نحن الجنوبيون نشبه الزجاج، وأنتم الشماليون تشبهون الإسنفج، لصق الزجاج ببعضه بدون إسفنج يكسره، الزجاج يجب أن يتوسطه الإسفنج لكي لا يكسر. *المقولة لزعيم من جنوب السودان.

أراد جون جارنج معالجة موضوع القبلية في السودان بمضمون هذه المقولة لأن أقصر طريق لمعالجة العصبية القبلية هو دمجها في واقع أكثر تعددية لتزول بالتدريج، جون قرنق كان يعلم بأن الأزمة الحقيقية في السودان ليست التهميش المضاعف للجنوبيين أو الحرب الدينية ضدهم، بل أزمة سياسية يعاني منها كل السودان، ولن تحل بالانفصال، بل بمواجهة النظام والضغط عليه بكل السبل لإزاحته وبناء سودان جديد.

هنالك مشكلة ما في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فهي تدخل أنفها في أمور خارجية بدون دراسة كافية للواقع الحقيقي في المناطق التي تتدخل فيها، وقبل أن أوضح عواقب تدخلها في شأن جنوب السودان أريد الإشارة لواحدة من أخطائها المتعددة في التدخلات الخارجية، وهو احتلال العراق، المعارضة العراقية تعاملت ببراعة واحتراف عاليين لإقناع الأمريكان بغزو العراق، وادعوا أن صدام يمتلك مشروعًا نوويًا وأسلحة كيميائية متطورة أمريكا صدقت الكذبة وغزت العراق، وليست هنا المشكلة الرئيسة؛ لأن إزاحة دكتاتور مثل صدام ستكون مستحيلة لو واجهه العراقيون وحدهم، وكانوا سيخسرون خسائر مضاعفة، وسوريا الآن خير شاهد، المشكلة أن أمريكا لم تواجه أخطاءها وقلة معلوماتها، وتنسحب من المشهد العراقي بعد الغزو مباشرة وتسلم الحكم للعراقيين، بل احتلت البلاد وتورطت أكثر بدون أن تفهم التعقيدات الدينية والطائفية في العراق؛ مما تسبب لها بخسائر فادحة حتى انسحبت من العراق.

مصيبة أمريكا في التعامل الخارجي أنها تتعامل مباشرة وحصرًا مع السياسيين من دون الرجوع لقطاعات المجتمع المختلفة، وأي سياسي لديه مشروع ما يستطيع بسهولة تمريره، وهذا ما حدث في العراق وجنوب السودان وبلدان أخرى.

حُسم مصير شعب كامل بتدخل أمريكي مباشر وراءه طلب من الحركة الشعبية وصفقة من الحزب الحاكم في السودان «مسألة الاستفتاء كانت شكلية»، استغرب كيف تصبر الحركة الشعبية على الحرب أكثر من 20 عامًا، ولا تستطيع أن تصمد أعوامًا قليلة في السلم لتحرير كافة السودان!

أستغرب كيف انقلب سياسيو الحركة الشعبية على رؤية جون قرنق بوطن جديد لا تفرض فيه أي هوية أو أي دين أو أي حضارة، فقط الهوية هي السودانوية، لتكون هي المرجعية والكل متساوون وممثلون بكفاءتهم! أندهش كيف تتدخل أمريكا في بلد لا تعرف عنه أي شيء. لا تعرف عن قبائله، ولا عن واقعه الاجتماعي المختلف، ولا عن قياداته القبلية ورموزه وعاداته وتقرر بكل سذاجة أن تفصله!

رؤية النملة أمريكا كانت في حدود قيام دولة الجنوب ولم تتوقع ما سيحدث في المستقبل ورؤية النسر قرنق كانت أبعد بعشرات السنين، فهو يعلم أن التعصب القبلي متجذر في جنوب السودان والوحدة حل بعيد المدى لهذه الأزمة وأزمات السودان المتعددة، والحركة الشعبية بالطبع تعلم كل هذا، لكنها اختارت الانفصال، ولم تواجه أزمة القبلية بمسؤولية، بل بالعكس ادعت أنها دولة ديمقراطية حديثة تحترم المساواة والتعدد حتى تبين للجميع رعونة رئيسها سلفاكير وغباء الحركة برمتها وتوجههم القبلي السافر.
النموذج الصومالي والإماراتي هو الأفضل لإدارة دولة جنوب السودان الآن، الاعتراف بالقبيلة وحجمها وتقسيم النظام حسب وزن كل قبيلة هو الضمان الوحيد ليهدأ هذا الشعب المتعب، ومسألة قيام دولة ديمقراطية حديثة ترف بعيد المنال حاليًا يمكن أن يأتي بالتدريج مستقبلًا.

لا يهم إن رجع الجنوبيون للشمال أو قرروا البقاء في دولتهم «هم أحرار في خياراتهم»، ما يهم هو إنسان جنوب السودان الذي عانى من حروب طاحنة وتهميش مضاعف لأكثر من 50 عامًا وما زال، ما يهم أن يكف سياسيو الجنوب عن الادعاء بأنهم سيبنون دولة قائمة على المساواة والكفاءة، هذا كلام فارغ وهم يعلمون جيدًا عمق أزمة القبيلة عندهم، ما يهم هو أن يبحثوا عن صيغة سياسية جديدة لحكم جنوب السودان تعترف بالوضع الاجتماعي القائم، ما يهم هو أن يرتاح شعب جنوب السودان ولو قليلًا من تعب الحرب وفتك القبيلة ورائحة الموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد