فجَّرت سلسلة عمليات التطبيع الأخيرة الرأي العام العربي من جديد، بين رفض واسع وادعاء لتأييد شعبي عربي، كما ذكرت مصادر إسرائيلية، ونقلًا عن شبكة «BBC» أنه جرت مراجعة العديد من التقارير، واتضح ان الاستطلاعات الوحيدة المتوفرة بهذا الصدد، صادرة عن مؤسسات إسرائيلية.

وتدعي هذه المؤسسات أن نسبة لا بأس بها من مواطني البلدان العربية، يفضلون التطبيع مع الكيان الصهيوني، ووفق موقع «إسرائيل تتكلم بالعربية»، والتابع للخارجية الإسرائيلية، فإن السؤال حول قبول التطبيع طرح على ألف شخص في كل دولة من الدول العربية التي شملها الاستطلاع.

وللحديث عن التطبيع ومدى تقبل الشعب له يجب أن نتكلم أولًا عن مفهوم التطبيع/ Normalization، إذ يعرف بأنَّه جعل الشيء مناسبًا للظروف وجعله ملائمًا لأنماط الفعل الطبيعية، ويطبِّع/ Normalize الشيء تعني أن تجعله طبيعيًّا، عاديًّا، وذلك من خلال تكييفه مع الشروط الطبيعية. بعباراتٍ أخرى، إن التطبيع هو عملية تبديل حالة ما هو شاذ، غير مألوف، أو غير طبيعي، حتى يصبح طبيعيًّا ومألوفًا وعاديًّا. يُقصد بكلمة «طبَّع»، في معجم اللغة العربية المعاصرة، جعل الأمور طبيعية.

وبإسقاط هذا المفهوم على العلاقات الدولية: يمكننا القول إن تطبيع العلاقات بين الدول، يتمثَّل في الخطوات الواعية المقصودة باتجاه إقامة علاقات طبيعية عادية مع دولة ما، وهو بالفعل ما يُشير إليه معجم اللغة العربية المعاصرة في مادة «طبع» فيقول: «طبَّع العلاقاتِ بين البلدين: جعلها طبيعيَّة عاديَّة»،  وفي هذا السياق الدولي، فإن الطبيعي العادي، في الحد الأدنى، هو تبادل السفارات، ووجود علاقات دبلوماسية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وعسكرية، حتى لو كانت في حُدودها الدنيا. ويعد التطبيع نقيض «المقاطعة»، بمعنى الامتناع عن إقامة أي نوع من أنواع العلاقات والتواصل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والعسكري.

وبالتالي فإن التطبيع مع إسرائيل بهذا المعنى، يعني الدخول في اتصالات وعلاقات مخططة تهدف إلى جعل العلاقة معها علاقات طبيعية مناقضة للمقاطعة تمامًا. ويحمل التطبيع دلالة القبول بوجود إسرائيل بشكلها ونظامها وصيغتها الحالية الكولونيالية الاستيطانية العرقية، وكذلك القبول بدورها، وإيديولوجيتها، ومشروعها الاستيطاني الاحتلالي، وكذلك الحال القبول بواقع الفلسطينيين وحالتهم الشاذة تحت الاحتلال. وبالتالي التطبيع في معناه الواضح هو صفقة مباشرة مع الشيطان.

ولكن هل يعد التطبيع الذي تنقصه شرعية شعبية في كثير من الأحيان صفقة رابحة؟ أم خاسرة؟

تعدُّ مصر أوَّل دولة تعترف بإسرائيل، وذلك في معاهدة السَّلام المصريَّة الإسرائيليّة سنة 1979، ولقد فجرت هذه المعاهدة موجة غضب عارمة تجاه القاهرة شعبيًّا ورسميَّا في ذلك الوقت، وعلى الرغم من العلاقات الجيَّدة على المستوى الرسميِّ بين مصر وإسرائيل، لكنَّ تلك العلاقات لا تعكس مستوى التطبيع الشعبيِّ، فالرفض الشعبي واضح، فدائمًا تصطحب عاصفة من الجدل والهجوم بعد كلِّ زيارة لشخصيَّة مصريَّة لإسرائيل أو زيارات متبادلة مع السفير الإسرائيليِّ في مصر.

ومؤخرًا أعرب أكثر من 500 صحفي مصري. عن رفضهم للتطبيع مع إسرائيل عبر توقيع قرار بحظر التطبيع وطالبوا مجلس نقابتهم بتأكيد قرارات الجمعية العمومية للنقابة، وهذا لرفض التطبيع بكل صوره وأشكاله مع العدو الصهيوني، وتأتي هذه الخطوة عقب إعلان الإمارات تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

وتعد الإمارات ثالث دولة عربية توقع اتفاقية سلام بعد الأردن التي أقامت أول علاقة دبلوماسية مع الكيان الصهيوني عام 1994م وعلى الرغم من مرور كل هذا الوقت ما زال يسود رفض شعبي  في  الشارع الأردني تجاه أي خطوات للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

 وبينما تبدو العلاقات الإسرائيلية الأردنية آخذة بالتقارب، يتواصل الجدل القديم بين الحكومة الأردنية والمعارضة بشأن تقييم الاتفاقية. ومنذ توقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية للآن، يرفض غالبية الأردنيين التطبيع مع إسرائيل لا سيما سياسيًّا واقتصاديًّا، وينظرون إليه بوصفه تهمة تستحق الملاحقة.

ومن أبرز مظاهر الرفض الشعبي الأردني هو ما حدث في مايو (أيار) 2019م في الأردن، حينما أعلن عضو مجلس بلدية الكرك، خالد بقاعين، تقديمه استقالته احتجاجًا على استقبال رئيس البلدية سياحًا إسرائيليين ومساعدتهم في رحلة سياحية بالمحافظة. وعُقدت فعاليات شعبية اجتماعًا في مجمع النقابات المهنية في الكرك بحثت خلاله القضية التي أثارت غضب الرأي العام، وندد المشاركون بما أقدم عليه رئيس بلدية الكرك، وعبروا عن رفضهم أي محاولات تطبيع مع إسرائيل.

ولكن على ما يبدو أن الحكومة الأردنية تدعم التطبيع مع إسرائيل، فلقد أشادت بالخطوة التي أقدمت عليها  الإمارات والبحرين،  وأعربت عن دعمها لتوقيع اتفاقية السلام الإماراتية مع إسرائيل، والتي أطلق عليها اسم اتفاق إبراهيم.

تعليقًا على اتفاق السلام البحريني الإسرائيلي  قال وزير الخارجية الأردني إنه «يدعم أي جهد حقيقي يسهم في تحقيق السلام العادل والشامل الذي ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويلبي جميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفق حل الدولتين، ومستمر في العمل مع الأشقاء والأصدقاء لتحقيق السلام العادل الذي لن يكون دائمًا إلا إذا قبلته الشعوب».

و لكن استقبلت فئة كبيرة من الشعب الإماراتي والبحريني هذا التطبيع بموجة غضب ورفض كبير  حيث نشرت وكالة «AA» خبر أكدت فيه «الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع»، أن رفض الشعوب يجعل تطبيع دول عربية وخليجية مع إسرائيل «بلا قيمة»، حيث جاء ذلك في ندوة إلكترونية نظمتها الرابطة (شعبية مستقلة) عبر حساباتها بمواقع التواصل، تحت عنوان «المقاومة الشعبية الخليجية للتطبيع مع الكيان الصهيوني»، بمشاركة رموز خليجية.

وفي سرد للقضية الفلسطينية، أشار الناشط الإماراتي سعيد الطنيجي، إلى مواقف تاريخية في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وقال إن «السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1876- 1909م) يسجل له التاريخ موقفًا داعمًا لفلسطين». وأكد أن التطبيع الرسمي يفتقد للشرعية الشعبية. وفي تصوره للمستقبل الخليجي العربي بعد التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، قال الطنيجي: «نعول على صمود الشعبي في مواجهة التطبيع».

وطرح عدة وسائل لمواجهة التطبيع، بينها التحرك الفني والأدبي واستثمار الرفض الشعبي بمنصات التواصل، وتوسيع الرافضين للتطبيع وليس اقتصارها على الإسلاميين، والاتحاد مع الحركات الرافضة للتطبيع. ومن ناحية أخرى أيضًا أعلنت شخصيات بحرينية، رفضها اتفاق التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي أعلنته المنامة، واعتبر بحرينيون أن اتفاق الحكومة مع الاحتلال لم يمثلهم، ويعد نقطة سوداء في تاريخ البلاد، مذكِّرين بالمواقف الإيجابية البحرينية على مدار العقود الماضية تجاه القضية الفلسطينية.

وقالت جمعية «الوفاق» المعارضة في بيان لها، إنه «لا شرعية لموقف النظام البحريني من التطبيع مع إسرائيل» . وتابعت بأن «التطبيع مع الكيان الصهيوني تضادٌّ صارخ مع إرادة شعب البحرين وانقلاب على عقيدته المبدئية في رفض احتلال فلسطين وانسجام تام مع الإرهاب الصهيوني واعتراف له بحق قتل وتعذيب وتهجير إخوة الدين وأبناء العروبة وشركاء الإنسانية». وطالب سياسيون وناشطون بحرينيون حكومة بلادهم بمراجعة هذه الاتفاقية، التي تأتي خروجًا عن الإجماع العربي تجاه القضية.

و لكن هل هناك سبب واضح لهذا التسابق نحو التطبيع؟ هل فعلًا ستستفيد هذه الأنظمة العربية من امتيازات بعد تطبيع علاقاتها مع إسرائيل؟

على ما يبدو أن الأمر ليس كما يتوقعه الحكام العرب؛ فخيبة الأمل الأولى كانت بعد أن عارض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صفقة طائرات مقاتلة من طراز F-35 بين الولايات المتحدة والإمارات، وكان من شروط الاتفاق توقيع نتنياهو، حسب وسائل إعلام كثيرة، أنه نشأ لدى الإماراتيين انطباع بأن التطبيع من شأنه أن ينهي أية تحفظات لدى نتنياهو تجاه إتمام الصفقة، ولكن سرعان ما خاب أمل الإماراتيين عندما رد مكتب نتنياهو على مقال الصحيفة ببيان قال فيه: «إن اتفاقية السلام مع الإمارات العربية المتحدة لا تتضمن أية إشارة إلى مبيعات الأسلحة».

و على الرغم من أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، صرح بـ«أنه لن يكون لديه أي مشكلة في شراء الإمارات للطائرات المقاتلة F-35»، إلى أن الأمور ما تزال ضبابية، وما تزال الإمارات تجرب حظها عن طريق عرض مبالغ ضخمة مقابل هذه الصفقة.

حيث نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية عن فريدمان، سفير واشنطن في إسرائيل قوله، في مقابلة سيجري نشرها بالكامل لاحقًا، إنه حتى إذا أبرمت هناك صفقة بشأن بيع «إف-35» من الولايات المتحدة إلى الإمارات، فإن الدولة الخليجية لن تتسلم أولى الطائرات بموجبها إلا بعد ستة أو سبعة أعوام على الأقل.

لهذا من الصعب تحديد الفوائد المباشرة على وجه الدقة التي يمكن ان تستفيد منها الامارات وحتى البحرين من هذا التطبيع، على الرغم من تعزيز علاقاتهما مع واشنطن، وقد ينتج من الاتفاق مع إسرائيل فوائد اقتصادية وأمنية وعلمية كبيرة.

لكن هل يعد الرفض الشعبي فعلًا عقبة في طريق هذا الاتفاق؟

إن الرأي العام هو قوة ذات أثر كبير في حياة الناس اليومية وحتى في تحديد سياسات الدول يمكن للرفض الشعبي إذا جرى توجيهه بطريقة صحيحة أن يؤثر تأثيرًا كبيرًا في سياسات الدول وفي مدى استفادتها من هذا الاتفاق، فالقوة الشعبية متغير مهم لا يمكن التقليل من أهميته، فهو قادر على أن يؤثر تأثيرًا كبيرًا ويقلص من قيمة الاتفاق ومن الممكن أيضًا أن يحدث قلقًا واضطرابًا لدى سلطات وأجهزة الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد