سلام لأوطان خُلقت للسلام وما رأت يومًا سلامًا.

المال والسلطة يحكمان العالم، ألم يقل مانديلا يومًا: «إذا قبضتُ المال ثمنًا لنضالي سأتحول من مناضل إلى مرتزق»؟ يحكم عالمنا اليوم عصبة من المجانين؛ إنجازاتهم هي أن يحيلوا الموت إلى واقع بارد على النفوس لفرط ما اعتادت عليه، وأن يشوهوا حيوات كانت تضج في وجنات الشعوب، واليوم أضحت شاحبة تحتضر، وأخرى تنزف شلالات دم مخلوطة بالدمع. من يكترث؟ كل صوت يرتفع يُخرس بالرصاص.

في يوم الاثنين الماضي، جاء الإعلان باستحالة سحب جائزة نوبل للسلام من رئيسة حكومة ميانمار التي حصلت عليها عام 1991 وقتما كانت رمزًا للديمقراطية والمقاومة السلمية في مواجهة الظلم والقمع، اليوم إثر موقفها المخيب للآمال من شعبها، يطالب أكثر من 386 ألف شخص عبر عريضة إلكترونية على موقع تشانج أورج بسحب الجائزة منها، وتؤيد المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو» تلك المطالبات وتنادي بسحب الجائزة فورًا.

«إن ثمن صمتها على الفظائع التي تتكشف باهظ للغاية» ما قاله كبير أساقفة جنوب أفريقيا وأقرب حلفائها ديزموند توتو في رسالة إليها، ويُذكر أنه استهل الرسالة بوصفه لها أنها «شقيقته العزيزة».

في عهدها ومنذ سنوات، تُزهق الأرواح، ويضهطد المسلمون، وتهجر مئات الألوف بلا حق، وترتكب أشنع أعمال العنف فيهم، وانتهاكات مروعة تنافي كل ما خُطَّ عن حقوق الإنسان، والأمر يزداد سوءًا؛ إذ وصفت إحدى موظفات الأمم المتحدة التي قابلت مسلمي الروهينجا في بنجلادش بالوضع الصادم، قائلة: «هناك رضيع عمره ثمانية أشهر طعن حتى الموت، جميع من قابلتهم مروا بقصص مؤلمة؛ بعضهم أُحرقت منازلهم أو تعرضوا للاغتصاب أو قتل أحد من أقاربه أمام ناظريه أو قبض عليهم».

يرى المحللون أن تصلب أون سان سوتشي رغم سنوات من الضغط من قبل منظمات حقوقية، هي محاولة منها لاسترضاء الجيش، الذي لا يزال قويًا، في ظل القومية البوذية المتصاعدة في دول شرق آسيا.

وعلى ذكر نوبل للسلام، هناك أيضًا سياسيون حصلوا عليها بغير وجه حق:

مناحم بيجين

كان فكر بيجين صهيونيًا بالدرجة الأولى؛ فأسس منظمة صهيونية عسكرية أُطلق عليها اسم «الإرجون» والتي صنفتها السلطات البريطانية منظمةً إرهابيةً، إذ إنها بقيادة بيجين قامت بـ60 عملية عسكرية ضد الفلسطينيين العرب، وراح ضحيتها 360 فلسطينيًا، وقام بيجين بقيادة منظمته وبالتعاون مع منظمات أخرى بعمليات اغتيال أخرى، كما ضرب المفاعل النووي العراقي واتجه لضرب المقاومة الفلسطينية في لبنان.

شمعون بيريز

شمعون بيريز حصل على جائزة نوبل للسلام، بالاشتراك مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. في حياته انضم إلى عصابات الهاغاناه، وتمت ترقيته إلى أن أصبح مسؤول مشتريات في قسم التسليح، وكانت قسوة تلك المنظمة وشدة تنظيمها كفيلة لأن تكون حجر الأساس للجيش الإسرائيلي، وقُتل على يديهم زهاء 360 فلسطينيًا في دير ياسين، كما ارتكب بيريز مجازر وجرائم إبادة لا تُحصى بحق الفلسطينيين، وخاصة أهالي قطاع غزة.

فيما بعد قاد شمعون بيريز عدوانًا عسكريًا أُطلق عليه اسم رمزي وهو «عناقيد الغضب» قصف فيه مدن لبنان بما فيها العاصمة بيروت عام 1996 وقد كشفت إسرائيل عن وحشية لا مثيل لها حينما قصفت ملجأ للأمم المتحدة في الجنوب اللبناني يأوي مدنيين، أكثرهم من الأطفال والنساء وكبار السن، وبلغ عدد القتلى 118، ولم تكن تلك آخر اعتداءات الإسرائيليين في لبنان.

كما أنه شارك في العدوان الثلاثي على مصر، وتورط في مذبحة مخيم جنين والياسمينة في مدينة نابلس القديمة.

ماذا بعد؟

جائزة نوبل للسلام هي إحدى خمس جوائز أوصى بها العالم السويدي ألفريد نوبل، حسب نوبل فإنه لا بد أن ينال الجائزة من أسهم بقسط كبير في تعزيز الوحدة بين الشعوب، وفي القضاء على العبودية، وتقليص تعداد الجيش في العالم، والعمل على بلوغ اتفاقات سلمية. هذا المبدأ كان يُتّبع فعلًا في البداية، ولكن ما لبثت الجائزة أن اصطبغت تدريجيًا بصبغة أيديولوجية.

أمسى الكلام مبتذلًا منذ أن ألحدنا بالأفعال، واعتنقنا سياسة الكلمات، شعارات هشة سرعان ما سنستبدل بها أخرى، غضب مفتعل وضمائر غائبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد