في ظل الظروف الطبيعية؛ فإن الأغشية المخاطية المهبلية تكون غنية بأنواع مختلفة من البكتريا، يمكن تقسيم هذه البكتريا لنوعين؛ الأول يسمى صديق المهبل أو البكتريا المقيمة Residental والنوع الثاني يدعى البكتريا المؤقتة كما يعرف كذلك بالعوامل الممرضة الانتهازية. البكتريا المقيمة والمعروفة كذلك بالفلورا الطبيعية تتواجد في المهبل وبينهما علاقة تبادل منفعة، وفي حال فقدها فإنها تعاود التواجد مرة أخرى. البكتريا المؤقتة ربما تحتل المهبل لفترة ليست بالطويلة، ويتوقف إجلاء البكتريا المؤقتة عن البيئة المهبلية على قوة وفعالية البكتريا المقيمة وجهاز مناعة الجسم. في حالة تخاذل البكتريا المقيمة في طرد البكتريا المؤقتة؛ فإن مشاكل ومضاعفات طبية خطيرة قد تظهر على الساحة وقد تؤدي للعقم في نهاية المطاف.

إذًا يتعين علينا تشجيع البكتريا المقيمة على أداء عملها على الوجه الأكمل، ولكن هل نعلم كيف نساعدها على ذلك؟ لن نساعد البكتريا الصديقة للمهبل على النمو من خلال الكلمات الإيجابية والإطراء عليها، وإنما يمكننا ذلك بفهم كيف تعمل أولًا، وما العوامل التي تقلل من سيطرتها في بيئة المهبل ثانيًا، ثم يأتي دورنا بعد ذلك ممثلًا في إمدادها بما يساعدها على العمل. وفي هذا المقال نحن على موعد مع هذه الرحلة التي تهم كل سيدة على وجه الأرض.

بدايةً تعمل البكتريا المقيمة على حفظ الأمن والسلامة داخل البيئة المهبلية Vaginal Ecosystem من خلال تزويد البيئة المهبلية بالأحماض التي تحول دون نمو البكتريا المؤقتة والعوامل الممرضة الأخرى. ولا تستطيع العوامل المؤذية لبيئة المهبل الوصول إليه إلا عند حدوث خلل في نمو وتكاثر البكتريا المقيمة أو عند ضعف إنتاج الحمض. الحمض الذي تنتجه البكتريا المقيمة يؤدي دور المادة المطهرة والمعقِّمة في بيئة المهبل. هنا قد يبرز السؤال: مادام ذلك كذلك، فكيف تظهر البكتريا المؤقتة؟ وما توابع تواجدها؟ وهو ما يقودنا للنقطة التالية في هذا السياق.

البكتريا المقيمة تسيطر على الأوضاع في البيئة المهبلية إلا في حالتين: حالات المرض أو الإصابة الوبائية بالإضافة إلى فترة سن اليأس. ففي حالات المرض والضغوط النفسية والعصبية، واضطرابات التغذية، والحمية الغذائية القاسية، وتناول المضادات الحيوية فإن ذلك يؤثر سلبًا على البكتريا المقيمة، إذ إن المضادات الحيوية تقتل البكتريا كلها المقيمة منها والمؤقتة على حدٍ سواء؛ مما يؤدي لظهور سريع وخاطف ومؤقت للبكتريا المؤقتة في البيئة المهبلية، وسرعان ما تعاود البكتريا الطبيعية إحكام قبضتها على البيئة المهبلية وطرد الغزاة. هذا شيء جيد، ولكن المؤسف أن السيدات في فترة سن اليأس يتعرضن لمشكلة قوية فيما يخص البكتريا المقيمة، هذه المشكلة هي جفاف المهبل.

يعد جفاف المهبل من المشاكل المعتادة لدى السيدات في مرحلة سن اليأس، وقد أثبتت الدراسات أن ما يقرب من 50% من السيدات في هذه المرحلة بالإضافة إلى 10 – 20% من السيدات قبل مرحلة سن اليأس يعانين من انخفاض مستوى الإستروجين؛ مما يترتب عليه تراجع نمو وتمايز الخلايا المهبلية أو ضمورها، ويواكب ذلك نقص إنتاج الجليكوجين. وقد يسأل القارئ العزيز: أراك انتقلت من الحديث عن البكتريا المقيمة إلى موضوع منفصل، فهل هذا منطق؟! والجواب أننا في ذات الموضوع ندور، إذ إن الجليكوجين يمثل الغذاء الذي تغتذي عليه البكتريا المقيمة، وندرة الغذاء تعني بالطبع ضعف أو حتى ندرة إنتاج البكتريا المقيمة للحمض، وهذا الحمض بما أنه يقوم بدور المطهّر والمعقم فإن نقصه سيسمح للبكتريا المؤقتة بأن تعيث فسادًا في البيئة المهبلية.

تنقسم الخلايا الطلائية المهبلية لثلاثة أنواع رئيسة وهي (Parabasal cells, Intermediated cells, Superficial cells) بالإضافة لأنواع أخرى من الخلايا هي Erythocytes, Neutrophiles, Foam cells وبانخفاض مستوى الهرمونات الأنثوية خلال فترة سن اليأس فإن سلسلة من الخطوات تتم في تتابع يشبه تتابع قطع الدومينو، والذي يمكن إجماله على النحو التالي:

انخفاض معدل نمو وتمايز الطبقة الطلائية المهبلية.

ضعف سمك الطبقة الطلائية المهبلية، وضعف الإفرازات المرطبة للمهبل.

ضمور المهبل Vaginal Atrophy وبتكرار الضمور يحدث جفاف المهبل Vaginal Dryness.

تراجع إنتاج الجليكوجين؛ مما يؤدي لنقص غذاء البكتريا المقيمة.

نقص محتوى بيئة المهبل من الحمض.

تغيُّر البيئة المهبلية من الوسط الحمضي إلى الوسط القلوي (القاعدي) الموائم لنمو الميكروبات الانتهازية.

التعرض للهبات الساخنة Hot Flushes والتقلبات المزاجية وآلام الثدي.

حدوث مشاكل مثل صعوبة التبول وآلام أثناء العلاقة الحميمة.

هذه الأحداث تجعل زيارة الطبيب المختص خطوة ضرورية ولا تحتمل التأجيل، فإن الإسراع بالتعامل مع مثل هذه المشاكل في بدايتها يمنع المضاعفات الخطيرة التي قد تنشأ جراء التساهل أو التسويف. ومن الضروري جدًا الالتزام بتعليمات الطبيب وعدم الإصغاء لمحترفي الفتوى بداعٍ ومن دون؛ حتى لا تجد السيدة نفسها فريسة لوصفاتٍ مهلكة أو ضحية لنصيحة غير مسؤولة. أشدد على هذه الجزئية إذ إن البعض يتطوع – دون أن يطرف له جفن – بالقول: يمكن التخلص من هذه الآلام باللجوء إلى العلاج بالبدائل الهرمونية، هكذا ببساطة! ويرتكز هؤلاء على حقيقة أريد بها باطل، وهي أن النباتات تحتوي على هرمونات طبيعية شبيهة بالإستروجين. صحيح أنه تم اكتشاف الإستروجينات النباتية عام 1926 وبتواصل الأبحاث وجد العلماء أن المستويات العالية من الإستروجين النباتي في نبات نفل المروج Trifolium pretense والمعروف بالبرسيم الأحمر، له تأثيرات خفيفة على خصوبة الأغنام.

علاج جفاف المهبل بالإسترويدات التخليقية ومنها Promestriene لا يخلُو من مخاطر صحية جسيمة ومنها احتباس السوائل تحت الجلد، وتحفيز مستقبلات الأورام مثل مستقبلات أورام الثدي؛ مما يجعل الإصابة بسرطان إثر استعمال هذه المستحضرات عالية الاحتمال. نسبة الإستروجين في الإنسان أقل منها كثيرًا في نفل المروج، كما أن خلافًا حادًا في الأوساط الطبية حول دورها في الإصابة بالجلطات وتحفيز نمو الأورام السرطانية لا سيما أورام الثدي؛ مما يوجب الابتعاد عنها ما لم يقرر الطبيب المختص خلاف ذلك. ولها تأثير على الحالة المزاجية للسيدة، فعلى سبيل المثال كان النازيون يحقنون الجنود بالإسترويدات بهدف جعلهم أكثر عدائية، فقرر الاتحاد السوفيتي حقن الرياضيين بعد ذلك بالإسترويدات عند اكتشافهم لما قام به النازيون.

هناك وسائل أكثر أمنًا يمكن اللجوء إليها لتقليل مشاكل فترة سن اليأس، ومن بينها استعمال منتجات البكتريا الصديقة للإنسان Probiotics وهي كائنات دقيقة تؤثر بشكل إيجابي على بيئة المهبل، وتعمل على استعادة التوازن الطبيعي بين البكتريا المقيمة والبكتريا المؤقتة. ويشترط فيها أن تكون مكوناتها طبيعية ومناسبة لبيئة المهبل (يفضل أن تحتوي على نسبة عالية من بكتريا اللاكتوباسيلس والتي تمثل 70 – 95% من بكتريا المهبل)، وأن تكون لها القدرة على الالتصاق بالخلايا الطلائية المهبلية، وأن تكون سهلة الاستخدام. ومن بين أشهر الأنواع الموائمة لهذه الشروط بكتريا اللاكتوباسيلس الحمضية Lactobacillus acidophilus والتي تمتاز بقدرتها على تكوين مستعمرات بشكلٍ سريع؛ مما يحقق حماية البيئة المهبلية من خلال التضاد المباشر Direct antagonism مع البكتريا المؤقتة، وتحفيز جهاز المناعة على التخلص من البكتريا المؤقتة عبر آليات متنوعة منها تنشيط ابتلاع البكتريا المؤقتة وتنشيط الخلايا القاتلة الطبيعية NK cells والخلايا المساعدة T لإعادة البكتريا المقيمة للبيئة المهبلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد