سعى كيان الاحتلال الإسرائيلي ومن يدعمه من القوى الغربية، لمحاولة تطبيع العلاقات مع العرب، لتحقيق أهدافهم في المنطقة من خلال غرس هذا الكيان الاستعماري الإحلالي الاستيطاني، وقد خضع ذلك لإستراتيجية طويلة المدى، استخدمت لها آليات متنوعة منها إخضاع العرب وإذابة هويتهم القومية والدينية، بهدف شرعنة وجود كيان الاحتلال كجسم طبيعي ضمن مكونات المنطقة، وليس مجرد كيانًا طارئًا.

ولذلك عمل كيان الاحتلال الإسرائيلي على بناء سياسة خارجية تتوافق مع ذلك التوجه، وابتكار أدواته الخاصة للوصول للغاية التي رسمها وخطها منذ بداياته الأولى، من خلال أربعة أسس:

التاريخ: حيث يتعارض التاريخ مع تطلعات كيان الاحتلال، بالتالي استوجب ذلك اختلاق واقع تاريخي يتناسب مع الرواية «الإسرائيلية» لأسباب الصراع مع العرب.

الحاضر: حيث يتطلب تفسير الحاضر وفق الواقع التاريخي المختلق، من خلال عرض مضلل للحقائق ومثل ذلك تجريم حق الشعب الفلسطيني في المقاومة.

الرأي العام: فقد تنبه كيان الاحتلال إلى ضرورة خلق رأي عام عربي مشوه، من خلال نزع منظومة القيم والمفاهيم العربية، وإحداث اختلال إثني وطائفي داخل المجتمعات العربية.

تسويق المستقبل: بمعنى أن مستقبل المنطقة قائم على السلام والعلاقات الطبيعة مع كيان الاحتلال الاسرائيلي.

الجذور التاريخية للتطبيع:

لم يكن بمقدور أي احتلال أجنبي أن يبسط سيطرته ويأمن وجوده على أرضٍ ما، دون تطبيع علاقاته السياسية والأمنية التي تشكل مدخلًا لتسهيل هذا الاحتلال، في محاولة إضفاء شرعية عليه عبر اتفاقات ذات طابع دولي تؤمن وجوده وتحفظ استقراره إلى أبعد وقت ممكن، وهذه صورة التسلل الصهيوني للسيطرة على فلسطين، وقد مر التطبيع الإسرائيلي مع العرب عبر مراحلٍ ثلاث رئيسية (الإيجاد والتكوين، التثبيت، شرعنة الوجود):

المرحلة الأولى: وهي مرحلة ما قبل قيام «إسرائيل» (الإيجاد والتكوين):

حيث أولت بريطانيا منذ أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر اهتمامًا عمليًا باليهود الوافدين إلى فلسطين، و ساهمت منذ افتتاح قنصليتها في القدس عام 1840 في تسهيل هجرة اليهود من شتى مناطق أوروبا الشرقية إلى فلسطين التي كانت تحت الحكم العثماني، ثم فتح قناة اتصال سياسي بين المنظمة الصهيونية العالمية بزعامة «حاييم وايزمان» والشريف حسين حول دعم الوجود اليهودي على أرض فسطين ورعت هذا التقارب، الذي تُوِّجَ باتفاق فيصل – وايزمان في يناير 1919، الذي أقر بتمتع اليهود الوافدين إلى فلسطين بحرية الحركة والتدين، وأن يُمنحوا جنسية ومواطنة عندما تًقَر الدساتير لذلك.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما بعد قيام «إسرائيل» (التثبيت):

عندما أعلن عن قيام «إسرائيل» عام 1948 رفضت الدول العربية هذا الوجود ودخلت حربًا مع الكيان الصهيوني، ولكنها خسرتها في نهاية الأمر لعوامل مختلفة، فوقَّعت عدد من الدول العربية اتفاقيات هدنة. وكان التوقيع لكل دولة منفصلة عن الأخرى (مصر، والأردن، ولبنان، وسوريا)، وتم بموجب الاتفاقيات الاعتراف الضمني بوجود كيان الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين وتحديد خط الهدنة الذي سمي بالخط الأخضر وتفويض الأمم المتحدة بمعالجة قضايا الحدود.

إلا أنه لم يذكر تميزًا للعلاقات العربية الإسرائيلية في تلك الفترة سوى الاتصال السياسي الذي أفرزته الاتفاقيات، ومثَّل ذلك فصل فلسطين عن عمقها العربي، بعد أن تحولت لقضية عربية عقب سقوط الدولة العثمانية و فصلها عن محيطها الاسلامي بموجب اتفاقية فيصل – وايزمان عام 1919.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ما بعد «النكسة» (شرعنة الوجود):

وتمتد هذه المرحلة من عام 1967، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، وقد مرت بتطورات كثيرة وكبيرة، بدأت بما يتعارف عليه بالنكسة عام 1967 التي تبعتها اتفاقيات كامب ديفيد عندما وقع الرئيس المصري أنور السادات عام 1979 «معاهدة السلام» بين مصر وكيان الاحتلال الإسرائيلي، التي تتلخص بما جاء بالمادة الثالثة من المعاهدة، التي نصت على: «يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية».

والتطور الثاني للعلاقات العربية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، جاء من منظمة التحرير الفلسطينية عند توقيع اتفاقية «أوسلو» عام 1993، والتي نصت أن يعترف كيان الإحتلال بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، مقابل إعتراف المنظمة بالكيان على 78% من الأراضي الفلسطينية. وبعد ذلك توالت الإتفاقيات والمعاهدات، كان من أبرزها معاهدة السلام «الأردنية – الإسرائيلية»، أو ما يعرف بإتفاق «وادي عربة»، التي تضمنت اعتراف كلا الطرفين بسيادة الآخر، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الطرفين.

ويظهر من خلال المعاهدات أو الاتفاقيات سابقة الذكر، أن عملية تطبيع العلاقات كانت مع كيانات بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي حالة من الصراع، الأمر الذي يفسر وصفها «بمعاهدات سلام»، لها أبعاد سياسية أُلحق بها جوانب اقتصادية، وما يميز هذه الموجة الأولى من التطبيع هو اتفاق العرب على ثوابت القضية الفلسطينية، وأن أي علاقات مع كيان الإحتلال الإسرائيلي يجب أن يتبع حلولًا تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.

ثم ما لبثت أن فَتَرَتْ عملية التطبيع، حتى عام 2020، وفيه التحقت أربع دول بمسار التطبيع، وصل بعضها إلى حد التحالف، والجدير بالذكر أن هذه الدول لم يكن بينها وبين كيان الاحتلال الإسرائيلي أي صراع مباشر، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول مشروع التطبيع الجديد.

مسارات التطبيع وأشكاله:

واستنادًا لما سبق عمل كيان الاحتلال الإسرائيلي على مسارات مختلفة تركز جهده فيها على الشارع العربي؛ لأنه الباقي وليس الحاكم، ورأى الكيان أن قبوله ككيان سياسي في المنطقة من قبل القادة والحكام والزعماء العرب لا يكفي كضمان لاستمراره وشرعنة وجوده؛ بسبب عدم استقرار الحكم في الوطن العربي، وعدم قدرة القيادات على تحقيق استمرارية بدون قوة المخابرات والبنادق والسجون. فالقبول من قبل هؤلاء يتهاوى مع تهاوي زعاماتهم وحكوماتهم، ومن السهل أن ينقلب القبول إلى رفض إن لم يكن الشعب قد سار في ركب التطبيع.

ويمكننا تلخيص تلك المسارات كالآتي:

التطبيع السياسي والأمني مع الحكومات العربية، والعمل من خلاله على عزل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي والإسلامي والإنساني، وهو أول مظاهر التطبيع بين العرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي من حيث أن عمليه التفاوض المباشر – خارج إطار الصراع – في ذاتها تعتبر جزءًا أساسيًا من عمليه التطبيع، والتمثيل الدبلوماسي الذي يعتبر أبرز انجازاته، أما أخطر مظاهر التطبيع السياسي هي العلاقات البرلمانية والحزبية، إذ تعود أهمية ذلك في تشكيل زيارات برلمانية وحزبية للكنيست في مدينة القدس المحتلة، وبذلك يكون المطبعين قد اعترفوا عمليًا بوضع مدينة القدس بأنها تحت السيادة الإسرائيلية. ولا شك أن تطبيع العلاقات السياسية والدبلوماسية من شأنه تهيئة الظروف أمام أجهزة المخابرات الإسرائيلية لاختراق المجتمعات العربية والأنظمة، وزرع جواسيسها ووكلائها تحت لافتات مختلفة.

التطبيع العسكري، بعد تطبيع بعض الدول العربية مع الاحتلال الإسرائيلي في مجالات متعددة، بدأنا نشهد تطبيعًا من نوع مختلف، لكن لا يتم الحديث عنه كثيرًا، وهو التطبيع العسكري الذي يراد منه تشكيل تحالف عسكري في المنطقة. ولقد اتخذ المسار العسكري للتطبيع أشكالًا متعددة منها المناورات العسكرية المشتركة وانشاء شراكات في الصناعات العسكرية.

والجدير بالذكر أن كيان الاحتلال الإسرائيلي يسعى دائمًا إلى ضمان تفوقه العسكري النوعي في المنطقة، لذا فإن أي علاقات عسكرية بين أطراف التطبيع سيكون المستفيد منها هو كيان الاحتلال الإسرائيلي، من خلال الانكشاف التام للقدرات العسكرية العربية؛ وهذا يتيح فرصة محاصرة المنظومة العسكرية العربية واختراقها ثم اعطابها.

التطبيع الثقافي، من خلال تطوير قنوات للتواصل مع الجمهور العربي لتغيير صورة الكيان الصهيوني العدوانية، ولا شك أن قادة كيان الاحتلال الإسرائيلي يدركون الفائدة الكبرى وراء انتشار الثقافة والأيديولوجيا «الإسرائيلية» في البلاد العربية، فاتفاقيات التطبيع التي تُوقع يظل تطبيقها مرهون بالشعوب، ولا بد من تهيئة الأجواء الكفيلة بدفع الشعوب العربية إلى التجاوب مع التطبيع والتعامل مع «الإسرائيليين» وإزالة كل ما يتعلق بالعداء تجاههم.

لذا، تعمل اتفاقيات التطبيع وفق ملحقاتها على أن تُزال من الكتب والصحف والمناهج الدراسية كل ما من شأنه أن يبدي «الإسرائيليين» كأعداء للأمة العربية والإسلامية، والاستعاضة عنها بصورة «الإسرائيلي» الطيب الذي يتعامل ببساطة، والتركيز على الجوانب الإيجابية للعلاقة مع الاسرائيليين.

وتلعب السياحة دورًا مهمًا في هذا الإطار، فهي تتصدر مجالات التعاون التي يعلق عليها أطراف التطبيع أن تعود عليهم بالفائدة الثقافية والاقتصادية على حدٍ سواء.

التطبيع الاقتصادي، من خلال الترويج لنظريات «السلام الاقتصادي»، وإذا كان التطبيع السياسي هو وسيلة كيان الإحتلال لتحقيق أهدافهم في المنطقة العربية، فإن إقامة علاقات اقتصادية تعتبر من أكثر المسائل أهمية في أي اتفاق بين اطراف التطبيع، فالكيان ينظر إلى خيرات العالم العربي وموارده الهائلة طمعًا في حل معضلته الاقتصادية التي تتمثل في فتح أسواق جديدة.

ومن جانب آخر، فإن الكيان يعتبر التطبيع الاقتصادي ضرورة لتعزيز السلام، فإذا كانت الضمانات الأمنية ونزع السلاح تمثل الضمانات اللازمة لفرض السلام، فإن التدفق الحر للسلع والأفكار يعتبران الدعامتان القادرتان على تعزيز التسوية وإكساب صيغ السلام المقبولة وفق التصور «الإسرائيلي».

التطبيع الإعلامي، وتطبيع التواصل عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، من خلال تصوير الصراع العربي «الإسرائيلي» على أنه صراع فلسطيني «إسرائيلي»، وله الكثير من المظاهر، منها الظهور في قنوات ومواقع ومنصات إعلامية صهيونية، والعكس، الأمر الذي يسهم بصورة أو بأخرى في كسر الحاجز النفسي مع الكيان الإسرائيلي وفتح نوافذ الاختراق الإعلامي.

وقد تسارعت وتيرة التطبيع الإعلامي، وظهرت في مواقع التواصل شخصيات مدفوعة من جهات عربية رسمية، بل تعدى الظهور على وسائل الإعلام الإسرائيلية مستوى الدعوة للتطبيع، بل وصل إلى استشعار الدونية في التخاطب مع الشخصية «الإسرائيلية» وتحقير مستوى الشخصية العربية أمامها.

التطبيع التكنولوجي، من خلال الترويج للتعاون التقني الذي يتفوق فيه الكيان وما يحققه من مكاسب للأنظمة الحاكمة العربية، وخصوصًا البرمجيات التي تمكن هذه الأنظمة من البقاء، حيث يشكل بقاؤها مصلحة إستراتيجية له.

ومن المنطقي أن يجبر التطور التكنولوجي الذي حققه كيان الاحتلال الاسرائيلي دول المنطقة على تبني برامج ذاتية لتطوير خدماتها التكنولوجية، وابتكار الحلول في المجال التقني لتكفل تقدمها وتضمن أمن شعوبها وحدودها، لكن سياسات وأنظمة حكومات المنطقة، رغم أنها تزخر بالثروات والموارد البشرية والطبيعية عاقت إحراز هذا التقدم واعتُبرت بيئة منفرة للبحث العلمي، وبذلك أصابها التأخر، وسمح للكيان بالتقدم بهذا المجال رغم صغر حجمه، الأمر الذي دفع بلدان المنطقة إلى استخدام المنتجات الإسرائيلية والتعامل مع الكيان بخاصة في الجانب الأمني الرقمي، واعتبر هذا التعاون فرصة ذهبية لتمهيد الطريق وتمتين التطبيع مع البلدان العربية.

كما اتجهت بلدان عربية إلى التعاون مع إسرائيل وبشكل سري في مجال الأمن المعلوماتي والتحري الاستخباراتي ومحاولة إجهاض بعض التجارب الديمقراطية في أقطار عربية، والوصول إلى بيانات بعض الشخصيات السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد