عيد الميلاد، حمل الهدايا للكثيرين، وحمل للبعض أضواءً، بينما هو مناسبة ليخرج آخرون بصحبة الأصدقاء ليأكلوا، وينفقوا ما تيسّر من مال بمناسبةٍ لا تأتي إلّا مرةً واحدة في السنة، ينتظرها كل اللبنانيين، لما تتضمنه من بهجة وفرح…وأمل. بالإضافة إلى كل هذا، يحمل الميلاد معه رسائل «مكثفة» على الهاتف الخلوي، أوراق هدايا ممزّقة، تذكر بأن اليوم «يوم عيد»…. بمعنى أن هذا اليوم، هو يوم عطلة رسمية. وتبدأ العطلة المنتظرة، وتبدأ معها «الرتوش» الأخيرة على التحضيرات، وتختلف التحضيرات باختلاف الطبقات في لبنان، ربما تكون مترفة للـ«هاي ستايل»، وربما تكون عادية، تقتصر على الطقوس الدينية وما تيسّر من تحضيرات «بيتية» كما هي الحال عند ذوي الدخل المتوسط أو العادي، وربما لا بل من المؤكد أن هذه التحضيرات تنعدم لدى الأكثرية… الفقيرة وتقتصر فقط على الصلوات والأدعية. بدأ وزير السياحة في   بالتحضير لعيد ميلاد لبنان منذ بضعة ايام فجال جولة على الفنادق وفريق عمله منغمس في تحضير مشروع الميلاد لهذا العام لجذب العدد الأكبر إلى لبنان من أوروبا. ممعنًا التفكير بشجرة ميلاد “جبيل” التي احترقت العام المنصرم، والتي حاولت بلدية جونية القيام بأجمل منها بالاعتماد على المهندس نفسه!

«نفرح منك»

مظاهر العيد، من ملبس ومأكل، هدايا، بهرجة، تحوّلت في لبنان، إلى أعراف اجتماعية، وعادة ما تتناقلها الأجيال. هي مناسبة يتذكر فيها الفقير، اليتيم، المظلوم، أن الحياة ظالمة لأن الغني يتذكره في هذه المناسبة، وكل الشاشات التلفزيونية تعرّض فقره «المادي» للتعنيف 24 / 24 ساعة ضمن برامج متخصصة في «رفع» نسب المشاهدين، تحت عناوين مختلفة تتنقل بين: «نحنا الشاشة «الفلانية»، (منطرشلك بيتك عالعيد). (منلبسك انت وولادك عالعيد)، منجبلك «مظاهر العيد» عالعيد». حتى بات العيد سلعة تجارية ورقمًا إعلانيًا ونسبة … مشاهدين. ومن مظاهر العيد أيضًا، اتصالات هاتفية، مفادها: «ينعاد عليك. نفرح منك» حيث لا تلبي اشتهاء الفرحة في نفس من قضمت الازمة المالية اللبنانية قوتهم اليومي، ولا حلم امرأة، يانعة، تحلم بالحرية، من قيود مجتمع يفرض وبالقوة، قيده الطائفي، الاجتماعي والسياسي عليها. ولا تخفف من وطأة الوجع عند المتألم في طفولته، ولا ولا ولا … وعلى الرغم من كل هذا، يتصل المتصل، ليرفع العتب عن كاهله، مبذرًا، ستة وثلاثين «سنتًا» (بعد ان خفض الوزير باسيل كلفة المخابرة) على عبارة «نفرح منك» التي لا تعني في الواقع شيئًا. وللتأكيد على هذه «البادرة العيدية»، يمكن للمتلقي أن يسأل: «كيف بدك ينعاد علييّ؟» فيرتبك، يبلع «ريقه» ويقول: «بالفرح والسلام».

أي برامج على العيد؟

هذا النوع من البرامج الاجتماعية ، ما عاد جذابًا كثيرًا للمشاهدين، على الرغم من أن بعض “زلمة ” السياسيين الناشطين الاجتماعيين تحت “فئة” ناشط ، رئيس، مدير، مؤسس جمعية المنتمي لفئة الـ “ماكرو” أي الفئة الحاكمة، يحكمون فئة الميكرو أي “اللي وضعن على قدن”. فيتهيأ للمشاهد كأنه رئيس الحزب، الطموح سياسًا يستخدم علاقاته الإعلامية، ليعرض ألم الناس الذي يسوق لنفسه بهم: على الشاشة التي له نفوذ بها! فيسرد كل علاقاته الاجتماعية وعضلاته. فيشمئز المشاهد!

الشاشة والمشاهد بحاجة لشيء آخر، لخصوصيات “فرح” المناطق المكشوف، فلكل منطقة أسلوبها في العيد، أكلها ، عاداتها، ونظرتها للعيد. أين الشق الإنساني من هذا. الشق الإنساني، في برامج إجتماعية تعالج بعمق الموضوعات الاجتماعية بتوقيت آخر، سياق آخر، بنظرة علمية أكثر من هدف الزعيم وجمعياته التسويق لنفسه. العالم والمشاهد بحاجة للمغني بحاجة لوائل كفوري، هضامة أليسا، وكل 10 دقائق فنان على العيد. بحاجة ليدخل إلى معامل النبيذ، إن لم يكن بمقدوره زيارة هذه المعامل، فعلى الأقل فليشاهد حفلة الـ“الشيز والواين” (الجبنة والنبيذ).

أي سلام؟

وفي بلد كلبنان، يكون فيه المواطن العادي مجرد رقم انتخابي، ورقم في المظاهرات، ورقم في «الضحايا»، يختلف معنى الفرح ويضيع معنى السلام. وفي الميلاد، لا بل في كل عيد، الكل يتمنى السلام. لان الميلاد، فكرة مجرّدة، أصبحت واقعًا، وفي بلد كلبنان لم يعد المجد في العلا، وارتبك السلام على الأرض، فعندما ولد السيد المسيح، المخلّص، واللاسياسي واللاطائفي، أتى في فترة سياسية حرجة في فلسطين، لينظّم أمور الشعب ويخلّصه من ذنوب ترفعه حرًّا إلى السماء، يومها اعتقد الفريسيون، الصدوقيون، والشيوخ من اليهود، أن المسيح الآتي هو رجل سياسي، آت لإنقاذ «شعب إسرائيل»، من الرومان. فكان طفلًا في المهد، مخلّصًا، ليس رجلًا سياسيًا «ديماغوجيًا». المخلص إذا هو طفل، يذكّر البشر، بإنسانيتهم وينصر الإنسان الذي فيهم، فقط لا غير. هذا هو العيد العيد إذًا هو تذكير بالإنسانية، تذكير أن وراء كل إنسان مقتدر، «أخوة» هم بحاجة فعلًا لهذا العيد، أو لبعضٍ من مظاهره.

العيد إذًا ليس أموالًا طائلة تنفق على أكبر شجرة، وليس جهودًا تُبذَل لإضاء شوارع بأكملها، ولا أبنية بطولها وعرضها، هو ليس مناسبة لزيادة «نسبة مشاهدين»، وليس فترة «تجن» فيها الاتصالات، وتثور ثائرة الـ«SMS».

هو ليس «بابا نويل» نائبًا أو وزيرًا فقط لالتقاط صور تذكراية مع أيتام أو معوقين. حتى لو أن هذه اللفتة مثيرة للاهتمام. العيد في لبنان يجب أن يكون دولةً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، بإلغاء الطائفية البغيضة، وموت الإقطاع لا اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي في الأحزاب لتأكل من مكناتهم الانتخابية. اتفقوا أو لم يتفقوا المسيح ولد! هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تتفق عليها الطوائف اللبنانية الـ18، بغض النظر إذا تناحرت يومًا في الحرب اللبنانية، أو لم “تنتحر”. ولادة المسيح هي الحقيقة المطلقة التي تحرّك في عقلنا اللاواعي، تساؤلات عديدة تكاد لا تنتهي: «هل نحن ما زلنا أطفالًا، أم كبرنا؟ هل سلبت الحرب الأهلية اللبنانية المجتمع الذي يحيا على التراب اللبناني طفولته بشكل جماعي؟ هل نحن جميعًا، إلى جانب فقداننا لانتمائنا الوطني، فاقدو الطفولة.. فننتظر هذه المناسبة لنلعب، في المطاعم، بين الشوارع، نعلق نجمةً، مع مغارة أو من دونها، نمزّق ورقة هدية، فقط للذة التمزيق، كطفل يمزق طفولة لم يعشها لأن «فلان» كان يطلق عبوة ناسفة على «علتان»… ننتظر لحظة اجتماع العائلة، لاطلاق العنان، لعواطف لا نطلقها في حياتنا اليومية.

عيد العجقة

أجمل ما في فترة الأعياد، أن المواطن اللبناني أصبح قادرًا على إيجاد تبرير، ولو آني، لزحمة السير. فإن تأخر في الوصول على “الدوام” إلى مكتبه يمكنه ان يعيد السبب إلى “عجقة العيد”. وإن تأخر على موعد مع إحدى الصديقات، يمكنه أن يعزو التأخير إلى “عجقة العيد”. وإن تأخّر في النهوض صباحًا، ونسي موعد دفن والد صديق عزيز، يمكنه أن يردّ السبب إلى عجقة العيد. إذًا، العيد ليس فقط مناسبة ليبذخ المرء بأمواله على الهدايا، أو مناسبة تقيم فيها البلديات نشاطاتها الميلادية، ولا فرصة لتتحرك الحركة الشرائية في الاسواق، بل هي إجابة منطقية عن سؤال “لماذا تأخرت؟”

يأتي الجواب: «تأخرت ثلاث ساعات، ككل مرة. ولكن السبب هذه المرة واقعي ويمكنني أن أقدمه كإجابة مقنعة، على خلاف العادة، ألا وهو: ”في عيد، هيدي عجقة عيد”.

كما يمكنك أن تكمل (حججك – سرد اسبابك) قائلًا: تأخرت لأنني تركت منزلي قرابة الساعة الواحدة من بعد الظهر، في جونيه. ركبت الباص، الذي يتوقف عند مفرق جامعة الكسليك المتوجه الى منطقة الدورة. هناك، انتظرت، تحت زخات المطر، نصف ساعة، كي يصل الباص ( الترام الممسوخ) المتجه نحو الحمرا، وهو تأخر اليوم كالعادة. فاضطررت إلى دفع ألفي ليرة إضافية إلى “سرفيس”، فاوض معي، لأدفع خمسة عوضًا عن الألفين. ولأنك على يقين بأنك إن لم تدفع الخمسة، فستدفع العشرة “مرتاحًا”، خصوصًا وإلى هذه اللحظة فلقد فاتك أصلًا موعد العمل، الذي يبدأ قرابة الساعة الثانية والنصف، وعقارب الساعة الآن “علقانة” على الثانية والربع. ربع ساعة لا تكفي للوصول من الدورة إلى الحمرا! والسبب ”عجقة العيد”… وفي لبنان، نحن يوميًا في حالة “عيد”…عيد العجقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

Lebanon, noel, tourism
عرض التعليقات
تحميل المزيد