في تواريخ الشعوب وسيرة الدول، هناك أيام فاصلة بين زمانين وأحداث تشطر حركة التاريخ إلى نصفين؛ ما قبل الحدث وما بعده. قد تكون الأحداث سياسية كالحروب العالمية، قد تكون أفكارًا دينية كظهور الأديان وبعث الرسل، قد تكون فكرة علمية أو بحثًا معرفيًّا أو نظرية فلسفية، قد تكون ثورات كثورة يناير المصرية – رد الله غيبتها من الانتهازيين – وقد تكون تلك الأيام سنوات طويلة ليست يومًا بالمعنى الحرفي له؛ كهيروشيما التي أثَّرت على اليابان أكثر من أربعين عامًا ليحتفلوا بعدها بأول زهرة نبتت على الأرض بعد خرابها، وقد تكون يومًا فعليًا كفتح مكة ويوم كربلاء.

 

في الأول من محرم، وبالتحديد اليوم العاشر منه لسنة واحد وستين من الهجرة النبوية، دُفع الحسين إلى ملاقاة الدولة الأموية بكامل قوتها وعدتها، لرفضه التنازل أو المداهنة لمبايعة «يزيد ين معاوية» بالخلافة والتي ورَّثها له أبوه «معاوية بن أبي سفيان» بعد أربعين عامًا قضاها في السُلطة (نصفها أميرًا والنصف الثاني ملكًا)(1)، كان يزيد يُلقب بـ«يزيد الفاجر» لتهتكه وفضائحه وسفاهته التي جعلته يموت في سن 37 من كثرة إفراطه في شرب الخمر، أو في بعض التسميات والألقاب «يزيد القرود» لولعه بالقرود، ويصفه الكاتب خالد محمد خالد بأنه «لا يملك ذرة من الصلاحية التي تؤهله لأن يجلس من الأمة المسلمة حيث كان من قبل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي»(2)، ويعود ليؤكد بأن «معاوية أخذ البيعة ليزيد حرصًا على عدم نشوب الخلاف والصراع من جديد بين المسلمين وإنه لتبرير يدينه أكثر مما يشفع له… »(3).

 

وبرغم كل الفضائح والآفات والفساد التي كان عليها يزيد فقد صار خليفة المسلمين، ولأن الطيور على أشكالها تقع، فقد وقع يزيد على ولاة فاسدين لا يهمهم إلا أن يرضوه والمنصب الذي صاروا له عابدين ومنهم «عبيد الله بن زيادة» والي البصرة الذي رُمي به أهل الكوفة فصار واليًا للمدينتين في وقتٍ واحد؛ ليأتي بعد «النعمان بن بشير» والذي رفض قتل الحسين ولا أن ياخذ أحدًا بالظن(4) – شمر بن ذي الجوشن (أفعى الدولة الأموية والذي سيقوم بذبح الحسين)، يصفه العقاد بقوله «كان يتخذ الدين حجة للحقد ثم ينسى الدين والحقد في حضرة المال»(5) – عمر بن سعد بن الوقاص (الفتى الذي نسي أن والده – الصحابي الجليل – أول من رمى بسهمٍ في الإسلام وباع نفسه ومبادئه وتاريخ والده للظالم مقابل أن يكون واليًا على مدينة الري)(6).

 

كان الحسين برفضه مبايعة يزيد رفقة ثلاثة آخرين هم «الشوكة» التي تنغص على يزيد مكانته مع أنه لو ظل ملكًا وخليفة بعدما بايعت كل الأمصار دون الحسين ورفقائه ما حدث شيء للدولة الأموية، إلا أنه الجشع السلطوي حينما يستولي على النفس البشرية، وكان الحسين حينها يمثل الدولة الإسلامية بنقاء بدايتها والعراقة العربية المتمثلة في البيت الهاشمي، وكان يزيد يمثل الفتنة الأموية بالسُلطة وبالمال وبالنفوذ، كان مطلوبًا من الحسين أن يقول كلمة واحدة ليستريح مُلك يزيد ويهنأ بكرسي العرش، وكانت الدولة الأموية تستهين بتلك الكلمة وبقولها والتي حاول الأستاذ/ عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الممتعة (الحسين ثائرًا) أن يوضح قيمة الكلمة وما تفعله إذا ما قيلت «فالإيمان بكلمة والكفر بكلمة والشرف كلمة والحق كلمة… »(7) – مساكين والله – لا يعلمون أن الحسين يمثل القيم الإنسانية العظيمة مجتمعة في شخصه ففي عروقه كانت تجري الرسالة المحمدية التي لا تعرف الكذب والنفاق ومحاباة السلاطين رسالة كانت تطبق الحديث «من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده… ».

 

الغريب في الأمر أن معاوية بذكائه ودهائه الشديدين قد توقع ما ستصير إليه الأمور فحذر ابنه يزيد من أن هناك أربعة سيقفون في طريقه فقال له «إني لا أخاف عليك سوى أربعة رجال الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير؛ فأما الحسين فإن أهل العراق لن يتركوه حتى يخرجوه إليهم، فإن فعلت فظفرت به فاصفح عنه…»(8)، والأغرب من تحذير معاوية لابنه يزيد ونصيحته بأن يصفح عن الحسين إذا ما أحاط به، إلا أننا نجد يزيد مخمورًا بالكرسي ونشوانَ بالسلطة التي ما كان يحلم بها ليرسل رسالة إلى واليه على المدينة – ابن عمه – الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يقول فيها: «أما بعد؛ فخذ حسينًا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر بالبيعة أخذًا شديدًا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام»(9).

 

وفي عز جبروت الدولة الأموية كان الحسين يسأل نفسه عن أمر الدين وما صار إليه، ومن يقود الأمة الإسلامية، ومن يجلس مكان أبي بكر وعمر وأبيه عليّ؛ كانت الإجابة هو شخص فاسد يساعده مجموعة من الأفاقين، وما البديل إلا تطبيق قواعد الدين حيث قال جده المُصطفى «كلمة حق عند سلطان جائر هي أفضل الجهاد»، إلا أنه ما كان ينوي قتالًا أو حربًا بل دُفع له دفعًا ذلك لأن «كل حوافز الثورة على هذا الضلال كانت كامنة في وعيه ووجدانه، وكانت وليدة إداركه السديد لحق الدين عليه واستعداده للتضحية في سبيله… »(10).

 

تدور الأيام ويخرج الحسين لأهل الكوفة بعد عدة ترتيبات باءت بالفشل وبالغدر وبالخيانة من أهل الكوفة وانسحابهم بعد دعوتهم إليه بأن يقدم لهم، وعلى الرغم من كل التحذيرات التي حذروها للحسين سواء كانت من «عبد الله بن عباس» والذي نصحه بأن «يصبر حتى يقوموا بعزل أميرهم فإن فعلوا فليَسِرْ إليهم وإن لم يفعلوا فهي فتنة يدعونه إليها ذلك أنهم لا عهد لهم»(11)، وأيضًا «الفرزدق» الذي قال له إن «قلوب أهل العراق معك وسيوفهم عليك»، تحذيرات كثيرة ما كان يسمع لها الحسين، لأن الثائر يحمل روح النبوة ما كان له أن يخاف أو يرجع إذا ما عزم على أمره، وسيق الحسين إلى كربلاء ليواجه الدولة الأموية التي أخرجت له أكثر من أربعة آلاف فارس كأنهم يفتحون بلدًا، وهو ومعه أهل بيته كان لا يتعدون سبعين شخصًا بعضهم نساء كأخته زينب، وشهد الحسين أهل بيته واحدًا واحدًا يسقطون أمام عينه، وكان آخرهم قتلًا بعدما نحر كما تنحر الإبل ودهست الخيول جسده بمعاونة شمر بن ذي الجوشن الذي نفذ كلام «ابن زياد» حرفيًا حتى لا يفشي أحد سره بأنه تهاون مع الحسين، فلعنة الله على الظالمين الذين نسوا ضمائرهم ليرضوا مناصبهم وولاة أمرهم.

 

وفي النهاية:-

يقف الحسين داخل مثلث أضلاعه الجانبان السنة والشيعة ويحمله الضلع الثالث التصوف، يتفق الجميع مع الحسين والكل يُحبه ولهم مبرراتهم، أهل السنة والجماعة يحبونه لأنه من أهل البيت وسليل النور المحمدي والضوء الفاطمي، أما الشيعة فيحبونه محبةً لأبيه عليَّ، وأهل الطريق (الصوفية) يحبونه لاعتباره أهم قطبٍ أو وليّ، وعلى الرغم من ذلك فإن محبة الحسين المفرطة تقود إلى الاتهام بإحدى التهمتين إما أنك شيعي ملعون أو صوفي مبتدع، مع إن الهوة متسعة للغاية بين التشيع والتصوف وإن حاول أحدهم التقريب بينهما، ولم ينسَ التاريخ أن الحسين جمَّع أهل الأرض حوله حيًا واتفقت عليه الطوائف الكبرى في الإسلام حتى بعد رحيله ذلك (إن الحق حق في نفسه لا لقول الناس له، كما يقول ابن النفيس).

 

سيظل الحسين بابًا مُشرعًا لكل القيم والمُثل النبيلة تحاول البشرية أن تسير على هداه من بعده.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- خالد محمد خالد (أبناء الرسول في كربلاء) صـ 74.
2- المصدر السابق صـ 35.
3- المصدر السابق صـ 76.
4- عباس محمود العقاد (الحسين أبو الشهداء) صـ 73.
5- المصدر السابق صـ 64.
6- المصدر السابق صـ (81 – 82).
7- عبد الرحمن الشرقاوي (الحسين ثائرًا) صـ 43 «بتصريف بسيط».
8- خالد محمد خالد (أبناء الرسول في كربلاء) صـ 77.
9- المصدر السابق صـ 78.
10- المصدر السابق صـ 84.
11- المصدر السابق صـ 100.
عرض التعليقات
تحميل المزيد