرفاتها مُوفقة وقياسية ومنضبطة الاقتباس، فدائمًا كنا نرى سخط أبنائه عليه، لأنه تركهم بلا أي مَدد، ومنع عنهم رحمته ومدده، وكان يمكن خلق أو إيراد بعض الشخصيات، ليكونوا يد الجبلاوي التي تساعد وتدعم وترحم، مثل أبناءه رضوان والآخرين، باعتبارهم في مصدر الإسقاط هُم (الملائكة)، الذين يأتمرون بأمر الله فيما يخص عباده.

كنت أظن أن عبقرية نجيب محفوظ ستُعالج وجود إدريس بأولاد وحَفدة، يقومون مقامه في الكُره والحقد، على بني أدهم، ويصنع من ذاك المسار حَبكة درامية مُتشابكة، تُظهر الصراع بين بني إدريس وبني أدهم، وليس بين بني أدهم مع بعضهم على الوَقف فحسب، فإهماله لهذا المسار أعطى مَلمحًا بعدم أهمية دور إدريس في القصص الأولى مع الجبلاوي وأدهم، فقد كان بإمكانه صُنع أزمة تؤدي لطرد أدهم، ومُعاناته فقط في سبل العيش ومُراعاة أولاده، لكنه أغفل هذا المسار المهم.

وصراحةً خذلني في عبقريته بتلك النقطة، فكنت أظن أنه سيحاول أن يُبين أن الشر في العالم موجود، لأمرين جوهريين: تأثير الشيطان على بني آدم، وتأثير نفوس بني آدم على بعضهم. لذلك فالقصص خالية من معانٍ أساسية لم تدخل الإسقاط، برغم اقتباس السِير الأصيلة بشكل رمزي. فكيف نتخيل الدنيا بدون إبليس ولا شره، فقد نسى الإجابة عن هذا السؤال في الرواية، بعدما كرس لبني أدهم وحدهم.

هنا تظهر أولاد حارتنا بقياسات خاطئة منطقيًا وفنيًا، بصراعات زائفة، سببها الوحيد سطوة بني أدهم على بعضهم، بلا أي وازع على الشر، لا فرق كبير بين وُجود الشيطان من عدمه، فتلك سَقطة فلسفية وفنية كبيرة في الرواية.

كذلك فهناك إسقاطات غير مُقنعة، وتبدو كفانتازيا ليس لها ما يُبررها، لم يستطع الكاتب معالجتها فَنيًا كما ينبغي، فكيف يكون لرجل أو لجد أن يبقى مائتي عام أو أكثر؟ تمثيلًا للجبلاوي.

ألا يعد هذا السياق من اللامعقولات ومن قبيل الخيالات والعبثيات واقعيًا، لا إشكالية في ذلك، إن كان هناك دلالة معينة لذلك مثل القوة وطول العُمر، فما فائدة ذلك وقد مات؟! إنما كان يمكنه اختلاق أساليب وشخصيات لتحقيق الواقعية، وتأسيس إسقاطات سليمة غير آيلة ولا واهية، كأن يدع أحد أولاده الصالحين يتوارثون حُكمه، وينفذون منهجه ووصيته، عدة وسائل كان يُمكنها التعبير عن الإرادة العُليا.

كل ذلك كوم، والكوم الآخر قصة «رفاعة»، والتي تُقابل قصة عيسى عليه السلام، وقضية موته أو رَفعه. فالإسقاط الذي ساقه في القصة أنه مات! وفي أحسن الأحوال أن الجبلاوي أخذه ودفنه في حديقته!

وأعود فأقول، لو أراد الكاتب إسقاطًا من أصل الإسقاط، فلماذا حَكم على رفاعة بالموت، وهو ما يُنافي عقيدة المسلمين، ولو كان لا يريد إسقاطًا، فلمَ الحاجة للاقتباس من قصص الأنبياء، والضياع في شرك الشُبهات، والتلميح باعتراف صلب المسيح؟!

كانت هناك حلول فنية عديدة، كأن يرسل الجبلاوي لرفاعة، يُحذره، لينقذه من أعدائه، كما أرسل لهَمام من قبل، ليعيش معه في البيت الكبير، وهنا يظهر ثباته على العقيدة الإسلامية من زاوية، ولا يُشاطر المسيحيين شبهة الاعتقاد بصلب المسيح.

كان يمكنه أن يجعل له شبيهًا من ضمن أصحابه، فيخونه، ويُقتل بدلًا منه. لذلك خيانة ياسمينة غير مبررة، وليس لها موقع في القصة، حتى أنها لم تُقتل بدلًا منه، برغم أنوثتها!

كان يمكنه أن يبقي له رمقًا من حياته إثر ضرب الفتوات له بالنبابيت، فيُنقذه أصحابه، أو يأتي من عند الجبلاوي مَن يحمله إلى البيت الكبير.

وهكذا لا أدري سببًا يُبرر للكاتب سياقه الروائي، سوى أنه تعمد قتل رفاعة في سياق قصة عيسى، دلالة على اعتقاد خاص به، حتى إن لم يكن، فهو تلميح للقارئ لهذا المعنى، بأن عيسى قتل أو صُلب، وكان يُمكنني مثلًا عزو هذا الاعتقاد للراوي بأول الكتاب لو كان رفاعيًا، فكأن الراوي يروي من وجهة نظره الرفاعية، لكن دلائل تُعطي ملامح عن كونه قاسميًا، مثل طوافه بالبيت الكبير، مثل الطواف بالكعبة، ومثل حديثه عن قاسم حديث المُعترف به، وهو ما لا يعترف به الرفاعيون، أيضًا إلماحه للفقر والمهانة والتبعية والمذلة، وهو ما يُمثل المسلمين في واقع عربي مهزوم وكاسد، أيضًا تكليفه بكتابة تاريخ أولاد الحارة الصحيح، في كتاب خالٍ من التحريف والتبديل، وهو ما يُشير إلى القرآن الكريم نسبةً إلى المسلمين.

غير شافع له ــ عن سياق القتل والصلب ــ تسمية رفاعة بمعنى الرفع للنبي المرفوع في الاعتقاد الإسلامي، ولا كونه أتى بعده بقاسم، الاسم المقتبس عن مصدر سيرة نبي الإسلام محمد، لأن كل ذلك قد يكون دبلوماسية غير مفهومة في السياق الدرامي والفكري!

ثم بعد هذا السياق اللماح، نتجاوز فترة قاسم، لتأتي بعدها فترة عرفة، وهنا يُورد تلميحًا غريبًا في صورة، بمقهى، يُشاهدها عرفة عرضًا، وَصفها بأن الجبلاوي يحمل جثة رفاعة ويرفعها بين يديه، ويسكنها بيته، في إشارة إلى رفع عيسى، وما اعتقده الناس وحرفوه بأساطيرهم، إزاء قصة نهايته، عبر تواترات الزمن، غير مُصدق على حقيقة نجاة رفاعة، وما حصل فعلًا آخرها، وكأن هناك تفسير للرفع، بأنه نِتاج خيال الناس ومبالغتهم وجهلهم.

حتى لو افترضنا أن الراوي يتحدث من وِجهة نظر رفاعية فعلًا، نظرًا لوجود الصورة في مقهى حارة الرفاعية، فلماذا تعمد الكاتب أن يُكرس ويُهيمن لذلك الاعتقاد، في الرواية كلها، من وِجهة نظر رفاعية فقط؟!

وإني لأتساءل ماذا يكون موقف لجنة جائزة نوبل من الرواية، والتي فازت بها، لو كان سياق حبكته اتجه إلى أن الجبلاوي آوى رفاعة في البيت الكبير، ليعيش بجانبه، ويحفظه من مؤامرة الفتوات، ويحبط كيدهم، ما يتسق مع السياق المقدس من رفع الله لعيسى إلى السماء حيًا، لينجيه من مكر اليهود؟ هل كانوا يرشحونها لنوبل، أو يدعونه يفوز بها حقًا؟

بصرف النظر عن محاولة طمس ملامح القصة الأصلية المقدسة، أو محاولة قلب الحقائق فنيًا، بحيث تختفي المعالم، فإن القارئ حينما يتعامل مع نص مأخوذ، أو مقتبس عن أصل مقدس، يكون في تتبع بذهنه لمسار حقائق مُعتقده الأصيل، ويمضي بانتظام في عزو وإلحاق ورد الأحداث والشخصيات إلى وقائعها الأصلية، فيتشتت، إذا تنافرت مع المعلوم من معتقده بالضرورة، أو تأخذه الحَمية على منطقة خاصة جدًا، تُعزز إيمانه، يشكك فيها الروائي، ولا يحترمها لدى قراءه، فيُحدث نوع من الصِدام، والرفض، أو القبول برؤية الكاتب جهلًا وضلالًا، وهذا النوع من الكتابة صعب تقبله لدى المُتدينين، وهُم فئة كبيرة مهمة، أجد الكاتب قد أوقع نفسه في فخ الخصوصية الدينية، والتلاعب بالمقدسات وتحريف المعتقدات.

إنها لعبة خطرة، لا تنجح دائمًا مع المتلقين، ويتورط فيها العباقرة بغرور من براعتهم.

لعل هذا يحدو بي إلى تفكير شاطح قليلًا.. فلا أدري ما الفرق بين أولاد حارتنا، وبين تحريفات اليهود وتخريصاتهم في تلمودهم؟

بمعنى قد نقول أن أولاد حارتنا مكتوبة بفن الأدب، وكذلك التلمود بفن أدب اليهود، وأنهم تناولوا كل تاريخ البشر بأيديهم، وتجنوا عليه بافتراءاتهم، ولفقوا قصصًا، وحرفوا الأحداث، واستخفوا بالأنبياء، وادعوا عليهم الخطأ والنسيان والكبائر والتعدي ووو… فماذا يُمكن أن نقول عن أولاد حارتنا، وكيف ننزهها عن شُبهها من قبل؟

الفرق أن التلمود كتاب شعب كذاب، وأولاد حارتنا كتاب متهازلين عبثة.

ما الفرق بين خزعبلات التلمود، وخزعبلات أولاد حارتنا؟

ما الفرق في أن يُقرأ التلمود وتُقرأ أولاد حارتنا؟

أخص الأخيرة بسبب تناولها لتاريخ الأنبياء وبداية الكون بالاقتباس والإسقاط.

ومَن قال إننا لا يُمكن أن نفعل ذلك مع التلمود، فهُم اقتبسوا تاريخ الأنبياء، وأسقطوه على أبطال بنفس الأسماء والمكانة، ولفقوا لهم قصصًا ليس لها أساس من الواقع، أو حرفوها لتأخذ صورة جديدة، والتبريرات كثيرة؛ لنُشوه الحقيقة أو نُلبس الحق بالباطل، بل ونتخذها ذريعة لإهانة الذات الإلهية، وإهانة الأنبياء، ونقول ببراءة أنها فن! أليس من الممكن أن يُزين الشيطان لجيل قادم حقيقة أولاد حارتنا، ويُدلس عليهم، فيعدونها كتابًا تاريخيًا للأنبياء؟ أو يستمدون منها صورة معيشتهم الدَنية.

وعليه، أسوق مثالًا، فصل فرح قاسم وقمر، وما تخلله من دَنايا، ثم المخدرات والحشيش والخمر التي تناولها قاسم، ليس لها معنى غير تدنيس الاقتباس والإسقاط، وتشويه القيم. فكيف يتفق أن تكون تلك المحرمات والأدناس مُصاحبة لأكرم فتى في حي الجرابيع؟!

وكيف يختلف عن أقرانه أو أهل حيه، بحيث يقود الحي كله بقيمه النبيلة ومنهجه القويم؛ لدحر الباطل، وزجر وُجوهه المُنكَرة؟!

ثمة ثغرة، فمن المفترض أن ناظر الوقف يتعامل مع البيت الكبير والواقف مباشرةً، فكيف يكون الناظر، برغم تكبره وتجبره واستبداده وطمعه وجرائمه كلها، مَرضي عنه من قِبل الواقف؟! وكيف يكون في وَظيفته التي كلفه بها الواقف، ومن المعلوم من قصة أدهم أن غير المَرضي عنه والمُخطئ والمجرم، يُطرد من البيت الكبير، ويُستبعد عن الوقف، مثلما حدث مع أدهم، برغم هوان إثمه مُقارنةً بجُرم النُظار! واستبعاد قدري عن دخول البيت الكبير؛ بسبب طيشه وفُحشه مع هند! مع أن جرائم النُظار أعظم وأشد طُغيانا!
كان يمكن أن تصبح الرواية أفضل عمل أدبي على الإطلاق، نظرًا لقالبها الرمزي، لو أن عبقرية الكاتب أسعفته لمعالجة أفضل، وخلق أدوات؛ لتُمثل التمازج الواقعي بين الموجودات. مثل أن تكون هناك أياد للجبلاوي تُدافع عن المضطهدين في الخفاء أو تُشرف على مظالمهم، وتُبين لهم اهتمام الجبلاوي واتصاله بهم ورحمته وقُربه، ووجوده بدلًا من انعزاليته وبُعده وشِدته، وأن الشر ليس وحده هو الذي يصنعه الطواغيت أو يكونون رمزًا له، بل الشيطان المُتمثل في إدريس، والذي اختفى دوره مبكرًا، وكان يمكن أن تمتد العداوة في ذريته، لأولاد آدم المتمثل في أدهم، ويكونون مصدر الشر أو مُخططيه، الذين يوسوسون أو يحضون أولاد أدهم على الشر.

تمثيل صحيح للحقائق الكونية الكبرى، بدون إلغاء لبعض منها جوهري؛ ما نتج عن أخطاء وسقطات، كان يمكن تداركها وتجاوزها، لو انتهجت وعُولجت ودخلت في سياق السرد؛ لتُكمل منظومة الكون في تعلقها بالصراع المُحتدم بين ثقليه.

وذلك مثل اللَوم المُتكرر من عدة شخصيات للجبلاوي ونقمهم عليه؛ تجاهله وغضه بصره عنهم، فهو ليس تمثيلًا صحيحًا للواقع الكوني الحاصل، وأعدها أنا ثغرات غبية للغاية.

فلا تأتِ على زمن تاريخي مقدس لتتدنى به، ولتُحوره، وترمز له بشخصيات أقل من المستوى العادي، في زمن روائي. فكأنك تتجنى على الزمن التاريخي الأصلي، وتُعلن أن فيه أخطاء وسقطات من خلال شخوصك الرمزية المرتبكة سُلوكيًا وأسلوب حياتها، والفاصلة بين سياستها ونظام حُكمها وإدارتها، وبين تقاليدها، وثقافتها الاجتماعية، وتصرفاتها الشخصية.

فإذا أهنا رموزًا تاريخية مقدسة، فماذا نعد ذلك؟ فنًا؟ إسقاطًا؟!

هي في كل الأحوال رموز لرموز تاريخية مُقدسة! فبينهما ارتباط وثيق بجوهر التاريخ، كيف يمكن إنكاره؟!

فهو كتبها تاريخًا باطنًا في فن روائي، لتاريخ ظاهر مُقدس في معتقد ثابت لدى ثلاث رسالات ربانية، على وعي به، هو والمتلقين، في موضوعه بالأخص.

ومع ذلك، لا أقول أن أولاد حارتنا رواية دينية، لكنها رواية أدبية تتناول تاريخًا له طابع مُقدس، وأبطالًا معصومين، والتطرق بهم في نسق تخيلي لا بد أن يكون مُراعَى فيه الحذر والسقطات، بمعنى أنه كان يمكن ألا يعصم الأبطال من الأخطاء، لكن لا يضعهم في صور مُتدنية، ثم يجعلهم زعماء ومُصلحين! فهذا يتنافى مع اتساق شخصية المُصلح أو البطل القدوة.

وعبقرية الكاتب أظنها تسعفه في خلق مسارات أو حبكات جيدة غير صادمة مع رموز التاريخ المقدس أو غير مستهينة برموز الكون في الحقيقة، لكنه لم يفعل؛ لوجهة نظر خاصة به، صنعت صِدامًا لدى كثير من المتلقين.

إنما لنكن صادقين مع أنفسنا، كل ما يتعلق بالدين له حساسية كُبرى، غير أن يكون التخيل في تاريخ عادي أو في مجال غير الدين، لأن هناك مَن يكتب في الجنس مثلًا، وهو تجاوز وأي تجاوز، لكنه لا يُقابَل بهذا الرفض والاحتجاج المُتعلق بموضوع ديني.

غير هذا وذاك، فالكاتب يكفيه على نفسه رقيبًا عتيدا، كي يقدر قدر لُغته حسب مَن تصل إليهم، ناهيه عن أن وجودنا الكُلي له مَغزى، ومَغزاه يترتب عليه اختيارات وحسابات، لها رُقباء، يُدونون منها المُلقى لها بالًا، أو المُلقاة بلا مُبالاة، للحظةٍ زمنية عُلوية يَحسِب فيها ميزان، يزن في مكياله مثاقيل النيات والكلمات والأعمال.

ومعنى هذا أن كل امرئٍ رهين بما يكتب، ليس بمفازة من المُحاسبة والعِصمة؛ لمجرد أن كلماته تخيل وفن. لا حرج في الفن والتخيل، إن كانوا يضعون الكلمات في موضعها المناسب؛ بحيث لا تهوي بصاحبها أو قارئها في مهاوي التشاحن والبغضاء والمِحن.

صحيح أن هناك حرية للفكر والتعبير، لكني مؤمن بالضوابط لكل شيء. فكلنا نعترف بأن ما تجاوز الحد انقلب للضد. هذا ناموس أرضي صارم، لن يستطيع البشر جميعًا حماية أنفسهم من عاقبة التجاوز والانفلات والإفراط والتفريط، لأن هناك ما يُسمى (شطوح فِكر). ولأنك لا يُمكن أن تُحرر الكاتب في المُطلق، وتُقيد حرية المُتلقي في ردود أفعاله. هذا عسف، لا أتحدث عن ردود أفعال متجاوزة أيضًا، لكن ردود أفعال برأي أو فِكر أو بعمل إبداعي، آراء، قد يبلغ أثرها أثر الفتوى أو يتساوى مع قرارها.

وفي النهاية القارئ هو الذي يحكم ويُحدد موقفه من أي عمل أدبي، وعلى الجميع تقبل الآخر ومُراعاته، ما استطاعوا.

إذن فأنا أنتصر للكتابة المنهجية، وليس الكتابة المُطلقة، فكلاهما يُنتجان إبداعًا، وليس كل إبداع محمودًا، وليس كل إبداع سيئًا، والمنهجية بمعنى أن هناك مَن يتجنب الجنس، أو السياسة، أو الدين في أعماله. وتخرج برغم ذلك أعمالًا غاية في الإبداع والإمتاع.

كل ما ألوم عليه هو أسلوب المعالجة القصصية، مع اعترافي بعبقرية الفكرة في حد ذاتها، وإني لأترقب تناولًا لنفس الفكرة بمعالجات مقبولة، الصدمة فيها لا تمس معتقدات ولا منطق ولا تاريخًا قدسيًا ولا أعراضًا، فطوال قراءتي كنت أعمد إلى تحسين المُعالجات، أو استحسانها. مما يعني أن فيها تجاوزات غبية، فنية وجوهرية، غير مكترث لخطورتها على قيمة الرواية ولا على المتلقي.

أردت أن أحكم على الروية بذائقتي الخاصة، مُحاولًا، بقدر ما أستطيع، تذوقها أدبيًا وفنيًا وفكريًا ونفسيًا.

لأني مؤمن أنها مفردات تعمل معًا، لا يجوز فصلها، وإلا، فنحن نُصبح مزدوجي الشخصية، وغير مُتسقين مع أنفسنًا، ذائقةً وفِكرًا وعقيدةً، وهذا ما لا أُحبذه، أن نكون مُفككي البصيرة، مُنفصلي الإدراك، متعددي الآلهة!

بلى، مُتعددي الآلهة، لأن لعقيدتنا إله، ولدولتنا إله، ولفنوننا إله، ولفكرنا إله، ولهوانا إله، ولأفعالنا إله!

إنما هو إلهٌ واحد، خالق كل شيء.

إنني أؤمن بأن الكون كله، بما يحويه من مواد أو معنويات، شبكة مُعقدة متواصلة معًا في وحدة واحدة، صانعها واحد.

لذلك لا يجب أن نفصل شيئا عن شيء، فنكون مُقطعي الأوصال والوصيلة.

كمَن (يقطعون ما أمر الله به أن يُوصل، ويُفسدون في الأرض، أولئك هم الخاسرون) البقرة 27.

ولأن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي هاجم غير المختصين بفَن الرواية، إصدارهم لآراء أو فتاوى ضد «أولاد حارتنا» ففيما يخص مسألة الفصل بين التخصصات في المجالات المختلفة، فهي في الكتابة، مرهونة بالكاتب وتخيله، برغم ما أعرفه من أن الروائي كثيرًا ما يطلع على معلومات المُتخصصين، سواء في الطب أو الهندسة أو القضاء، أو أو أو أو، حتى الدين والفقه، ويدمجه مع خياله.

إذن فهو لا يكتب فنًا منقطع الصلة بالحياة والمجالات الأخرى، برغم تخيله.

وبالتالي فهناك تشابك وعلاقات بين التخصصات، كيف ننكرها، وننسلخ منها؟!

أما مسألة تخصص المتلقي فيما يقرأه، ليُصدر حُكمًا عليه، فهو أمر غريب، إذ كأننا نطلب من القارئ أن يكون مزدوج الشخصية والرأي والأحكام!

كيف يكون مُتخصصًا في الطب مثلًا، فيقرأ رواية عن الطب مُغايرة للحقائق أو للخيال، ويقال له أنت تقرأ فَنًّا وليس تخصصك؟!

كيف يكون مُتخصصًا في الاجتماع، ويقرأ رواية اجتماعية تزين الشذوذ للناس مثلًا، ويقال له أنت غير متخصص في فَن الرواية؟!

كيف يكون مُتخصصًا في الدين، ويقرأ رواية تستهين بالدين أو تبطن رسالة إلحادية أو تُغالط في الدين، ويُقال له فرق بين تخصصك في الدين، وقراءتك للفن؟!

منطق عجيب، وانفصام، أن نعي تأثير الفن الضار، ونصمت لأنه فن. وكأن ليس له تأثير، برغم أننا نطلب تأثيره!

حتى الفن والأدب، مثل كل التخصصات، قد يكونا عاملين في توجيه المجتمع، والتأثير عليه سَلبًا، وتحريف فِكره ورؤيته ومُعتقده، وليس تطويره وتقنينه وتقدمه.

وكيف إذن نطلب حُكم القارئ وذائقته؟! أم أننا نسرب مفاهيمًا وأفكارًا للحشو فقط في الأدمغة، كغسل أمخاخ، نوقف تفكيرها، ونقطع لها ألسنتها، أو نجعلها مُجندة لترديدها كالببغاوات وفقط؟!

والناقد الناجح الذي يستطيع مناقشة العمل من خلال تأثيره أيضًا، وفهم وجهات النظر المختلفة في استقباله عند المتلقين باتساق تام، بدون الإخلال بتشابك منطقهم السليم، والكيل بمكيالين، فلا يجوز العبث بشخصية القارئ، بحيث يكون مُخالفًا لمبادئه، وفي ذات الوقت مُعتقد بها، فيكون بوجهين، غير متسقين معًا!

ولا أدري لماذا لا يُنقد الفن أي نقد، سواء شرعي أو فكري أو اجتماعي أو نفسي أو أو أو… أليس هذا ثراء ثقافي وفكري وعلمي، وتنوع وتعدد رؤى مفيد وخلاق ومطلوب، لصالح الثقافة عامةً، ولصالح الرواية نفسها خاصة.

ولماذا نستنكر بشرية نجيب محفوظ، وأن الخطأ ليس جائز عليه، وأنه ليس إلهًا للرواية، هو بشر له هفوات وسقطات، لماذا ندافع عنها، ونستميت على عَصمهِ منها؟!

وعلى أقل الافتراضات، لا أحد يتفق على شيء، والذائقة لا يتحد عليها مجتمع واحد، بل حتى أسرة واحدة، الرجل له مُحبوه، وله مُنتقدوه، وله كارهوه، ومتفاوتون في تقبله، مَن ليس له محبون أو منتقدون أو كارهون أو مُتفاوتون في قبوله، هذا هو ناموسنا على الأر،. الاختلاف.

فلا أجد مُبررًا لهذا التهافت والتعصب لنجيب محفوظ إلا مبالغة صنعتها الإثارة المحيطة بنوبل، أو أننا كمُتخلفين ثقافيًا، نميل لصناعة الآلهة والمبدع الأوحد.

إذن فلنقبل جميعًا الآراء المختلفة حول الرجل، بلا استهزاء أو استهجان غير موضوعي من كل الجوانب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد