لم يكن توماس إدورد لورنس سوى سائحٍ في صحراء نجد وتخومها، يجوس خلال الديار، ويتحسس سماع الأخبار، ويصنع الحبال تلو الحبال، كيما تقوم لهذه المنطقة حميتها ونزعتها القومية ضد العثمانية، وقد كان له ما أراد، إذ لم يكن سائحًا بل ضابط استخبارات بريطاني من الطراز الرفيع.

اليوم نرى الإمارات تفتح أذرعها للإسرائيليين، نسائهم ورجالهم، في خطوةٍ تمثل العار الكامل، بحجة السلام والتسامح والتعايش، وأمثال هذه المسميات الفارغة. دون النظر إلى أخلاقيات الطرف الآخر والأسس التي قام ويقوم عليها، حتى يكاد التسامح من طرف واحد أن يصير احتلالًا، لأنه لا معنى لهذا التسامح ودولة كالإمارات في الأرذلين سياسةً ووعيًا وتكنولوجيا. المال، والكبر، والغباء، كل ما تملك.

لا حاجة للمتبصر أن يدرك كنه ما أقول، فشخص ضحل مثل ضاحي خلفان – يعد الرجل الثاني في دبي- يمكن أن يحدثنا وبإسهاب مع الكثير من الدهشة الصادمة، حيال وعي القيادة، ومدى ذكائها وحنكتها.

ليست النوايا الطيبة من تصنع السلام، ولا التبعية للإمبريالية تفعل ذلك، عوضًا عن أن تضمنه، كما أن الرهان على الحماية من قبل الذين خانوا الله من قبل؛ خيانة للذات، وللأجيال المتعاقبة. التعامل بمنطق الحتميات في السياسة جريمة، والتجاسر في الباطل لن يجعل المتجاسر الرقم واحد في التطبيع العلني فحسب، وإنما في الاحتلال من قبل دولة إسرائيل نفسها، لأن الاعتداد غير المرتكز على القدرات الذاتية إسراف في الخطيئة.

تلك «البشتات» الذهبية التي تحكم ستزول قريبًا، فالموت بانتظارها، وكفى به كافيًا وعادلًا، ولكن ما ذنب الشعب المغلوب على أمره، الساكن إلى ملذاته، الذي لا يعرف في الغالب سوى أن الإسرائيليات سيدخلن دبي، وكذا أبوظبي، وبقية الإمارات، ويمكن ترقيمهن، والركوب عليهن! هذا ممكن في الحقيقة، ولكن الأكثر إمكانًا أن ذلك الركوب مجرد صورة مزورة؛ لصورة أصلية تخبرنا عنها الشهور والسنوات القادمة، وتبين لنا ماهية الركوب الحقيقي.

من القواعد البسيطة في الاستخبارات، حاذر أن تُخترَق، إذا أردت أن تخترِق. حاذر أن تكون مشاعًا لعدوك التاريخي، فالعبرة ليست في أن تتغير أنت، بل أن يتغير عدوك أولًا، وإذا مددت يدك للتسامح كن الأقوى، لأن تسامح الضعيف مهزلة كبرى تُضحِك جميع من على مسرح الحياة.

إن الصهيونية ليست اسمًا، ولكنها أفعال نراها ونلمسها، كذلك الإسلام، والسياسة الإماراتية أفعالها صهيونية نراها ونلمسها، بينما اسمها: العربية، وديانتها الإسلام.

إنه لنافع لمن يقدرون المبادئ، وليس بنافع للمبادئ أن يقدروها. لا يليق بدولة العقل أن تكون صورة في مرآة، ما لم تكن دولة هوى، وصندوق من الدراهم، بل دولة وهم، وكومة من رمل، وبراءة تامة من الوعي.

من أراد أن يرى الماضي، عليه أن يرى الحاضر، كما أن باستطاعته أن يرى المستقبل، فالمستقبل حديث، يؤدي إلى حدث، والتاريخ حدث أدى إلى حديث، والحاضر صراع بين الحدث والحديث.

لقد استحالت الرفاهية الواقعية إلى رفاهية خيال مقننة، عاطلة عن الخيال، تستهدف بقصدٍ أو بأمرٍ من هناك؛ جهات معينة، ودول معينة، وغايات معينة. من الممتاز أن يجري التطبيع نخوةً وكرامةً فقط؛ مع اليمن الجار، الذي يموت أطفاله جوعًا وحربًا ودمارًا. من الجميل أن يشبعوا الجائع، ويكسوا العاري، ويعالجوا المريض، ولابأس من منع اليمنيين دخول وطنهم الفلسطيني الجديد، أو الذي سيصير كذلك.

إن المجتمع الإماراتي مجتمع بسيط جدًّا، لا يصمد، ولن يفهم العواقب، حتى تبتلعه، ولذلك أسلس قيده لمغامرين، يعملون في تثبيت أركانهم بدك مجتمعهم البكر، وبالتالي دك كراسيهم وهدم أركانهم، ليبقى الإشكال المتجذر في حق الأجيال المتعاقبة، والإرث المهول المُلقى على عاتقهم شاهدًا على المأساة بعيونٍ دامعة. أما هذه الطغمة فلن يمهلها القدر أكثر مما أمهلها، ولن يسعفها العمر، كما لن يرحمها التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد