أثارت موجة تطبيع بعض دول الخليج العربي مع الكيان الصهيوني جدلًا محمومًا في الأوساط العربية والدولية؛ في ظل رفض شعبي بارز تجاه أي تعامل من أي نوع مع الكيان الصهيوني. وعلى الرغم من وعي الشعوب العربية بخلفية الأسباب السياسية التي أدت إلى هذا التطبيع والنتائج المترتبة عليه، إلا أن تأثير هذا التطبيع على المناهج التعليمية في منطقة الخليج العربي سيشكل خطرًا بيداغوغيًا لا يقل في خطورته عن الأخطار الجيوسياسية المتوقعة.

فمن خلال عرض بعض التعريفات لمفهوم التطبيع، سنجد أن التطبيع العلمي والثقافي هو بوابة الانطلاقة نحو التطبيع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. حيث يرى «إبراهيم نصار» أن التطبيع ما هو إلا إقامة علاقات سياسية وأكاديمية وثقافية واقتصادية واجتماعية بين الاحتلال الصهيوني والدول العربية، ولكي ينجح هذا التطبيع يجب بناء علاقات طبيعية تبدأ أولًا بالمسار الثقافي والتعليمي. ويرى «زياد منى» أن نجاح التطبيع يستلزم أن يكون العدو في عقلنا وتفكيرنا أمرًا طبيعيًا وهو مايمكن تحقيقه عبر التعليم والثقافة.

ويضيف «المركز الديمقراطي العربي للدراسات» أن التطبيع العلمي والثقافي هو أبشع أنواع التطبيع لأنه يروض عقول أجيالنا على تقبل فكرة التعايش مع المحتل والقبول بشروطه القمعية والإجرامية، بالإضافة إلى ترسيخ حالة الانبهار بالإمكانيات التعليمية والقدرات الأكاديمية للكيان الصهيوني.

ولعل تغيير المناهج التعليمية هو أول وأبرز خطوة لتوطيد وإنجاح التطبيع التعليمي والثقافي. فالمناهج التعليمية الحالية في ظل ثورة تكنولوجيا التعليم لم تعد تلك المواد الدراسية التي يدرسها الطالب، ولم تعد مجرد خبرات أو ممارسات صفية يمر بها الطالب في مدرسته. فوفقًا للدكتور إبراهيم يوسف العبدالله، تطورت المناهج التعليمية لتصبح منظومة معارف وسلوكيات تعتمد على التفكير الناقد والإبداعي، وتفجير الطاقات الذاتية للمتعلمين، وتطوير بيئات التعلم والتنوع في الجوانب التربوية، بالإضافة إلى التقويم التكويني الأدائي للمتعلمين. ومن ثم تكمن الخطورة في استغلال هذه المميزات العصرية للمناهج في ترسيخ التطبيع العلمي في أذهان طلابنا، بدلًا عن توظيفها لخدمة قضايا الأمة.

وسيصبح الأمر أشد خطورة حينما نلقي نظرة على التوجهات العنصرية في المناهج الإسرائيلية التي سيفرض علينا التطبيع تقنينها جميعًا أو جزء منها في مناهجنا العربية. فقد أورد خليل السواحرى وسمير سمعان في كتاب لهما بعض الجوانب العنصرية في المناهج الإسرائيلية مثل نظرتها إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدين بأنهم أمراء حرب شنوا عمليات إبادة لتطهير شبه الجزيرة العربية من العرق اليهودي، فضلًا عن تصوير المعجزات النبوية على أنها أساطير وخرافات لا وجود لها من الأساس. بالإضافة إلى ذلك ترى المناهج الإسرائيلية أن الأماكن السياحية والطرق والمرافق في شبه جزيرة سيناء المصرية ماهي إلا نتاج مجهودات شاقة للإسرائيليين قبل انسحابهم من سيناء إبان حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. ومازالت المناهج الإسرائيلية تصف المملكة العربية السعودية بأنها دولة راعية للإرهاب الإسلامي تنفق أموالًا طائلة على دعم التنظيمات الإسلامية المتطرفة.

والعجيب أن هذه التوجهات العنصرية في المناهج الإسرائيلية لم تتغير حتى في ظل وجود اتفاقيات ومبادرات سلام سابقة مع الدول العربية مثل مبادرة كامب ديفيد 1978، واتفاقية أوسلو 1993، ومبادرة السلام بيروت 2000، ومبادرة السلام السعودية 2002. والأكثر وقاحة، يحرص التربويون الإسرائيليون على التقييم المستمر للمناهج الإسرائيلية للتأكد أنه لا يوجد أي تأثير لإتفاقيات السلام العربية على مضامين الكتب المدرسية قد يخل بالمبادئ الرئيسة العنصرية لهذه المناهج. فقد أجرى البروفيسور الإسرائيلي «داني بارل طال» عام 1997 تحليلًا تربويًا للمناهج الإسرائيلية في جميع المواد الدراسية لبحث التغييرات التي طرأت على هذه المناهج بعد اتفاقية أوسلو 1993، ووجد أن التغييرات التي حدثت كانت تجميلية وسطحية؛ إذ لازالت الكتب تبرز بطولة الشعب اليهودي وتميزه عن الشعوب العربية والإسلامية.

والأعجب من ذلك أن سياسة الاحتلال الصهيوني في التطبيع العلمي والثقافي ترتكز على مجموعة من المسلمات المستفزة أوردها تقرير صادر عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية عام 2008. فوقًا لهذا التقرير، يتخذ الكيان الصهيوني التطبيع العلمي ستارًا لحرف النظام العربي عن مساره وتضليل الهوية الفلسطينية للقدس المحتلة وتجهيل الأجيال العربية بتاريخ القضية الفلسطينية. كما يهدف إلى إعاقة حركة التطور العلمي والثقافي للتعليم العربي وتشويه التاريخ العربي والإسلامي لإفقاد الطالب الثقة في حضارته وتاريخه. وإذا نجح الاحتلال في ذلك، ستصبح السوق الإسرائيلية ملاذًا للخريجين والأيدي العاملة العربية، فضلًا عن نشأة أجيال عربية جاهلة غير واعية للأخطار المحدقة بأوطانها.

وفقًا لما سبق، تبرز خطورة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني على المناهج التعليمية العربية؛ وهو مايستدعي تدخلًا حكوميًا رسميًا بالحفاظ على الأسس العقدية والفلسفية العربية والإسلامية التي ترتكز عليها مناهجنا التعليمية. كما يستلزم ذلك جهدًا كبيرًا من الباحثين التربويين العرب لتقييم هذه المناهج بعد التطبيع ومحاولة الوقوف على التغييرات التي حدثت وتقييم مدى خطورتها على الثوابت العربية والإسلامية. كما يظل هناك حاجة إلى المؤسسات التعليمية غير الرسمية بتصميم مناهج بديلة تحافظ على الهوية العربية والإسلامية في حال سقطت المناهج الرسمية في فخ التطبيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد