عرفت العلاقات الكورية الشمالية الأمريكية في الآونة الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق وصلت حدته إلى حد تهديد إدارة ترامب بتوجيه ضربة عسكرية لكوريا الشمالية؛ مما جعل المحللين يتوقعون حربًا عالمية ثالثة تأتي على الأخضر واليابس، خاصة بعد تصريحات زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ، والتي وصفت بالمتهورة والخطيرة، واستعراضه لقدرة بلده الصاروخية ماعرف بموسم استعراض القوة بين بيونغ يونغ وخصومها في الجنوب والغرب.

من هنا تطرح العديد من التساؤلات حول مدى قدرة كوريا الشمالية على التصعيد في ظل قرار مجلس الأمن الأخير بفرض عقوبات جديدة ثانية عليها والتنديد الدولي بعد قيامها بإطلاق صاروخ باليستي جديد فوق اليابان وقيام كوريا الجنوبية بإطلاق صاروخين كردة فعل؟ وما مدى قدرة الصين على حل الأزمة الكورية الشمالية دبلوماسيا أمام تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن توجيه ضربة عسكرية ضدها؟

العداء القديم المتجدد

تعود جذور توتر العلاقات الكورية الشمالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان، حيث قامت أمريكا والاتحاد السوفيتي بتقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى قسمين قسم شمالي خاضع للاتحاد السوفيتي، وقسم جنوبي تابع للولايات المتحدة الأمريكية دون الرجوع إلى إرادة الكوريتين مما أدى إلى حرب بينهما في عام 1950 عندما قامت كوريا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية ما أطلق عليه الحرب الأهلية الكورية انتهت بتدخل الأمم المتحدة، والصين، ثم التوصل إلى وقف إطلاق النار في 1953 وفرض حظر اقتصادي على كوريا الشمالية.

منذ ذلك سعت كوريا الشمالية لتعزيز وتطوير ترسانتها النووية تحسبا لأي صراع أو تهديد ضدها حيث شهدت العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة محطات من التوتر والتصعيد، ففي 1994 كانت الأزمة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية بسبب المفاعل النووي في يونقبيون انتهت باتفاق توقيف نشاط المفاعل النووي، وفي 2002 تجدد التوتر بعد إعادة كوريا الشمالية لتشغيل المفاعل وإعلان انسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

في عام 2006 قامت كوريا الشمالية بإجراء تجربة نووية أدت إلى تأزم العلاقات من جديد بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية تم التوصل على إثرها إلى اتفاق بعد المحادثات التي ضمت كل من اليابان، والكوريتين، والصين، وأمريكا يقضي بمنح مساعدات، ومكاسب لكوريا الشمالية مقابل تخليها عن برنامجها النووي، لكن المحادثات توقفت في 2007، وزادت حدة التوتر في العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية في ظل إدارة جورج بوش خاصة بعد تصنيف كوريا الشمالية من بين الدول الراعية للإرهاب ما اصطلح عليه بمحور الشر (كوريا الشمالية، إيران، العراق).

في عام 2009 قامت كوريا الشمالية بإطلاق صاروخ طويل المدى بحجة حمل أقمار صناعية كما تم التصريح به من قبل النظام الكوري الشمالي قوبل باتهام أمريكا بأنه صاروخ باليستي طويل المدى تسعى من خلاله كوريا الشمالية إلى تعزيز برنامجها النووي وليس لأغراض علمية سلمية، هذه الخطوة أفرزت فرض عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية وردة فعل شديدة من قبلها وصلت إلى حد إعادة تشغيل المفاعل النووي وطرد المفتشين الدوليين.

في 2010 اتهمت أمريكا كوريا الشمالية بضلوعها في حادثة غرق السفينة الحربية تشيونان، وامتلاكها لصواريخ باليستية.

في 2012 أبدى الرئيس الكوري الشمالي كيم يونغ الذي خلف والده عام 2011 نية بلاده بتوقيف تجاربها النووية مقابل الغذاء، وأصدر مجلس الأمن في 2013 قرار يطالب فيه كوريا الشمالية بوقف برنامجها النووي أدى إلى تصعيد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإعادة تشغيل المفاعل يونغبيون من جديد، ووصفها لأمريكا أنها العدو اللدود لكوريا الشمالية، في حين قامت أمريكا بأجراء مناورات مع كوريا الجنوبية ونشر قواتها في إقليم غوام زاد من الغضب الكوري الشمالي، انتهت هذه الأزمة باتفاق بين الكوريتين في سبتمبر 2013 وإعادة فتح المنطقة الصناعية كيسونغ.

هذا وقد فرضت عقوبات اقتصادية أخرى من قبل مجلس الأمن على كوريا الشمالية في فيري 2013 بعد إطلاقها للقمر الصناعي كوانج ميونج سونج 3 وإجرائها لتجربة نووية وصف على إثرها الرئيس الأمريكي باراك أوباما العمليات الكورية الشمالية بالاستفزازية، كما صرح الكونغرس الأمريكي أن كوريا الشمالية تمثل تهديدًا للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة ما تمتلكه من صواريخ باليستية بعيدة المدى.

في 2015 زادت حدة الحضر الاقتصادي على كوريا الشمالية بعد هجومها الالكتروني على منتجات كورية الجنوبية “سوني” بسبب الفيلم الساخر ضد الرئيس الكوري الشمالي.

ردود فعل دولية متباينة حول الأزمة الكورية الشمالية وتداعياتها

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بتراجعها عن توجيه ضربة عسكرية لكوريا الشمالية في الوقت الراهن واعتمادها على دور الصين لإقناع كوريا الشمالية بوقف برنامجها النووي ولجوئها إلى مجلس الأمن لفرض المزيد من العقوبات عليها هذه الخطوة اعتبرها المحللين والخبراء أنها قرار صائب يجنب البلدين حربا عالمية ثالثة، وقد حذر وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أي قرار غير مدروس تجاه كوريا الشمالية. خاصة بعد قراره بتعزيز القوات الأمريكية في المحيط الهادي قرب شبه الجزيرة الكورية (المجموعة البحرية كارل فينسن) والتهديد بتوجيه ضربة عسكرية لكوريا مقابل وضع كوريا الشمالية لصواريخها طويلة المدى في حالة تأهب، واستعراضها لقذائفها الصاروخية.

تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية قدرة تدميرية هائلة، وبالرغم من ذلك ليس في مصلحتها خوض حرب مباشرة لهذا فهي تحاول فرض وجودها الدولي في المنطقة دون اللجوء إلى الخيار العسكري أي انتهاج سياسة التفوق خارج المجال وإعادة توازن القوى في المنطقة.

أما كوريا الشمالية تصنف أنها دولة فقيرة محاصرة ومنعزلة تحتمي بالصين مهما بلغت قدرتها الصاروخية ليست في مستوى مواجهة ترسانة أمريكا النووية وقدراتها الصاروخية المتطورة ولا تمتلك قدرة صاروخية عابرة للقارات لهذا يفسر المحللين والمراقبين هذا التصعيد بأنه رسالة لأمريكا واليابان وكوريا الجنوبية لأن الأسلحة النووية هي الضمان الوحيد للدفاع عن أمن كوريا الشمالية في المنطقة وليست لها نية مؤكدة في التخلي عن برنامجها النووي.

الدور الصيني

ترتبط الصين باتفاقية تعاون وصداقة متينة منذ 1962 مع كوريا الشمالية إذ تعد الحليف الأول لها هذا؛ ما يجعلها في موقف صعب بل أكثر حرصًا على إيجاد حل سلمي للأزمة، فهي لا ترغب في انهيار النظام الكوري الشمالي ليتحول إلى نظام موالي لأمريكا، كما أنها ليست مسؤولة للدفاع عن تهور الرئيس الكوري، فالموقف الصيني واضح ينحصر على تعزيز، وفرض نفوذها في إقليمها ولن تتخلى عن دعمها لكوريا الشمالية وإن كانت ضد البرنامج النووي الكوري الشمالي، وهذا ما يفسر تعليق رحلاتها الجوية إلى كوريا الشمالية حتى انتهاء الأزمة ووضع حد لبرنامجها النووي.

وتدرك الصين جيدًا أهمية الدور الذي ينتظر منها في حل الأزمة دبلوماسيا دون المساس بمكاسبها في مقابل مواجهة النفوذ الأمريكي والضغط على أمريكا لتفادي شرارة الحرب في المنطقة.

الموقف الياباني والكوري الجنوبي

ترى اليابان وكوريا الجنوبية في البرنامج النووي الكوري الشمالي تهديدًا مباشرًا لأمنهما ودعت كل منهما المجتمع الدولي إلى ضرورة وضع حد لهذا البرنامج النووي وتشديد العقوبات على كوريا الشمالية، هذا ماجعل مجلس الأمن يصدر قرارًا بفرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية رد عليها الرئيس الكوري الشمالي بإطلاق صاروخ باليستي بعيد المدى فوق اليابان حيث قامت على إثره كوريا الجنوبية كردة فعل بإطلاق صاروخين ردًا على إطلاق كوريا الشمالية واعتبرته تحديًا صارخًا لقرار مجلس الأمن وللمجتمع الدولي. هذا ما يفرض علينا طرح أسئلة جديدة تتعلق بهذه الأزمة

فهل سنشهد تصعيدًا جديدًا للأزمة، أم انفراجًا لها على المدى القريب بعد تشديد العقوبات وتحدي الرئيس الكوري لقرار مجلس الأمن؟ وهل ستنجح الصين في إيجاد حل سلمي يستبعد ضربة عسكرية لكوريا الشمالية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد