أمام شاشتي الصغيرة كنت أتابع أحداث ذلك الفيلم، وكأني أتابع أحداث نهاية العالم، أشاهده هو خاصة (عادل إمام) في فيلم «احترس من الخط» عندما قرر الانتحار من أجل جذب انتباه حبيبته نبيلة (لبلبة)، في تلك اللحظة روادتني عدة أسئلة: حقًا لو اختقينا فهل سيهتم أحد؟ هل سيسعي الجميع من أجل البحث عنا؟ هل سيأتي الشخص الذي يقلب الدنيا رأسًا على عقب من أجل البحث عنا؟ كبرت لأكتشف مفارقة غريبة هي: «عزيزي لا أحد يهتم»، فكل من نظنه سيلهث للبحث عنا، وأنه سيقلب الدنيا من أجلنا ليس موجودًا سوى في مخيلتنا.

تلك المفارقة اكتشفت خلالها أن ذلك الاهتمام الذي نوليه للبعض ليس سوى خسارة من روحك، ذاك التفكير الزائد لمراعاة شعور من تهتم لأمرهم سرعان ما ستدرك أنهم لا يفكرون بنفس الدرجة، فالكل يسعى لعلى همه فقط، وعلمت أن الجميع لا يولونك كل تلك الأهمية، عزيزي من تضعهم في أولوياتك أنت بالنسبة لهم في ذيل القائمة، هكذا هي الحياة وليس كما صورت مخيلتنا أن الحياة سوف تنعقد عند تلك اللحظة التي سنختفي فيها.

فلنترك الخيال وما سببه لنا من خيبات قليلًا، ودعوني أحدثكم عن صديقتي التي قررت الاعتزال والاكتفاء بعلاقات محدودة، سألتها مرة لماذا أقدمتي على هذا الأمر؟ سألت وفي ذهني خُيل لي أنها ستعبر أمامي عن مدى ندمها وأنها تتمنى أن تعاود الاتصال بالناس كما كانت، وبدأ عقلي استحضار كل تلك الكلمات اللطيفة التي سوف أساعدها بها من أجل العودة لمخالطة البشر.

إجابتها تمثلت فيما توصلت إليه فيما بعد، وهو أن الانعزال عن البشر هو الحل الأمثل، ليس الانعزال بالمعنى الذي يحوي ترك كل شيء والعيش بعيدًا، فهذا انقطاع، وليس انعزال، إنما يكمن الأمر في تقبل أنك معرض للهجر وللنسيان والتجاوز، ذاك الانعزال الذي يتيح لك قبول أن لا أحد يهتم حقًا سوى بنفسه.

علمت أيضًا أن تلك الصديقة هي من تحيا، وأن من يجب مساعدته لانتشاله من ذلك الضجيج هو أنا، نعم ذلك الضجيج الذي يحوي أسئلة خانقة تراود ذهني كل يوم عن: من سيهجرني بدون أي أسباب، ومن سيتركني في منتصف الطريق، ومخاوف تملأ قلبي من العيش وحيدًا.

قضيت الوقت أسال نفسي هل: ذلك الجهد الذي بذلته كفيل للحفاظ على من أحب؟ أم يجب بذل أكثر؟ كم يجب أن أعطي وأقدم وأتنازل من أجل بقائهم إلى جانبي؟

استغرقت في هذا الأسئلة ونسيت نفسي، نفسي التي لها حق عندي، وفقدته وأنا أبحث عمن اهتم ومن لم يهتم، أدركت مع الوقت أنه تم استهلاكي واستنزاف طاقتي ومشاعري.

البحث عن الذات

حتى جاءت تلك اللحظة التي تغير عندها كل شيء، اللحظة المليئة بالانكسار والخذلان، عندها لم أعد كما كنت، قررت ترك مخاوفي ورمي كل ما أفكر به خلف ظهري، وضعت حينها نقطة وبدأت من أول السطر، سطر كتبت فيها مرحلة جديدة جُل تركيزها ومحورها هو ذاتي ونفسي.

إن الواقع يُحتم علينا الاعتراف بأن الحياة مليئة بلحظات الانكسار والتخلي والهجر والوحدة، علينا ترك تلك المخاوف بعيدًا، ولنبحث في ذواتنا، علينا ملء تلك الهوة والفراغ بداخلنا، والذي يجعلنا دائمًا نبحث عن ذواتنا بالآخرين، الفراغ الذي يجعلنا نُسقط مخاوفنا عند أول من نقابله أملًا في الخلاص.

لنعلم أن اللحظة التي سنتعافى منها من تلك المخاوف سنقف بأنفسنا لمجابهة صعاب الحياة، تلك اللحظة التي سوف نكتشف بها ذواتنا، لنبحث عما يميزها، لنقم بسد ذلك الفراغ والعوز الذي يدفعنا نحو الآخرين، لنحيا بشعار مختلف عنوانه سأخالط الجميع وأكتفي بنفسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد