كتبت في تعليق على منشور لصديق إمارتي في أحد مواقع التواصل الاجتماعي على شكل هاشتاج #التطبيع_خيانة كان تعليقي مستفزًّا له فاستفاض حينها مني غضبًا: إن دائرة القرارات لها منفذوها ومتابعوها، ويعلمون ما خلف الكواليس السياسية أكثر من الأفراد وهم أدرى بمصلحة الوطن علينا، كما أن الحكومات عليها ضغط كبير للتطبيع لذا وجب لنا الطاعة لولي الأمر في العسر واليسر والمنشط والمكره، والسمع والولاء لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء:59].

فجاء ردي عليه كالآتي: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ممكن أن تكون طاعة ولي الأمر واجبة عندما يكون الأمر بالمعروف، أما الطاعة على انتهاك المقدسات وقتل المسلمين فلا طاعة لهم، وإذا كنت تفسر الآية بهذه الطريقة بحيث تكون الطاعة تامة في الصلاح والفساد في الإيمان والشرك، فماذا تقول في قوله تعالى: «وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا» [لقمان:١٥]؟ ولقوله صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

أنا لا أنكر تطبيع العديد من الدول العربية مع الكيان الغاصب، كالأردن ومصر لكن مع استنكار واضحِِ  وجدناه من شعوبهم على عكس الهرولة الشعبية في الإمارات والانبطاح للعدو الصهيوني، والتفاخر بهذا التطبيع، بل مع سواد وجوهكم وطول ألسنتكم ووقاحتكم  بالرد، وهذا ما استغربته وتعجبت منه في شعبكم بالإجماع الكامل، وكأنكم أظهرتم أخلاقكم للعيان.

أعي جيدًا أن الإمارات دولة ذات سيادة، وسيادتها تعطيها حرية التعامل مع دول العالم وفق مصلحتها، ولا تسمح لكائن من كان أن يتدخل في ما تقرر الإرادة السياسية والقيادية للدولة، لكن الشعوب أيضًا ليست بحاجة إلى تبرير أو نفاق لتمرير مشروع مفروغ منه وساري المفعول على أكبر شنب في المنطقة، كما أنه لا تهمنا الضغوط التي يمارسها رؤساء الدول علينا، يرحل الرؤساء وتبقى الكرامة والأوطان.

إن فلسطين هي جلد جسد الأمة وخط دفاعها الأول، فإذا أتلف الجلد تعرى الجسد للأعداء، أما القدس قضيتنا المحورية (المركزية) ليست قضية مصالح وعلاقات سياسية ودولية، وإنما قضية دين ومبدأ وأخلاق، فالكيان الصهيوصليبي قاتل للفلسطينيين، بل أكثر من ذلك سيقتل كل العرب والمسلمين أطفالًا ونساء ورجالًا لا يرقبون فينا إلًّا ولا ذمة.

أعتذر لكن عندما يتعلق الأمر بفلسطين الأم نحصر تفكيرنا الشخصي في زاوية واحدة، ونوجه البوصلة نحو النصر المبين، نحن ضد أي تطبيع مع العدو ولو طبعت جميع الحكومات العربية، تبقى فلسطين القضية المركزية للأمة الإسلامية وبوصلتنا دائمًا تشير إلى القدس، أما الكيان الصهيوني زائل لا محالة، وزواله بزوال من يحميه ذلك وعد الله ووعد الله نافذ لا مرد له، على قول الخامنئي «القضِيَة هي قضيَّة الشُعوب، وقد نُقشَت عَدم شَرعيَّة الكيان الصُّهيوني في قلبِ الأمَّة الإسلاميَّة، وليسَ بالإمكان إزالتُها».

التطبيع خيانة للدين والضمير وللإنسانية وهو استسلام مجاني والمطبع مع الصهاينة هو إنسان باع الأرض والعرض ودماء الشهداء وضيع المروءة والمبدأ، كما قال غسان كنفاني، رحمه الله، سيأتي يوم على هذه الأمة وتصبح الخيانة وجهة نظر.

مع الأسف ما كان باطنًا في الأمس أصبح ظاهرًا اليوم وبكثير من الفخر، صاروا يتبعون الكيان الصهيوني كالعبيد بلا مروءة ولا خجل وصولًا لبيع الدين وقضية الأمة.

إن التخلي عن فلسطين والوقوف موقف الحياد، لا ندعم كليهما أهون علينا من أن نضع يدنا بيد أعداء الله ونطبِّع معهم ونهدم بلدنا وأجيالنا القادمة.

الكيان الصهيوني لا يريد دولة فقط، هو يريد أن يعثوا في الأرض فسادًا ولا نرضى أن نكون وسيله لتحقق فساده، تطبيع العلاقات معه كاللعب بالنار إذا دخل بلدًا تغلغل وتدخل وسيطر، يصعب التعامل معه والأصعب إخراجه لتصحيح المسار، لذا حاول ألا تجعل البغض لليهود لنفسك، فقد تكون لم تتعرض شخصيًّا لخطر منهم، وقد تكون قد حصلت على منفعة منهم، ولكن اجعل كرهك لليهود لله ولرسوله وللأقصى ولدماء الأبرياء.

وجب علينا أن نعي جميعًا أن من كان مع الله أعزه ونصره ورفع شأنه، وأن من طأطأ رأسه وانحنى لأعداء الله أذله الله في الدنيا قبل الآخرة.

كيف لي أن أنسى صورة محمد الدرة وهو يحتمي بوالده، كما فلسطين تختبئ خلف ظلها، ومثل الإمارات التي  تختبئ في ظل التطبيع مع العدو اليهودي والأمريكي،  لقد رسخت في ذهني، شاهدتها وأنا طفلة حتى طبعت فيَّ حب الانتماء لهذه الأمة والإيمان بهذه القضية، في مثل هذا الشهر من سنة 2000 سبتمبر (أيلول)  تمامًا، وها أنتم اليوم تمدون يد السلام لقتلته، هو أيقونة الانتفاضة الباسلة ذاك الطفل الصغير ما زال محفورًا بمخيلتي شكلًا واسمًا.

أعتقد أن الإمارات هي شجرة الغرقد التي زرعها اليهود في الوطن العربي، فما تفعله هو انبطاحٌ وإنسلاخّ عن العقيدة السليمة بموالاة الصهاينة ومودتهم على حساب المسلمين، إذا كان تطبيع حكَّام الإمارات والبحرين بحجة السلام فهم لم يطلقوا سابقًا رصاصة واحدة ضد إسرائيل! وإذا كان تطبيعهم بحجة الحماية فهم محميون أصلًا من قبل أمريكا!

الهدف إذن هو تقديم أنفسهم كأبقار للحليب أمام نتنياهو ليواجه إيران بدلاً عنهم، لا مكان لصفقة القرن ولا قيمة لتطبيعهم، علمًا بأنها سوف تسعى إلى الترغيب بهذا التطبيع والدفاع عنه وإظهاره كآخر المراكب بميناء السلام، مع احتمال أن له أهداف احتلال من بعض الدول لبعض الدول، وتضييق الخناق للبعض الآخر. لذا علينا الحذر من الابن الضال لأن ابننا ضل وأصبح عدوًّا، يا لعنة الله على أمة باعت ضميرها خوفًا من جلادها، فليذهب للجحيم كل من يطبع وفقًا للمصالح، الخزي والعار للخونة ولمن باع القضية والمبادئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد