بعد مرور تسع سنوات على انطلاق ثورات الربيع العربي، التي طالها الغدر والانتكاس بسبب ثورات الضدّ والانقلاب عليها، نشهد في هذه الأيام ربيعًا جديدًا يمضي رغمًا عن أنف الطغاة، ربيع سائر دون يأسٍ وخوف، إلى أن وصل الأرض السّمراء المعروفة بغنى أرضها من ثروات طبيعية ومعدنية، إنّها أرض السودان الجزء الأفريقي، الذي ذاق الويلات عبر مراحل التاريخ، وما يزال إلى وقتنا يُكابد ويكافح، السودان الصابر الذي تأقلمت روحه على الصبر والمصابرة، لم ينكسر يومًا، ظل مقاومًا رافضًا السّياسات الفاسدة المتبعة في حقّه، لم يرض بسياسات التهميش والإقصاء، ولا الإجرام بحقّ كلِّ فردٍ صاح وَضَجر ولم يجد أمامه أبسط المتاح، والأشدُّ كان التّضييق عليه بلقمة عيشه، بأن سَلبوه خُبْزه برفع أسعارهِ، والخبز أساس الحياة والمادة الأوّليّة في الغذاء، هنا لا يظن القارئ أننا نقلل من شأن السودان -بذكرنا الخُبزَ- لكن ما شهده السودان مؤخرًا يستدعي ألّا نبخس ما حدث ونذكر التفاصيل، إذ نهض أبناؤه بتاريخ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، بمظاهرات شعبيّة شملت الأقاليم والمدن، ومن اليوم الأوّل نادت بإسقاط النظام، وليست المرة الأولى التي ينتفض فيها السودان بمظاهرات حاشدة ومتوزعة على كلّ الشمال (شمال السودان) بالإضافة إلى جنوبها الذي كان شريكًا في مطالب الحرية فيما مضى -أي- قبل انفصاله.

عمر البشير المتّهم بقضايا الإبادة الجماعية بحقّ الدارفوريين، يصل إلى دمشق زائرًا ليقابل رأس النظام المجرم بشار الأسد، تلك الزيارة المُستفزة للشعب السوري جاءت قبل أيام من انطلاقة ثورة السودان التي وصلت العاصمة (الخرطوم)، زيارة البشير لدمشق لم تكن زيارةً اعتباطية، بل الغايات من ورائها كبيرة ومتفقٌ عليها، فمن خلالها سَتَفتح الأنظمة العربية أحضانها للنظام المجرم، ليدخل مرحلة جديدة في التّأهيل والانخراط في جامعة الدول العربية بعد غياب ست سنوات تقريبًا على عزلة النظام السوري، وبالعودة إلى مظاهرات الشعب السوداني التي جُوبِهت بالعنف من قِبل أجهزة الأمن السودانية، وذلك بضرب النار واستخدام الغاز المسيل للدموع، فسقط العديد من المدنيين بين جريح وقتيل،  كما اعتُقل الصحفيون والناشطون، وعلاوة على ذلك ذكرت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية (أن منظمة «ذا فاغنر» الروسية شاركت مع قوات الأمن السودانية في قمع الاحتجاجات) وبهذا اشترك البشير مع الأسد في استجلابه المرتزقة الروس وكما يقال الحبل على الجرار! كل ما جرى وما سيجري على أرض السودان لن ينتهي بسهولة، طالما الشعب طالب ويطالب بالحرية والانعتاق من حكومة الظلم والفساد، وللحديث أكثر عن الموضوع، لا بدّ من المرور على شيء من التاريخ:

جاء الرئيس عمر حسن البشير إلى السلطة في انقلاب عام 1989 بمشاركة الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الشيخ حسن الترابي، ومنذ ذلك الحين وهو يحكم أكبر بلدان أفريقيا من حيث المساحة، وقبيل وصوله إلى السلطة كان قائدًا من قادة الجيش ومسؤولًا عن قيادة العمليات في الجنوب ضدّ رئيس الحركة الشعبية في جنوب السودان «جون جارانج».

كما ويذكر الكاتب «فتحي الضّو» في كتابه «بيت العنكبوت» أنّ «جهاز الأمن الشعبي» هو جهاز السلطة الحاكمة في السودان و(ليس الوحيد) لكنه الأبطش، استطاع الكاتب بمساعدة مصادره اختراق ذلك الجهاز لمعرفة أسرار وخطايا وخفايا السلطة الحاكمة، يقول:

«لجهاز الأمن الشعبي ثلاثة عشر دائرة، في داخلها إدارات فرعيّة، علمنا أسماءها، وأسماء مديريها، هذه الدوائر وضعت أرقامها بتقسيم فردي لا إداري، وذلك إمعانًا في التّمويه، ومنه عرفنا أسوأ خطايا العصبة الحاكمة، وهي جرائم القتل التي اقترفت بدمٍ بارد، وجرائم أخرى أزحنا الستار عنها في زحمة الحياة، ولم يعلم بها سوى القليل، بل لم يذكرهم أحد سوى أهاليهم، وفي السياق ذاته نحن على يقين أنّ هناك ضحايا آخرين لم نستطع الوصول إليهم». فالأحداث والوقائع الموثّقة كثيرةٌ في كتاب الضّو .

أمّا عن معرفة مصير السودان يتبادر إلى أذهاننا سؤال: هل سينجح البشير في قمع هذه الجولة الثورية كسابقاتها وخصوصًا بعد الاستعانة بالمرتزقة الروس أم سيكسره الشعب وتستمر الثورة؟

إنّ ملف السودان سيبقى مفتوحًا وحاملًا لقضية ثورته التي ستبلغ بعدالتها عنان السماء كما سبقتها القضية السورية في ذلك، ونحن على موعدٍ مع سلسلة ثورات ستتفرع عن أمها الأولى التي أخذت قسطًا من الراحة لتدع مجالًا يكبر فيه أولادها ويكتسبون علمًا بأصولها أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد