مثل أساطير الحكايات القديمة وروايات الخيال العلمي يعود الديناصور المنقرض وأسطورة عالم الاتصالات شركة نوكيا إلى الساحة من جديد.
صحيح ليست عملاقة كما كانت ولا متربعة على عرش الكلمات العابرة لحواجز المكان كما ظلت لسنوات طوال، لكنها عادت من بوابة الماضي العريق حيث عبق الحنين إلى زمن نوكيا الجميل زمن نوكيا 3310.
الحكاية باختصار أن عملاق الاتصالات منذ ما يقرب من سبعة عشر عامًا لم يستشعر تغير الزمن السريع من حوله وظن أن مبيعاته المليونية وانتشار أجهزته في أصقاع الأرض سيكون شفيعًا له للاستمرار على القمة.
لكن دروس التاريخ غلابة وسنن الكون لا تحابي أحدًا والماء الساكن يأسن والديناصورات التي لا تطور نفسها تنقرض.
وقد كانت نوكيا أعلنت إفلاسها بعد أن غزت الهواتف الذكية أصقاع المعمورة عبر شركات كانت مغمورة فصارت مشهورة وتجمدت الدماء في شرايين العملاق الكبير فمات وانسحب من السوق.
لكن الدرس القاسي الذي أخذته الشركة الكبيرة جعلها تعيد حساباتها وهيكلتها وتضخ دماء شابة في جسدها العجوز وتنفض ركام الهزيمة والخذلان وتعود إلى الساحة من جديد.
ولأن أعوامًا مرت وشركات سبقت فكانت العودة الواقعية للعملاق الذي خلف الغرور الذي هزمه في الماضي وراءه وعاد ليقف متأخرًا في آخر الصفوف ولكن مع مداعبة جمهوره الأثير عبر جهاز تميز به وأحبه الناس لطول عمر بطاريته وسهولة استعماله وعملية استخدامه مع إحداث تطور بسيط يلائم بعض إمكانيات الحاضر المتطور كالكاميرا والدخول على الإنترنت وإن كان لا يرقى لمستوى الهواتف الذكية الحديثة المتطورة.

نعم لقد عادت نوكيا متأخرة في الزمن والتكنولوجيا عن من سبقوها لكنها فتشت في مكامن قوتها فقدمتها وبحثت عن ميزات تنافسية عندها في السعر والبطارية وقوة التحمل مع تسويق ذكي لتلك المميزات، فكانت النتيجة أن أقبل عليها  الجمهور الذي انصرف عنها منذ سنوات  وتبدل الهجر إلى شوق والبعاد إلى حنين والإفلاس إلى نجاح.

عادت نوكيا حاملة عشرات الدروس للشركات والحركات والكيانات لعل أبرزها أن الهزيمة ليست نهاية العالم وأن إرادة التغيير قادرة على قلب الماضي البائس إلى حاضر واعد ومستقبل مشرق.

لا يضر نوكيا أنها انهزمت مرة بسبب كبرياء مديريها وعجزهم عن استيعاب تطور الزمن ولا يعيبها أن تعود متأخرة في آخر الصفوف وراء شركات في عمر أحفادها.

لا يضر نوكيا أن تعود بإمكانيات أقل تناسب قدراتها الحالية مع تخطيطها لتطوير ذاتها وإمكانياتها بسرعة لتلحق بركاب من سبقوها.

لكن الضرر كل الضرر أن تتجمد الكيانات الكبرى وتترك أعضاءها فريسة للهزيمة ولا تسعى للملمة شعثها وشعثهم وتضميد جراحها وجراحهم  وإعادة ضبط البوصلة وشحذ الهمم للقيام من جديد.

لا عيب في الهزيمة والانكسار والسقوط والخطأ، لكن العيب كل العيب فيمن لا يستفيد من أخطاء الماضي وتسجنه أوهام الزعامة الراحلة ويقف متباهيًا بأمجاد زالت دون أن يعيد حساباته وينفض تراب هزيمته ويجدد دماء قيادته ويضع رؤى وإجراءات لعودته حتى ولو بنوكيا 3310.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد