تراكمت القضايا والخطط والمصالح على كاهل الشعب السوري المستضعف، فلم يعد يعرف إلى أي جانب سيميل أو على أي برّ سترسو قواربه، وأعقد الظروف هي التي أحاطت بمنطقة الشمال السوري، التي كانت قبل  أربعة أعوام فقط ساحةً للصراع بين طرفين فقط، الثوار من جهة والنظام السوري من جهة أخرى، لكنها اليوم أصبحت في حال يعجز المتابع عن توصيفها.

منطقة شمال سورية هي المنطقة الممتدة من معبر ربيعة شرقا إلى معبر كسب غرباً ويشمل محافظتي حلب وإدلب بالكامل وأجزاءً من أرياف اللاذقية والرقة والحسكة، ويتواجد في هذه المنطقة جميع الطوائف السورية بلا استثناء ومختلف القوميات والإثنيات والتوجّهات ولعلّ ذلك هو الذي أدار عجلة التحالفات المتقاطعة والمتناحرة على أرض الشمال السوري.

تعتبر تركيا نفسها ومنذ زمن بعيد وقبل حتى حزب العدالة والتنمية أنّ شمالي سوريا والعراق هي تركة عثمانية، وإنّما فقدتها بتفاهمات ما قبل سايكس-بيكو، ويظهر ذلك جليا في تواجد قبر سليمان شاه في قرية قرة قوزاق في ريف حلب الشمالي على ضفاف الفرات، والذي أخرجت رفاته الحكومة التركية قبل فترة ولا زالت تؤكّد أنها ستعيد تشييد الضريح في مكانه الأصلي.

وكذلك فإن تركيا اليوم تجد نفسها أحقّ الدول بالتدخل في الشمال السوري لأنها تضم على أراضيها ملايين اللاجئين السوريين، وعشرات المخيمات التي شيّدت منذ ستة أعوام أو أكثر وقد حان الوقت لعودة السوريين إلى بلادهم لكن ضمن مناطق آمنة أو عازلة، وما دامت الأمم المتحدة والناتو ولا الجامعة العربية حتى خطت خطوات جديّة لتأمين هذه المنطقة وجدت تركيا نفسها مجبرة على رسم حدود المنطقة الآمنة بتحالف مع عدد من المقاتلين السوريين المحسوبين على المعارضة السورية تحت اسم درع الفرات.

وقد زاد من رصيد تركيا في التدخّل في الشمال السوري استيعاب حلفائها لمخاوفها من إنشاء كانتونات على أساس عرقي أو طائفي على حدودها الشمالية كدولة الخلافة التي أنشأها تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك كانتون الجزيرة الذي أنشاته قوات سورية الديمقراطية، كما يُضاف إلى الرصيد التركي التفاهمات التي توصل إليها مع الجانب الروسي وعلاقاتها غير المتوترة مع إيران.

تلعب تركيا على حبل إرضاء الجميع في الشمال السوري والتقارب من الكلّ، وهي ترسم خططها على مبدأ صفر مشاكل.

استطاعت تركيا أن تفرض وجودها في إدلب أيضا عبر نقاط رباط لها، واستطاعت أن تجتاز اختبار تغير المنهج القاعدي لدى تنظيم (فتح الشام) الذي استجاب مع الوجود التركي بالتعاون والتسهيل لهم، كما قامت هيئة تحرير الشام التي تشكل فتح الشام العمود الفقري لها باعتقال جميع الشرعيين والقادة الذي ينتمون لصفوفها، ولكنهم توعدوا الأتراك بالحرب.

والمعركة القادمة التي ستضيف موطأ قدم جديد لتركيا في الشمال السوري هي (معركة عفرين) المرتقبة، والتي ستشعل شتاءً ساخنا في المنطقة عموماً وليس عفرين لوحدها، فاليوم هناك قواعد عسكرية أمريكية في الشمال السوري تعكف على تدريب المقاتلين الكورد تحت ما يسمى (حرس الحدود) والمؤلف من ثلاثين ألف مقاتل أكثر من نصفهم من المنتسبين للأحزاب الكردية الانفصالية، ويبقى النصف الآخر ليمثل باقي الأعراق عبر استقطاب مرتزقة عرب وتركمان وآشوريين لإخفاء المد الكردستاني الذي يرسم للمنطقة وهدفه ضرب العمق التركي

إذا هي حرب باردة ولوي أذرع في الشمال السوري بين أمريكا وتركيا، وستستفيد تركيا كثيرا من المكون العربي في هذه المنطقة لو أحسنت التصرف وأجادت قيادة المركب بعناية، فأمريكا وقواتها وعملاؤها لا يزالون في طور التأسيس لتواجدهم وهم حتى اللحظة قوة احتلال وأمر واقع، ويمكن بسهولة قلعهم لأنّ مقاتليهم ليسوا من ذوي الخبرة القتالية العالية في حرب المدن والعصابات، وما كان انتصارهم على تنظيم دولة الخلافة أو ما يعرف بداعش، إلا بسبب الكثافة النيرانية الجوية، التي يمكن كسرها بالمضادات الجوية، أو بالاستفادة من الجو الشتوي بعواصفه وغيومه.

كما أنّ أبناء الجيش الحر الذين هجرتهم داعش من 2013 هم اليوم في غالبيتهم في جنوب تركيا، كما يوجد مجالس محلية للرقة في أورفة وعينتاب، ويمكن الاستفادة منهم في توحيد مشروعي الثورة السورية وحماية الأمن القومي التركي، وإنّي على يقين أن عرب الشمال السوري لو وجدوا الأسلحة النوعية فسيبدعون في كسر المخطط الأمريكي وإرجاع أمريكا صاغرة دون تدخل جندي تركي واحد.

تبقى المسألة السورية مسألة معقّدة جدا، وتبقى هناك أوراق ضغط دولية وإقليمية من وعلى جميع الأطراف، والسياسة الدارجة في هذه الفترة هي الحرب الباردة طويلة الأمد، والتي قد تؤدي إلى استنزاف جميع الأطراف، بالإضافة إلى دمار وخراب المجتمع السوري الذي صار هو الطرف الساخن الوحيد في جوقة الحروب الباردة على أرضه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات