أن تتضامن مع القضية الفلسطينية وتدافع عن حقوق هذا البلد القدسي الطاهر ليس مرتبطًا بكونك عربيًا أو مسلمًا على وجه التحديد، فيكفي أن تكون إنسانًا تقف مبادئه سدًا منيعًا أمام الظلم والجور وسياسية النهب. على عكس ذلك خرج مصطلح التطبيع منذ بضعة عقود من منطقة الظل والخفاء و«التابو» ليصبح كلمة يتشدق بها الكثير من العرب دون أي شعور بالخجل أو الحياء في المنابر الإعلامية، وقد يرون في مواقفهم هذه دليلًا على أنهم من أصحاب البصائر الفذة، وأنهم ليسوا من أولئك الذين يرون حد أنوفهم في سبيل النهوض بدولهم والارتقاء بها إلى أعلى المراتب عبر التطبيع.

لم يتوقف هوس محاولة تشريع التطبيع في بعض الدول العربية وجعله مصطلحًا نمطيًا وعاديًا فحسب، بل تجاوز الأمر إلى تجسيد مشروع التطبيع في الأعمال الدرامية التي صورت الشعب الفلسطيني الأبي على أنه عالة أرهقت العرب منذ عقود. وفي أسوأ كوابيس وحدتنا العربية الهشة، لم نكن نتخيل أن يأتي يوم تسخدم فيه بعض الحكومات الشاشة التي تدخل كل البيوت العربية لبث سموم التطبيع على وجه التحديد، وذلك لأنه كان مسألة محسومة ولا تقبل أي نوع من اختلاف وجهات النظر والأخذ والرد، على حسب اعتقادنا على الأقل، ولكن يبدو أن بعض النخب والسلط السياسية لها رأي مغاير.

في واقع الأمر، بات هذا المجتمع العربي يتخبّط بين تمسّك البعض بالهوية والمعتقد وشقّ آخر يرى أن هذه العنتريات لم تعد تؤتي أكلها في هذا الزمن الذي أصبح فيه ثمن برميل نفط أو أنبوب غاز أغلى بكثير من أرواح البشر التي ما خلقها الله إلا لخلافته وتعمير هذه الأرض. وبشكل ما، يبدو أن شيطان المصالح السياسية له رأي آخر.

التطبيع هو «مصطلح سياسي يشير إلى جعل العلاقات طبيعية بعد توتر أو قطيعة حدثت لأي سبب كان»، ولسائل أن يسأل هل تخاصمت فلسطين وإسرائيل على مجرد جزيرة مهجورة مثلًا؟ أو هل توترت العلاقات بينهما بسبب هفوة دبلوماسية أو صفقة تجارية أو حتى مباراة كرة قدم  مثلما حصل بين الجزائر ومصر؟ لماذا ظل هذا الخلاف تحديدًا عالقًا في أذهان البشر وأصحاب الضمير ليبدو أنها قضية لم تسقط ولن تسقط أبدًا بالتقادم؟ لماذا لم يصل العالم إلى إجماع حول حق إسرائيل في بناء دولة على الأراضي الفلسطينية؟

ولأن الله جعل هذه القضية شعلة في قلوب الكثيرين لا تنطفئ مهما هبت عليها رياح أزماتهم والمشاكل العالقة في أوطانهم، ندد الجميع وآلم وجدانهم ما سمي ظلمًا وبهتانًا «صفقة القرن»، ذلك بالرغم من كل الخراب الذي حل بالعالم العربي بعد ثورة الياسمين وما تبعها من من تهجير وتفقير وحروب.

من المؤسف أن مبادئ الكرامة والعنفوان هما من سقطا بالتقادم عند الكثير ممن يسمون أنفسهم نخبة هذه الأمة وسر تقدمها. وتربط الكثير من الدول العربية علاقات متينة مع الكيان الصهيوني في الخفاء، الأمر الذي يجعل أبواق هذه الحكومات لا ترى أبدًا أي نوع من الحرج في التطبيع مع إسرائيل باعتبارها دولة كسائر الدول، وأن سياسية القرن الحادي والعشرين تحتم عليهم الانفتاح على هذا الكيان والتعامل معه في العلن، علمًا أنه لا يخفي على أحد أن إسرائيل ستكون صاحبة القرار والأمر واليد العليا وصاحبة الفضل في هذه العلاقات وليس العكس. هل تتوقع هذه الحكومات أن إسرائيل ستساهم في تطويرها وتحقيق ازدهارها الاقتصادي أو العلمي حتى تصبح لها ندًا في يوم من الأيام وتهدد تواجدها في الأراضي الفلسطينية؟ حسابات خاطئة لا أعرف إن كانت تنم على جهل بهؤلاء الناس أم حب في طعم الذل.

في بعض الأحيان، أقول في قرارة نفسي ماذا لو تجردت من كل هذه المشاعر القومية التي ترى في أرض البرتقال أكثر من مجرد أرض منهوبة، بل مسألة أن نكون أو لا نكون، وذلك لأنها بوصلة الحفاظ على الكرامة والشموخ والتاريخ.

فكرت في مسألة التطبيع من زاوية أخرى أكثر عقلانية واتزانًا بعيدًا عن العواطف التي أصبحت أبخس من حيث القيمة مقابل عملتي الدولار واليورو في هذا الزمن، فوجدت أن التطبيع معادلة سهلة لو تحققت بعض الشروط الرامية لجعله عادلا ومقنعا للطرفين، أليس من المنطق أن تعيد إسرائيل قراءة التاريخ لتعرف ما لها وما عليها؟ فلا يمكن بناء مستقبل دون رجوع للماضي ولملمة جراحه وإصلاح هفواته.

هنا ينبغي أن ننطلق من 1948، تلك السنة السوداء التي هُجر فيها المئات من الفلسطينيين من بيوتهم ليحط المستعمرون الجدد رحالهم على أراضيهم التي كانت تعبق برائحة البرتقال والياسمين الفلسطيني الأصيل. هل تضمن إسرائيل حق العودة لهؤلاء المهجرين الذي ذاقوا مرارة الاغتراب طيلة هذه السنين والذين ما زال من بينهم من يعيش دون جنسية ولا هوية في لبنان مثلًا، حتى نستطيع بناء علاقات صلبة ووديّة؟

طال الزمن أو قصر، هل لنا أن ننسى ذلك الطفل الجميل محمد الدرة المختبئ وراء أبيه يرتجف خوفًا في وطنه وأرض أجداده من بنادق جنود الاحتلال الصهيوني؟ قتلوه بكل برودة دماء أمام عدسات الكاميرا، هل يمكن أن ينسى ذلك الأب لوعة فقدان فلذة كبده أمام أعينه، موت يفكره كل يوم بأنه أب عاجز ولم يكن بيده حيلة لإنقاذ درته. هل تستطيع إسرائيل أن تمحي هذه المشهد القاسي من مخيلة أي إنسان بداخله ضمير ينبض بالحياة؟ حقيقة لا أظن ذلك، خاصة وأن الأطفال ما زالوا الفريسة اللذيذة التي تستمتع إسرائيل بقنصها خاصة في قطاع غزة، وذلك لتريح بالها من جيل جديد يقذف جنودها بالحجارة ويقول لهم هذه أرضي فمن أنتم ومن أين جئتم.

مجزرة صبرا وشتيلا، حيفا، القدس، بلد الشيخ، العباسية، الخصاص، العمود، الشيخ بريك، من يشفي تلك الجروح الغائرة التي مازالت عالقة في الذاكرة الفلسطينية؟ من يستطيع محو هذه التواريخ السوداء من الهوية الفلسطينية؟ هل تقدر إسرائيل على ذلك حتى نطوي صفحة الماضي ونصافح بعضنا البعض وكأن شيئًا لم يكن؟ مجازر جائرة حصدت المئات من أرواح الفلسطينيين ظلمًا وبهتانًا، جرائم جعلت العائلات تتمزق ما تزال إلى حد اليوم تبحث عن بقية أفرادها الذين تشتتوا في بلدان المهجر. هل بإمكان إسرائيل أن تعوض لأحفاد هؤلاء الضحايا اليوم عن ما شاهده وشعر به أجدادهم من بؤس ومشاهد مروعة؟

دائمًا ما كنا نعتبر الأدمغة النيّرة والقيمة الإنسانية الثروة الحقيقية لتقدم أي بلد في العالم، فكم رأينا من بلدان تعج أراضيها بخيرات النفط والغاز، ولكنها لا تتجرأ على اتخاذ قرار دون الرجوع إلى الولايات المتحدة. في هذا الإطار، لسائل أن يسأل هل يعلم المنادون والمتشدقون بالتطبيع كم من الرموز الفلسطينية قنصتها إسرائيل خوفًا من أن يحدثوا ثورة وتغييرًا يزعزع احتلالهم الهشّ، هل لنا أن ننسى منارة الصحافة والنضال الصادق صاحب رواية أرض البرتقال غسان كنفاني الذي اغتاله الموساد الصهيوني قبل أن يعود إلى حيفا مثلما كان يتمنى ويشتهي، فكنفاني كان علامة لم يشغله يومًا سوى استرداد الأرض من المحتل.

كان كنفاني سابقًا لعصره وكأنه يبعث برسالة إلى حكومات الدول العربية وأذيالها حين قال «كلام الجرائد لا ينفع يا بني، فهم – أولئك الذين يكتبون في الجرائد – يجلسون في مقاعد مريحة وفي غرف واسعة فيها صور وفيها مدفأة، ثم يكتبون عن فلسطين، وعن حرب فلسطين وهم لم يسمعوا طلقة واحدة في حياتهم كلها، ولو سمعوا إذًا لهربوا إلى حيث لا أدري». لم يتوقف إجرام الاغتيالات الإسرائيلية عند هذا الحد وكأن غليلهم لم يشف بعد، واصل الموساد إرهابه في حق أعلام فلسطين وخيرة شبابها ومنهم نذكر وائل عادل زعيتر والدكتور محمود همشري والدكتور باسل الكسيبي.

في الحقيقة، لا تستطيع مجرد تدوينة أن تختزل كل الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني على مداد عقود متتالية. في المقابل، لم يشعر هذا الشعب يومًا بكلل أو ملل تجاه قضيته وحقه في استرجاع كامل أراضيه المنهوبة، بالرغم مما لاقاه من خيانة وعمالة من بعض سياسييه الخانعين الذي لم يزيدوا الفلسطينيين إلا بؤسًا ومهانة. أمن المعقول أن البعض ما زال يتحدث عن ضرورة التعامل مع إسرائيل كأي دولة أخرى بشكل طبيعي، البلد الذي صلى فيه أطهر الخلق لا يمكن أن تتهود طال الزمن أو قصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التطبيع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد