عندما أقرأ مقالة أجنبية، أو أُشاهد أحد المقاطع المترجمة عن خبرات الحياة، وما يُسبب السعادة، وما يُعطي معنى للحياة، وتلك الأمور المعنوية التي يسعى إليها البشر في كل مكان. وعلى الرغم من الفائدة الكبرى، التي تكون في كثير من تلك المواد، التي أفادت أصحابها، وجمهور المتلقين؛ أشعر بأسى، وغصة بالصدر؛ لأن هؤلاء القوم لم يجدوا من يدلهم على الطريق، ويأخذ بأيديهم إلى الحياة الحقيقية، التي يأملون في الوصول إليها.

يبحث غيرنا عن السعادة، وعن معنى الحياة، وعما يجعل لحياتهم قيمة وهدفًا، وقد يصلون، وقد لا يحصلون إلا على سراب لامع؛ بينما في أيدينا رسالة واضحة تُعرّفهم الطريق، وقد قاموا هم بواجبهم، وقد يكون هذا البحث، وذلك التجوال هو ما أعطى لحياتهم القيمة التي أرادوها، لكن المؤلم حقًا أن معرفتهم منقوصة، ونتائجهم على الرغم من صدقها ليست وافية.

ذلك أن قُصارى ما يتوصلون إليه؛ هو دليل لحياة طيبة جيدة في المجمل، خلال معيشتهم على تلك الأرض، ولكنهم غافلون، لا يبصرون ما وراء ذلك.

وإن مما يجلب الأسى، أن وصل ذلك الداء إلى ديارنا، فصار بعض المسلمين يظنون أن حياة الغرب الذي لا يعترف بالله ربًا؛ هي الحياة، وهي ما يجب أن يسعى إليه الإنسان، اغترارًا بما لديهم من علم دنيوي ظاهر، وما تعارفوا عليه من حقوق في معاملة بعضهم البعض، لكن ذلك العلم الذي يغفل عن حقيقة هذه الحياة؛ هو علم منقوص، لا يوصل لغاية، ولا يحقق اطمئنانًا للنفس، الباحثة عن معنى وقيمة.

وقد مَنَّ الله على الإنسان بوسائل التعلم؛ التي قد يتوصل من خلالها إلى حقائق عديدة، عبر البحث، والسير، والتفكر، واستخدام الحواس، والعقل، مثل معرفة أن للكون خالقًا، وأن للحياة غاية، والتوصل إلى ما يحتاج إليه الإنسان؛ ليستقيم عيشه على هذه الأرض، لكنه لن يتوصل بأي أداة من تلك الأدوات، ولا بالبحث، والنظر إلى الغيب المخفيّ عنه، لن يعرف مصيره بعد تلك الحياة، وما هي تلك الغاية التي يدرك بعقله أنها موجودة.

لن يتوصل إلى مطلوب الخالق منه، والمنهج، وخطة السير العامة، التي يريد منه أن يحتذيها؛ ليصل إلى حياة خالدة سعيدة، كما يحب ويشتهي.

حتى ذلك العلم الظاهري المنقوص لا يقبل عليه الجميع، فهناك كثيرون غافلون، لا يعنيهم الحصول عليه، إذ غاية بحثهم تدبير وسائل عيشهم، والتمتع ببعض متع الدنيا، ولا يفكرون في معنى، ولا قيمة غير ما وجدوا عليه أسلافهم، ودرجوا عليه.

لذلك طلب الله منا البلاغ؛ وقضى رسولنا الكريم، سنوات النبوة يدعو ويُبلِّغ؛ ولذلك انطلق صحابته إلى البلدان في مشارق الأرض، ومغاربها، يُبلِّغون، ويقدمون الأسوة، والدليل.

ولذلك نجد الكثير ممن هداهم الله إلى الحق، ونوّر بصيرتهم بالإسلام في بلاد الغرب، ينشط لتعلم الدين، وتعلم لُغته؛ ليصبح بعد سنوات قليلة داعيًا ومبلغًا عن ربه؛ لأنه قد عاش بنفسه قصة ضياع الهدف، وانتفاء المعنى، ويدرك مقدار حاجة قومه إلى مثل هذا البلاغ، الذي يقدم الإجابة، في صورة واضحة نقية، لا تحتمل لبسًا أو غموضًا.

وقد رأينا فى قصص العائدين إلى الله، من أسلم وجهه لله، بمجرد البلاغ؛ لأنه كان مؤمنًا بفطرته، أو بتأمله، وما كان ينقصه إلا كلمة تدله على الوجهة، أين تقع بالضبط، فإذا عرفها لم يتوان ولم يتردد.

وقد كان الأوْلى أن نكون صورة الأمة، ولما يريد الله من خلقه، تتطلع إليها أمم الأرض؛ فتعرف أن هذا هو الطريق، فيتبعه من أراد، ويتولى عنه من شاء.

أما والحال غير ذلك، فما بقى لنا إلا أن نسعى باعتبارنا أفرادًا إلى البلاغ، بما أوتينا من مواهب، وقدرات، وبما يتوافر لدينا الآن من وسائل، وأدوات؛ جعلت المستحيل ممكنًا والبعيد قريبًا، وقبل ذلك أن نُصلح نحن؛ ليعرف من يرانا أننا نتبع دليلًا مُبصرًا، يهدينا إلى سواء الصراط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد