اعتمدت كوريا الشمالية دبلوماسية التلويح بامتلاك القوة منذ سنوات، حين اتخذت مبدأ التهديد بالاختبارات الصاروخية والنووية ضد جيرانها وضد الولايات المتحدة. إذا ما فشلت الاختبارات ستبدو ضعيفة، إما إذا نجحت، فستبدو خطيرة.

ثبت نجاح دبلوماسيتها رغم اقتصادها المنهار والمجاعة التي عمد النظام إلى إظهارها إلى العالم إعلاميًّا، بالرغم من كونها دولة مغلقة دكتاتورية وبوليسية لا يمكن اختراقها بسهولة، حيث تمد القوى العظمى كوريا الشمالية بالغذاء والمساعدات لغرض إقناعها بعدم تطوير الأسلحة. فتوافق كوريا الشمالية في بعض الأحيان على التوقف، ولكن بعد ذلك تستأنف أنشطتها النووية لغرض تعزيز موقفها سياسيًّا، فقد نجحت دبلوماسيتها في رفع مكانتها الإقليمية والدولية إلى حد جلوسها مع الولايات المتحدة واليابان والصين وروسيا وكوريا الجنوبية على طاولة المفاوضات في محاولة لإقناعها بعدم بناء أو تطوير أسلحة. وعندما يشتد الخناق عليها تعاود اختباراتها العسكرية وتدّعي أن اختباراتها موجهة إلى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، حيث يمثل الاختبار بحد ذاته تهديدًا.

ضعفاء مجانين وعدائيون يحملون سلاحًا مدمرًا

عندما انهار الاتحاد السوفياتي الداعم الرئيسي لبقاء النظام الشيوعي في كوريا الشمالية، مرت كوريا الشمالية في ضائقة اقتصادية شديدة. كانت هناك توقعات بأن نظامها سينهار قريبًا، لكنها لم تستسلم وكان هدف حكومة كوريا الشمالية بقاء النظام والاعتماد على نفسها في ذلك. دفعها الخوف والخشية من القوى الخارجية التي ربما تغزوها أو تدعم انتفاضة داخلية ضدها إلى اعتماد استراتيجية من شأنها أن تثني أي قوة عن محاولة تقويض نظامها. إن هذا الضعف الاقتصادي وانعدام الأمن الغذائي والعزلة الدولية التي تمر بها صاحبها قوة تهديد ذاتية مجنونة، حيث وضع الكوريون الشماليون منذ التسعينيات استراتيجية تظهر بها كوريا الشمالية بأنها عدائية وضعيفة ومجنونة في وقت واحد، حيث سخرت لها الدعاية وكافة الوسائل الحكومية لإظهارها بهذا الشكل داخليًا وخارجيًا، لتستمر بهذا المسار حتى وقتنا الحالي حيث نجحت في آخر المطاف من التقرب من الولايات المتحدة وفق صورة الضعيف المجنون العدائي الذي يحمل سلاحًا مدمرا، وأخيرًا تم لقاء الزعيم الكوري كيم جونغ أون مع الرئيس الأمريكي ترامب في سنغافورة من أجل الوصول إلى حل دبلوماسي، وهذا بحد ذاته نجاح لدبلوماسية واستراتيجية كوريا الشمالية في الحفاظ على نظامها حتى الآن.

أظهر الكوريون الشماليون أنفسهم على أنهم عدائيين من خلال الظهور بأنهم يملكون قوة مدمرة، في نفس الوقت وضعوا أنفسهم على أنهم ضعفاء اقتصاديًا ومنهارون لدرجة أنه بغض النظر عن مدى عدائيتهم، لن يكون هناك أي داعٍ لمحاربتهم لأنهم سينهارون على أي حال، وبينوا أنفسهم أيضًا على أنهم مجانين، من خلال دعايات النظام التي ترسم صورة تعكس ذلك المفهوم مما يعني أن استفزازهم سيكون خطيرًا لأنهم على استعداد للانخراط في أكبر المخاطر التي يمكن تصورها عند أدنى استفزاز.

عملت بيونغ يانغ على الظهور بصورة عدائية من خلال استعراض قوة الجيش الكوري الشمالي في قصف سيول. وقد حشدت المدفعية على طول الحدود، حيث يمكنها أن تدمر العاصمة الجنوبية نظريًا، بافتراض أن الشمال لديه ما يكفي من الذخيرة، وأن مدفعيتها تعمل، وأن القوة الجوية لم تدمر مدفعيتها الضخمة. لم تكن الرسالة أنها ستستهدف سيول، ولكن لديها القدرة على القيام بذلك. إن الدعايات التي أظهرت غموض وضعف وجنون وعدائية بيونجيانج كانت كافية لإثناء كوريا الجنوبية وحلفائها عن محاولة تقويض النظام، وإن تحركها في وقت لاحق لتطوير الصواريخ وتجارب الأسلحة النووية عزز من هذه الاستراتيجية حيث لم يكن هناك شيء يستحق حربًا نووية، لكن غضب وخوف النظام في آن واحد لمحاولة تقويضه من الخارج هو الذي دفع نظام كوريا الشمالية لهذه المخاطرة.

لقد حاولت العديد من الدول تقليد كوريا الشمالية كالعراق في السابق وإيران في الوقت الحالي، لكن الكوريين الشماليين أضافوا إليها خلطة رائعة: كونهم ضعفاء ويعانون من المجاعة، إن هذا التعامل الدبلوماسي لكوريا الشمالية الذي يمزج بين الضعف والعداء والجنون، رغم اقتناع القوى الخارجية بضعف قدرة كوريا الشمالية وعدم امكانياتها بشن هجوم لكنها لا تزال تشكل تهديدًا لهم وحيرة وحذر وجدل عندما يتم المقارنة بين ضعف وقوة كوريا الشمالية في آن واحد. إن الولايات المتحدة لا تخشى أسلحة كوريا الشمالية، لكنها تخاف على حلفائها كوريا الجنوبية واليابان من خطر التهديد الذي سيلحق بهم من جارتهم المجنونة.

إنهم مجانين، وعملوا على الظهور بمظهر لا يمكن التنبؤ بردة فعله، بالنظر إلى تهديداتهم وإطلاقهم للصواريخ التي يرافقها ضحكة الزعيم الكوري وعدائية جيشه والخطابات المتهورة، فهم على ما يبدو أنهم يرحبون بالحرب في بعض الأحيان، أكدوا أنهم كانوا مجانين عبر خطوات مثل غرق السفن الكورية الجنوبية بعد ضربها دون سبب واضح. وإطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات لغرض اختبارها والتي مرت من فوق اليابان وسقطت على بعد أميال في البحر بالقرب من اليابان، إنهم كطفل ضعيف وعدائي ومجنون يحمل سلاحًا مدمرًا ولا يمكن التنبؤ بتحركاته وأفعاله.

طالما بقي الكوريون الشماليون ضعفاء وعدائيين ومجانين، فإن أفضل شيء فعله هو عدم إغضابهم أكثر من اللازم وعدم المزح معهم. إن دور الضعيف والمجنون هو دور يمكن الحفاظ عليه من قبل كوريا الشمالية، لكن الحفاظ على دور العدائية أكثر صعوبة بالنسبة لها. فقد اضطروا إلى تجنب المبالغة في هذا الدور بعد اللقاءات التي حصلت مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة والضمانات التي قدمتها بعدم استفزاز الجيران بعد ذلك بأي مظهر عدائي وفقًا لكلمة وجهها إلى نظيره رئيس كوريا الجنوبية بعد زيارته التاريخية لها بعدم إيقاظه من النوم بعد الآن على إنذارات متعلقة بإطلاق صواريخ. نجحت كوريا الشمالية في الحصول على موقع مهم إعلاميًا وعالميًا من خلال التهديدات الخطابية يرافقها التجارب الصاروخية لتصبح تهديدًا عالميًا كبيرًا في أعين القوى العظمى وأعين جيرانها، لذا فإن الكوريين الشماليين ليس لهم مصلحة في ترك هذا الموقع على الأقل بعد نجاح إستراتيجيتهم في منع سقوط نظامهم لكن دون المبالغة به أو الرجوع إلى الوراء وخسارة ما تم الحصول عليه من نجاحات دبلوماسية في الوقت الحاضر.

الاحتماء بالتنين الصيني

اعتادت الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية التوجه إلى الصين دائمًا للتدخل وإقناع الكوريين الشماليين بعدم القيام بأي شيء طائش. لقد رسخ هذا النمط الدبلوماسي نفسه بقوة لدرجة أننا نتساءل عن الدور الصيني الحقيقي في الوقوف خلف كوريا الشمالية. ليتأكد لنا أهمية هذا الدور من خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها زعيم كوريا الشمالية الى الصين بالقطار لتبدأ بعدها المهادنة الدبلوماسية لكوريا الشمالية مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بمباركة الصين، حيث كانت الصين في السابق تتستر وتتغافل عن استفزازات كوريا الشمالية لجيرانها، فعندما يتأزم موقف الصين في نزاعاتها البحرية الإقليمية مع حلفاء الولايات المتحدة في بحار جنوب وشرق الصين، تستخدم الصين الرقص الدبلوماسي حين يطلب الأمريكيون واليابانيون من الصينيين التوسط مع الكوريين الشماليين. الصين سترحب فليس لديها ما تخسره نظرًا لأن الشمال قد فجر قنبلة نووية وانتهى الأمر. إلا أن الأمريكيين واليابانيين الذين يخشون بشكل رهيب من ما سيفعله الكوريون الشماليون الضعفاء والمجانين والعدائيون، سيكونون ممتنين للصين لنزع فتيل «الأزمة». مستغلة الصين في المقابل قضاياها حول التجارة أو الجزر الصغيرة المتنازع عليها،عندها تستخدم الصين قوتها لإجبار كوريا الشمالية على التوقف.

التلميذ الإيراني

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن دولًا أخرى قد تعلمت أسلوب العدائية والضعف والجنون من كوريا الشمالية. إيران هي أفضل تلميذ. لقد صورت نفسها بشكل مقنع بأنها عدائية عبر برنامجها النووي، وتتابع برنامجها الصاروخي إلى ما لا نهاية لتتوقف عندما يشتد الضغط عليها. كما يُنظر إليها باستمرار على أنها ضعيفة وتواجه باستمرار أزمات اقتصادية وحشودًا غاضبة من الشباب الإيراني، وسواء كان بوسع إيران أن تلعب دور الضعيف بمهارة مثل كوريا الشمالية، فإنها لا تزال غير واضحة، رغم رفض ترامب للاتفاق النووي وفرض العديد من العقوبات الاقتصادية على إيران، فهل ستستخدم الولايات المتحدة نفس الأسلوب الذي استخدمته مع كوريا الشمالية لغرض تركيعها اقتصاديًا، أم إن إيران عمدت إلى استخدام نفس أسلوب كوريا الشمالية لغرض الإبقاء على نظامها. نقاط الفرق اثنتان: إن إسرائيل ليست جارة لكوريا الشمالية فلن تسطيع طهران لعب الدور المتقن مثل كوريا الشمالية، وإن ايران لم تمتلك حتى الآن السلاح النووي مثل كوريا الشمالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد