دخلت الإمارات عملية تطبيع تاريخية مع الكيان الصهيوني. تاريخية من الجانب الإسرائيلي بوصفها نقطة تحول في الموقف العربي، حيث حصلت إسرائيل على تطبيع علاقات دون تقديم أي تنازلات تُذكر. أما على الجانب الإماراتي فإن عملية التطبيع هذه جاءت ضمن إطار سلسلة من الأهداف التي سعت الإمارات لتحقيقها، بعد ما يسمى الربيع العربي. نناقش في هذا المقال الأهداف والمقاصد الإماراتية من عملية التطبيع واستراتيجيتها للوصل إلى هذه الأهداف.

سلسلة الأهداف التي تحركت الإمارات لتحقيقها هي قيادة الثورات المضادة في المناطق التي شهدت انتفاضات ضد الظلم والقهر، مثل مصر واليمن وليبيا. وكان التحرك الإماراتي مرهون برهاب «الإخوان المسلمين» ومنعهم من الوصول إلى السلطة. ومع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض اتجهت أنظار الإماراتيين إلى الرجل المُحب لإسرائيل بالفطرة. وعليه فقد نظر ولي العهد الإماراتي «محمد بن زايد» إلى ترامب مساندًا مهمًّا ومحوريًّا في تحقيق رغبات الإمارات بقيادة العالم الإسلامي والعربي. ومن منطلق جيوسياسي، تفتقر الإمارات إلى مقومات الدولة الإقليمية القائدة والتي تتألف من (جغرافية واسعة، عدد سكان مرتفع، اقتصاد صناعي وتكنولوجيا المعلومات). ضمن هذا الإطار سعى ابن زايد على مدار سنوات لتوطيد سيطرته في الإقليم من خلال البحث عن مقومات الدولة الإقليمية القائدة وعليه:

فأولًا: في سبيل كسب الجغرافية الواسعة اتجه نحو السعودية. واستمرَّ بدفع ولي العهد السعودي المتلهف للوصول إلى سدة الحكم نحو مغامرات ليس لها نهاية. وبذلك تمّ تحقيق هدفين الأول إزاحة السعودية عن قيادة العالم الإسلامي، والثاني هو تبعية القرار السعودي الخارجي لما يمليه ابن زايد. ويظهر هذا التأثير من خلال سماح السعودية لمرور الطائرة الإسرائيلية عبر أجوائها والانخراط المتهور للسعودية في اليمن، الذي انسحب القوات الإماراتية منه ولكنها الحاكمة الفعلية فيه بفضل تشكيل ميليشيات تابعة لها وتأتمر بأوامرها.

ثانيًا: ولتحقيق نفوذ قوي في دول ذات كثافة سكانية عالية يتجه ابن زايد نحو مصر والسودان. بوصفهما خزَّانين بشرييين مهم، ولذلك دخلت مصر في تحالف رباعي لحصار قطر، كما يسعى ابن زايد بشكل دائم لدفع الرئيس السيسي للتدخل المباشر في ليبيا لتحقيق أهداف إماراتية بحتة في منطقة نفوذ تركي واضح.

ثالثًا: ولتحقيق توازن اقتصادي مع كل من تركيا وإيران (القوى الإقليمية الفاعلة)، اتجه ابن زايد إلى إسرائيل بوصفها قوة اقتصادية لا بأس لها، فبالإضافة إلى القوة الإقتصادية الإسرائيلية القوية  تعد إسرائيل من أولى الدول التي تعتمد على تصدير تكنولوجيا المعلومات، ويبلغ رقم صادراتها من تكنولوجيا المعلومات ما يقارب 70 مليار دولار سنويًّا.

من وجهة نظر تحليلية، تدرك الإمارات تمامًا أن الوصول إلى المباركة الإسرائيلية وإدخالها إلى المنطقة والاستفادة من تقدمها التكنولوجي يواجه عقبتين يجب التحلص منهما:

العقبة الأولى: المقاومة الفلسطينية، وذلك لأن الجميع يعلم علم اليقين بأن المكونات الفلسطينية لن ترضى بأي عرض لا يوفر لها الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبالتالي يضمن قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، ويضمن حق العودة، ويضمن وقف الاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية من قبل إسرائيل. ولذلك لم ترهق الإمارات نفسها أبدا فتخلت عن أي شرط للدخول في مفاوضات تطبيعية، وبذلك اختارات شطب القضية الفلسطينية من أجندتها نهائيـ

ا. هذا بالطبع سيقوض مبادرة السلام العربية ويدفع بها إلى أدراج النسيان. الرسالة التي أرسلتها القيادة الإماراتية إلى السلطة الفلسطينية والمقاومة الشعبية هي بأننا غير معنيين بالمصالح الفلسطينية وبأن على الفلسطينيين الجلوس إلى طاولة المفاوضات قبل خسارة كل شيء؛

العقبة الثانية التي كانت تخشاها الإمارات: هي رفض شعبي-حكومي عربي لهذا التطبيع. تتذكر الإمارات جيدًا موقف أنور السادات بعد أن وقَّع اتفاقية سلام مع العدو الصهيوني في 1978 ومن ثم في كامب ديفيد في 26 مارس (آذار) 1979. حيث سعى الرئيس السادات لإقناع الرئيس الأسد بجدوى توقيع اتفاقيات سلام مع العدو، ولكنه قوبل برفض سوري قاطع. وعلى إثر عمليات التطبيع تمّ معاقبة القاهرة على موقفها هذا بنقل مقر الجامعة العربية إلى تونس ثم تم إيقاف عضوية مصر بالإضافة إلى مقاطعة البضائع المصرية، ولغوا كافة الرحلات الجوية المتجهة إلى مصر.

ولتجنُّب الموقف الشعبي العربي والإماراتي، دخلت الإمارات في عمليات حرب ناعمة خاضتها قبل سنوات من عملية التطبيع هذه. تقوم هذه الخطة على أساس دعم بعض الإعلاميين ووسائل الإعلام في منطقة الخليج للترويج لما يسمى الوجود الإسرائيلي في المنطقة ليس بوصفه عدوًا، بل بوصفه حليفًا. وتحركت الإمارات في استراتيجية ثابتة نحو دفع البحرين وعُمان نحو التطبيع مع إسرائيل، ومن ثم التحرك على مستوى أكبر من الضغط على السعودية والكويت لإدخالهما في عملية التطبيع مع إسرائيل.

إن المشاكل الداخلية (مشاكل العائلة الحاكمة والاعتقالات المتكررة للأمراء وإنخفاض أسعار النفط) والخارجية (حرب اليمن وقتل خاشقجي ومطاردة الجبري) التي تعاني منها السعودية، لا تسمح لها بمقاومة ضغط ثلاثي تمارسه كل من إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة. وإذا ما انخرطت السعودية في عملية تطبيع فستفقد موقعها على المستوى العربي والإسلامي.

ختام القول: إن عملية التطبيع الإماراتي- الإسرائيلي جاءت ضمن عملية واسعة استمرّت لسنوات وذلك لتعزيز الموقف الإماراتي وتحويره إلى دور قيادي. ولتخفيف وطأة ردة الفعل الشعبية داخل وخارج الإمارات سعت الإمارات إلى ترغيب الدول الخليجية للانخراط في عملية التطبيع مع إسرائيل. كل ما جرى ذكره أعلاه لم ولن يتفوق على إرداة الشعب الفلسطيني الحرّة، بل يجب أن يدفع جميع الفصائل الفلسطينية في الانخراط بحوار وطني جامع لمواجهة الأطماع الرامية إلى دفن القضية الفلسطينية. وستجد هذه الجهود آذانًا صاغية ودعمًا عربيًّا وإسلاميًّا من سوريا، ولبنان وإيران وتركيا وجميع دول المغرب العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد