إن ما نسميه عرفًا التاريخ لا يتجاوز في المدى 5 آلاف سنة، 3 آلاف منها سابقة للميلاد، وما قبل ذلك ضباب كثيف من وجهة نظر المؤرخين الوثائقيين على الأقل، ويحدد سفر التكوين بالعهد القديم عمر الأرض من لدن خلق سيدنا آدم عليه السلام إلى آخر الدهر بـ6 آلاف سنة، وانتقل ذلك إلى تراثنا الإسلامي عن طريق الاعتماد على الإسرائيليات، وهي مدونات اليهود التاريخية والدينية، ونعرف تمامًا مدى التحريف والتبديل الذي طرأ على التوراة، فما بالك بمرويات التاريخ اليهودية التي حرفت كثيرًا خدمة لأسباب سياسية وأيديولوجية واضحة، وقد أفاض الطبري في تفسيره حول تفسير قصة خلق آدم والتدليل عليه من خلال هذه المرويات وغيرها من التفاسير، التي فسرت بعض آيات القرآن الكريم بطريقة ضيقة في ما يخص نزول سيدنا آدم، وعمر الأرض؛ وذلك لأن بعض المفسرين للآيات القرآنية تبحروا في شرح قواعد اللغة العربية وإعراب الآيات، قبل أن يفهموا ويدركوا المعاني وأبعاد الآية القرآنية، وبما أن إدراك المفسرين والرواة العلمية كانت لا تتجاوز حفظ القرآن، وقراءة الأحاديث، والإسرائيليات والمراجع المسيحية، فلم يتمكنوا من استيعاب الآيات القرآنية وفهمها، ففسروا الآيات وفقًا لفهمهم المحدود للعلوم، والتأريخ، والجغرافية.
وبغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها؛ فإنه مما لا شك فيه أن طول مدة الحقبة التاريخية كلها متناهية القصر بالنسبة إلى مئات الألوف من السنين، التي استغرقتها أزمان ما قبل التاريخ، وحياة البشر قبل بدء التاريخ، تعد وجيزة أيضًا إذا ما قورنت بعمر الحياة العضوية، التي دامت نصف مليار سنة قبل خلق الإنسان، ولسنا نعرف شيئًا محققًا عن طفولة الإنسان الأولي، هل درج في عش واحد ثم انساح أنساله في طول الدنيا وعرضها، أم كان لكل بقعة من الأرض آدمها الخاص، العلماء يميلون مع أبي العلاء المعري حين قال: «جائز أن يكون آدم هذا قبله آدم على إثر آدم »، والعلماء يميلون أيضًا إلى الظن بأن نشأة البشر متعددة لا متوحدة، وقد جزم المعري في بيت شعري بالتعدد فقال:
وما آدم في مذهب العقل واحد .. ولكنه عند القياس أوادم
لكن لا بد من الوقوف على الآية الكريمة «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» البقرة الآية 30
فمن خلال التدبر والتأمل في هذه الآية الكريمة يمكن الوصول إلى فرضية أن الإنسان كان موجودًا قبل آدم – عليه السلام- ولكنه لم يكن عاقلاً، أي لم يتحضر (من الحضارة)؛ أي الملائكة كانت تعرف نوع الخليفة في الأرض ومواصفاته، وهذا أقرب للمنطق والعقل، وهي متطابقة تمامًا مع الدراسات الأركيولوجية والأنثروبولوجية الحديثة.
ولا يهمنا في هذا المقال الخوض في صحة جدلية المزاعم أو بطلانها، وإنما يعنينا الوقوف على أحوال الأجداد؛ لنزن ما أبقوا للأحفاد، عظيمات وبضع جماجم، وفؤوس وبضع صحاف في كهوف غشاها الردم أو قوضها الانجراف، هل يكفي هذا للحكم على أجيال وأجيال لها عقل وروح؟
الواقع أن اللاتاريخيين قد تركوا أكثر من هذا، فلا شك أن أكثرهم عاش من الالتقاط، القطف، والصيد، والاقتناص، ولكن كثيرًا منهم عرفوا الرعي والزراعة المنظمة، وأقاموا القرى وشيدوا المنازل الثابتة؛ فكانت بداية بذرة نشوء حضارات.
وبقليل من التبصر والتأمل نجد أن الحياة قبل بدء التاريخ مذهلة الغنى بالعبر والمفاهيم، منها:
  • أن الإنسان منذ وجد شعر بالشبه بينه وبين مثيله الإنسان، وبالفروق الضخمة والكبيرة التي تميزهما عن الحيوان، فكانت هناك معيشة متضامنة بين جماعات الناس ضد طوائف الحيوان وعناصر البيئة والطبيعة، هذه الحقيقة التي آمن بها الإنسان الأول، هي التفسير العقلي لما ورد في العهد القديم، وعن قصة الخليفة في القرآن الكريم.
  • مهما تعمقنا في أغوار ما قبل التاريخ نجد فروقًا ظاهرة في السلالات، غير أنه منذ ذلك الزمن السحيق تفاعلت السلالات، وانتشرت التصالبات بالنماذج والهجرات، فما كاد يطل وجه التاريخ حتى تكون قصة العرق الخالص أسطورة لا وجود لها في الواقع، إلا كحالات نموذجية محددة لظروف جغرافية، وهكذا تكون أدوار ما قبل التاريخ قد حررت الإنسان من تركيز العيش المشترك على الخصائص البيولوجية الواحدة.
  • حررته أيضًا بعض الشيء من عبودية المحيط، من خلال تشغيل آلة عقله بالدوران؛ فاستخدم الخشب، وصقل الحجر، وأذاب المعادن، وغالب الطبيعة، وبدأ ينفلت من قهرها وقيدها.

الفن في خدمة الدين ما قبل التاريخ

إننا لا نعدم حجة الحدس بأن التدين على شكل ما عريق في جينات الإنسان، وإلا فلمن أهدى إنسان الكهوف تلك الصور الفنية الخلابة الرائعة، التي بقيت منقوشة على الجدران إلى يومنا هذا، فالفن في خدمة الدين كان شعار الإنسانية الأول، وظل شعارها حتى بدء العصور الحاضرة، فمن خلال قياس الأحوال العابرة لإنسان ما قبل التاريخ بما يماثلها من الأحوال والمشاهدة، من شأنه الوصول إلى اجتلاء الماضي، والجماعات المتخلفة اليوم شأنها شأن المجتمعات الراقية، تنتظمها مقدسات ومحرمات وتصورات غيبية، توجه السلوك الجماعي وتفرض قانونها على الأفراد، وسواء عبد الناس الشجر، أم الحجر، أم البحر، أم الشمس، أم القمر، فإن النبع واحد، هو الشعور بالضعف المتمثل في القوى الكونية، وعجز عن تفهم الذات المعقدة بإرجاعها إلى القوى البارئة القديرة، وانصهار الأفراد في خشوع جماعي يولد المشاعر والمصائر، ويستدر الخيرات، ويدرأ المكاره.
وقد لاحظ الفيلسوف والمفكر الفرنسي الراحل هنري برغسون صاحب كتاب التطور الخلاق L’évolution Créatrice، تلازم الديانة مع المجتمعات جميعها دون استثناء، وتساءل كيف يطرد ذلك مع نمو العقل البشري؟ وهو يجيب أن الديانة هي ضرورة حيوية، بل هي ملازمة للحياة نفسها، إنها جزء من النزوع الحيوي، ذلك أن الحيوان ينقاد اجتماعيًّا بغريزته وحدها، أما الإنسان فينقاد بعقله، وتخشى الحياة أن ينحرف العقل إلى النوازع الفردية فيعطل المجتمع، أو يعوق مسيرته، ولذلك كانت الديانة رادعة للعقل، رادة له إلى المسلك الاجتماعي.
هذه الديانة الساكنة طبيعة مركبة في النفس، تؤدي وظيفة اجتماعية، وقد خلقت حين خلق العقل، ولا بد أن تلازمه دائمًا.
ويقول برغسون أيضًا: «إن الانسان قد يشك في كل شيء إلا الموت، وحين يضع الموت المؤكد نصب عينيه قد تفتر فيه دفقة الحياة، وتخور عنده عزيمة البقاء، ووظيفة الديانة أن تسمو به إلى آفاق خلابة حافزة، آفاق الحياة الثانية».
إذن فلا شك أن الإنسان حيوان متدين، لذا فإن الوظيفة التقديسية عنده وظيفة أزلية، والتجربة الإنسانية السابقة للتاريخ كانت حتمًا متدينة قبل كل شيء، متدينة بأي شيء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد