خياران لا ثالث لهما، تضعهما إسرائيل أمرًا واقعًا أمام الدول العربية، للعيش بسلام في شرق أوسط جديد خالٍ من الحروب ويعمه السلام والطمأنينة على حد تعبيرها. مما يضع من يرفضون التطبيع في حالة حرب غير معلنة مع إسرائيل.

يصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتياهو، بتنطعه المعهود معلقًا على قضية التطبيع: «إذا كانت الدول العربية تريد الازدهار الاقتصادي فعليها بالتطبيع مع إسرائيل»، إذا ترجمنا هذه المقولة ونظرنا إليها من زاوية أخرى فستكون «التطبيع أو الدمار».

تصريح آخر لنتنياهو عقب الإعلان الرسمي لتطبيع بين الإمارات وإسرائيل يقول: «دول عربية لم تعد ترى إسرائيل عدوًّا وأن دولًا أخرى آتية للتطبيع قريبًا» فهل بات نتنياهو يعرف خفايا وأسرار الحكومات العربية أكثر من شعوبها؟

ستكون الإجابة بنعم عند سؤال أي مواطن عربي.

بعد عقود من الحروب الإسرائيلية العربية الهوجاء، جاء الوقت لتصبح إسرائيل صديقة العرب بعد أن كانت عدوًّا لدودًا، الفلسطينيون أنفسهم كانو أول المطبعين. فالسلطة الفلسطينية تتمتع بعلاقات رسمية، بل تعترف بإسرائيل دولة، في حين أنها ترفض تطبيع الدول العربية مع إسرائيل لتحقيق مصالحها الاقتصادية. وأستذكر هنا المثل الشعبي الجزائري «حلال عليك حرام عليا»، لماذا كل هذا الانزعاج الفلسطيني من التطبيع العربي الإسرائيلي وهم كانو أول المطبعين؟ ما الذي جنته الدول العربية من مقاطعتها لإسرائيل طوال هذه المدة غير الحروب والانقسام والخلافات العربية العربية؟

تتبادر هذه الأسئلة إلى ذهن عينة من المواطنين في العالم العربي ممن يرون أن التطبيع أصبح أمرًا واقعًا.

في الجزائر بوصفها دولة على الصعيد الرسمي ترفض التطبيع مع إسرائيل، على الرغم من اللقاء الشهير الذي جمع إيهود باراك وبوتفليقة في جنازة الملك المغربي الحسن الثاني، أما على الصعيد الشعبي فالتطبيع مرفوض جملة وتفصيلًا في تعبير عن التضامن القوي بين الشعب الجزائري ونظيره الفلسطيني.

الحيز الجغرافي الذي تولي له إسرائيل أهمية كبيرة في مسارها التطبيعي مع العرب، بعيد نوعًا ما عن الحيز الجغرافي الذي تقع فيه الجزائر، فوجود إسرائيل في المغرب العربي لا يقارن بأهمية وجودها في بلدان الشرق العربي التي تعدها إسرائيل خطرًا يهدد أمنها ويزعزع استقرارها.

التجارب العربية التطبيعية في المغرب العربي متنوعة؛ فالتجربة الموريتانية في التطبيع أبانت عن فشلها من جميع النواحي، خاصة الاقتصادية التي كانت تعول عليها موريتانيا آنذاك، لكن بالرغم من هذا فإن إسرائيل تحرص على وجودها غير الرسمي في المغرب العربي من بوابة تونس والمغرب، وتعده خطوة رمزية في سبيل مشروع التطبيع وتحقيق السلام.

عندما أعلنت الجامعة العربية مبادرة السلام العربية سنة 2002 عقب قمة بيروت، رفضتها إسرائيل رفض المطلقة لطليقها وتوعدت بأنها ستخترق هذه المبادرة وبنودها التعجيزية حسب القادة الصهاينة، فالمبادرة تقضي بانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان وإقامة دولة فلسطينية على حدود 67، مقابل تطبيع الدول العربية مع إسرائيل أي بمبدأ الأرض مقابل السلام.

مبادرة السلام العربية سقطت آخر أوراقها على مشارف الخريف ودق آخر مسمار في قلب كل مواطن عربي معادٍ لإسرائيل منذ أسابيع بإعلان تطبيع دولة الإمارات العربية المتحدة مع إسرائيل بشكل منفرد ومعزول عن مبادرة السلام العربي.

خطوة الإمارات مهما كانت خلفياتها ستليها خطوات أخرى مستقبلًا لدول أخرى تتودد لإسرائيل الازدهار الاقتصادي مقابل السلام.

على الصعيد العسكري لا يمكن مقارنة القوة العسكرية الهائلة لإسرائيل بأسلحتها المتطورة وصواريخها وبوارجها ودباباتها وتحكمها في تكنولوجيا الأسلحة النووية أمام الخردة التي تمتلكها الدول العربية من أسلحة قديمة وغير فعالة، والأمر هنا شبيه بمواجهة فأر لأسد، فتوازن الردع غير موجود أصلًا مع إسرائيل؛ مما يضع الدول العربية دون استثناء في مرمى الفوضى العارمة والمضايقات، وفي حالة ضعف عسكرية أمام إسرائيل النووية، وفي حرب مفتوحة غير معلنة.

بين التنديد والتأييد ثارت ثائرة الجماهير العربية على مواقع التواصل الاجتماعي منددين بالفعل الإماراتي خاصة منهم الفلسطينيين، وتبقى القضية الفلسطينية ضحية التجاذبات العربية الإسرائيلية وذريعة تستغلها بعض الدول العربية للتطبيع مع الكيان المحتل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل ستكتفي إسرائيل بالتطبيع مع الدول العربية وإقامة علاقات طيبة معها فقط؟ أم أنها ستتجاوز ذلك بالتدخل والسيطرة على هذه الدولة بل احتلالها عسكريًّا؟ لأن شرط إسرائيل الخفي هو التطبيع أو الدمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد