النبلاء طبقة راقية من طبقات المجتمع الذي يحلو للبعض تسميته بالمخملي! تميزت هذه الطبقة بأخلاقيات وعادات سلوكية يفترض أنها أرقى من غيرها في طبقات المجتمع الأخرى.

 
وبرغم أن هذه الطبقة لم تعد موجودة الآن في عالمنا، إلا كأقلية قليلة جدًا، لم تعد تمتلك من المكانة والتأثير ما كانت تمتلكه في العصور الغابرة، إلا أنها ما زالت موجودة وما زالت متميزة جدًا.

النبلاء الذين سأتكلم عنهم اليوم، هم نبلاء من نوع مختلف. ليسوا نبلاء بفضل انتمائهم إلى نسب فلان أو فلان، ولا بفضل ارتداء الثوب أو العقد أو تسريحة الشعر أو الحصان أو السيارة الباهظة الثمن. إنهم هم من لا يقدرون بثمن!

إنهم نبلاء بفضل انتمائهم إلى قيم عظمى آمنوا بها ، فأضحت سببًا لعظمتهم. آمنوا بها عندما كفر بها الناس، وصدقوا بها عندما كذب الناس، وتمسكوا بها عندما تخلى عنها الناس، فأصبحوا يبدون كمن يسير ضد التيار في المجتمعات التي يعيشون فيها.

أضحوا كالقابضين على الجمر، وفي حين ينال المتساقطون على طريق الابتلاء ممن حولهم المناصب والامتيازات والمكانة، فإنهم يبقون ثابتين على إيمانهم بالله، وبالخير والحق والعدل والجمال والنبل الذي ألهمهم وعلمهم إياه.

يحلو للبعض أحيانـًا أن يصفهم بالمثالية، وقد يصفهم بالتشدد، وفي أحسن الأحوال قد يقول الآخرون لهم: أنتم من عصر صحابة رسول الله ولا تصلحون للعيش في هذا الزمان. أما من يقترب منهم فعلاً ويحبُهم فيشبههم بالملائكة!

في الحقيقة إنهم ليسوا ملائكة، هم بشر عاديون مثلنا لهم عيوبهم ونقائصهم البشرية، وهم يعيشون بيننا، منهم من كانوا قبلنا، ومن هم منا، وسيبقون إلى يوم الدين! لكنهم كانوا و ما زالوا مختلفين، أكثر رقيًا وإيمانـًا بأخلاقهم وعملهم.

 

 
– سأحدثكم عن سيدة نبيلة حقـًا وصدقـًا، لا يتعلق النبل بما ترتديه من ثياب من ماركة كذا أو علامة كذا، ولا بعقد تضعه في عنقها، أو خاتم في إصبعها! النبل أن تحمل في عنقك الأمانة وتدافع عنها، النبل ليس بماركة أو علامة ولكن أن تعرف أن سلوكك أنت سيكون علامة فارقة على مر الأجيال، فتكون قدوة وهاديًا ومنيرًا. النبل ليس بارتداء الأحجار الكريمة، بل أن تكون أنت كريمًا!
النبل ليس بسكنى قصور الدنيا، بل بالعمل لسكنى قصور الآخرة! وقد بشرها الله تعالى ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، تعبت في الدنيا، فعوضها الله تعالى في الآخرة.

منذ ألف وأربعمائة وخمسين عامًا، حين أرسل الله الملك لينزل بالوحي على سيد الخلق في الغار، ويهزه من كتفه ويقول له: اقرأ، ليعود إلى منزله مبهورًا، مذهولاً من شدة ما نزل عليه من الوحي ومفاجأته له.

هناك في المنزل السكن، كانت السيدة النبيلة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، تلك التي أنطقها الله فتكلمت بنبل مذهل، لتهدئ من روع النبي عليه الصلاة والسلام، وتطمئنه: (أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). إنها الطبيبة الحبيبة الفيلسوفة الكريمة العظيمة، آمنت به حين كذب الناس، وواسته بمالها حين حاصره الناس، وثبتته حين خذله أقرب الناس.

– سيقول بعضكم الآن هذا قد كان من زمان، وما كان كان! وسأقول لكم إن من تصفونهم بالمثالية أو الانفصال عن قيم الواقع المزرية، ليكونوا أكثر نبلاً ما زالوا هنا بينكم. اجتمعت صويحبات يومًا، وجلسن يتحدثن عما يطمحن إليه في أزواج المستقبل:
قالت واحدة منهن: لم يعد هناك شباب أو فتيات لم يخضن علاقات ما قبل الزواج، الشاب والفتاة الملتزمان فعلاً لم يعد لهما وجود . ولذلك فأنا لا مانع لدي من قبول أي شاب له ماض، ومن منا ليس لديه ماض!

أما الفتاة الثانية فقالت: أما أنا فأعتقد أنه وبرغم كثرة من خاض في العلاقات ما قبل الزواج من الشباب والفتيات، إلا أنه سيوجد شاب ملتزم بدينه وخلقه وحيائه وخوفه من الله، فكما تفضل الله علي وأعانني، وإنني أدعو الله عز وجل أن يرزقني زوجًا ملتزمًا يخاف الله تعالى، لم يعرف امرأة غيري، وأسأل الله أن يكون شابًا طموحًا ويعينني على استكمال دراستي في الغرب، لنسافر معًا وندرس ثم نعمل معًا. نظرت الفتيات إليها بتعجب! كل هذه المواصفات الصعبة وفي رجل واحد! فهي بنظرهن لم تكن على ذلك المقدار العظيم من الجمال، ولذلك أشفقن عليها وشعرن بأنها تبني قصورًا في الوهم ، ولكنها آمنت بالله، واتقته وعملت عملاً صالحًا، وتيقنت بوعد الله عز وجل.

 

 

 
بعد فترة قصيرة من الزمن التقت الفتاتان بما طلبتا! الأولى تزوجت رجلاً له ماض، وتحملت إرث ذلك الماضي المؤلم. أما الثانية فقد التقت بما طلبت تمامًا. وحقق الله لها كل ما أرادته، حتى إن كل من حولها ذهل وكأنهم استكثروا عليها زوجًا بكل تلك المواصفات الرائعة. طبعًا الكمال لله، ولكنها اتقت الله تعالى وصدقت الله، فصدقها الله، وها هي معه تعيش حياة طيبة كما أراد الله، وقد رزقهما الله صغيرًا جميلاً ، يحفظ من القرآن برغم إقامتهما في الغرب، أكثر مما يحفظ أبناء المسلمين في البلاد العربية. وقد وفق الله زوجين فنالا أعلى الدرجات في علمهما وعملهما.

 

 
هؤلاء هم من نبلاء هذا الزمان الذين لم ينقرضوا بعد!

– وكما في الحياة والحب نبلاء، فللثورة والحرب نبلاؤها أيضًا! مازال هناك من يرفض أن تتلطخ يداه بدم الأبرياء من المدنيين، ويرجو توبة عدوه وعودته حتى لا يضطر لمواجهته.

إنه الثائر الشريف الذي لا يسرق ولا يغدر ولا يعتدي ولا تمتد يده إلى مال حرام. ما زال هناك من الثوار من يرفض المناصب والكراسي والدرهم والدولار، وقد ترك لأصحاب الكراسي مناصبهم التي لا تساوي في عينه شيئًا، فهو لم يخرج ثائرًا طمعًا في منصب ولا مال، إنما خرج طالبًا للعدل، داعيًا لرفع الظلم.

نعم، هم قلة من المخلصين، لكن هؤلاء النبلاء ما زالوا هنا وهناك، منهم من بقي مرابطـًا مناضلاً برغم شدة العدو في الأذى المدمر لكل شيء، ثابتـًا في وجه تيار التبعية والفساد والاستبداد والدعشنة، ومنهم من ضاقت به السبل لكثرة ما ضيق عليه العدو الخارجي والتابع الداخلي من تجار الشعوب والثورات فحمل قيمه النبيلة وهاجر، باحثـًا عن أرض تسمح له أن يعيش بكرامة وعدل وفق ما يعتقد ويريد. وهو في كل أرض يحل بها يعمل بقيم الاستخلاف الصالح في الأرض فيدعو ويعمل ويعلم ويتعلم ويقرأ ويكتب ولا يتوقف عن نشر الخير أينما حل. وبينما ينشغل غيره بملاحقة الفتيات الجميلات واقعيًا أو افتراضيًا، ينشغل هو بالأخذ بيد نفسه ومن حوله لتقوى الله والدعوة إلى الخير الذي أهداه.

 

 
– هل سيكون طريقهم سهلاً؟

 

 

 
الجميع يعاني من الصعوبات في حياته، لكن طريق الجنة والكرامة محفوف بالمكاره. إنهم يجاهدون أنفسهم قبل كل شيء، ليكونوا أوفياء للقيم التي يؤمنون بها، فهم في جهاد أكبر طيلة حياتهم ليغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم وبمجتمعاتهم للأكمل والأجمل والأنقى والأتقى والأرقى. والتغيير دائمًا يواجه مقاومة، و كلفته باهظة جدًا، ولكن الأكثر كلفة على المدى الطويل هو أن يخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
لذلك هم يستمتعون بالتضحيات الدنيوية عن طيب نفس مسلمين، كثمن للمكسب الأكبر الذي يطمحون إليه، ولذلك لا يصمد على طريق النبل إلا كل عظيم نفس، عظيم التضحية، شديد الإصرار على التعلم والسعي والعمل الدؤوب، ولذلك يتساقط على طريق الاختبار كثيرون ولا يتبقى إلا القليل.

– فهل سينقرض النبلاء؟

لا، إنهم بيننا هنا، إنهم القابضون على الجمر، المسلمون لله الأمر، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة الخير والحق والعدل والنبل.

إنهم هنا موجودون، إنهم جند الله الغالبون المنصورون الباقون، المكافحون لإصلاح أنفسهم وإصلاح العالم من حولهم، إنهم بقايا الأمل الذي يحاول كل ظلام العالم أن يطفئه، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد