لم يعد بالإمكان أن يضع المرء تصورًا واحدًا للوضع في أي شبرٍ في سورية، فمن الذي كان يتوقع أن قوات النظام الأسدي تدخل بأمان وتسحب جثث قتلى لها في اللواء 93 في شمال الرقة، بينما داعش تضرب في عمق الجنوب السوري في مدينة السويداء، فهذه الخارطة السورية لم تعد لحدودها أي معانٍ ولا عبرة لتقسيماتها أي عبرة، تتعدد الرايات التي تمر على كل بقعة منها.

كتبت قبل ستة أشهر تقريبًا عن الشمال السوري، وكان ذلك قبل معركة غصن الزيتون، وتحدثت فيها عن نية تركيا السيطرة على عفرين بأي ثمن، واليوم نتابع ونحن على أبواب معركة إدلب والتي يلفها الغموض وتتعدد الاحتمالات للوضع الذي ستؤول إليه آخر قلاع الثورة السورية.

قبل أن نتحدث عن إدلب يجب أن ندرك أنه من الخطأ ربط الثورة بكامل ثقلها بالعمل المسلح، وما السلاح إلا وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس واسترداد الحقوق، أما الثورة فهي قائمة فكرًا بالدرجة الأولى، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن نظام الأسد إن انتصر بالسلاح سيعيد الثورة لمربعها الأول، بل الأيام دول، ولا بقاء لظالم.

نعود إلى إدلب

في الفترة التي يسعى فيها الروس لكسب نفوذ إضافي على حساب الميليشيات الإيرانية، وفي الوقت الذي تُماطل فيه أمريكا في حل قضيتي تل رفعت ومنبج مع تركيا، يجب أن ندرك أن إدلب قد تكون محرقة للكثير من المخططات، فأمريكا اليوم أحرجت روسيا عندما أوعزت لميليشيات قسد أن تبدي رغبتها واستعدادها لدخول المعركة في إدلب إلى جانب قوات النظام، وذلك بهدف صناعة شرخ ما داخل التوافقات الروسية التركية، لأنه من المعلوم أن لا شيء يستفز تركيا بقدر تمدد أذرع حزب العمال الكردستاني واقترابهم من البحر الأبيض المتوسط.

لن نذهب بعيدًا في التعويل على الموقف التركي تجاه إدلب؛ لأن روسيا تدرك هي الأخرى حجم الخلافات التي تظهر على سطح العلاقات التركية الأمريكية، وهو وتر جيد للعزف عليه من قبل روسيا والضغط على تركيا أكثر فأكثر، ولا يغرنّك ما ورد من تسريبات عن الحزام السني والوصاية التركية عليه وغير ذلك من أمور لا يُمكن تصوّر حدوثها في ظل سياسة «صفر مشاكل» التي تنتهجها تركيا مع روسيا وإيران.

إذًا خارجيًا فنحن أمام صراع بارد بين حلفاء يكيد أحدهما للآخر، الأقل حظًا النظام السوري؛ الذي صار يمتد على مساحات من الأرض لا قبل له بحفظها، ومن الممكن أن يواجه مستقبلًا انفجارات عصبوية وميليشياوية في مرحلة الصراع على الغنائم إذا ما انتصر، فكل من يعمل تحت لواء الأسد يتحسس رقبته.

الخاسر الثاني هم الأتراك لأنهم باتوا يسيطرون على مناطق لا فائدة ترجى منها، وضيعوا الكثير من الوقت في طرد الـpkk من مدن عدة بينما هم اليوم على آبار النفط وعلى حدود تركيا من نهر دجلة أقصى الشرق إلى نهر الفرات غربًا، في مساحة ليست بالسهلة، فما تريده اليوم تركيا هو إزالة شبح العمال الكردستاني عن جنوب تركيا ولو كلف الثمن حلول النظام السوري مكان ميليشيات قسد، والخاسر الثالث هم جماعة قسد الذين يهيمون على وجههم في كل وادٍ بلا قضية بلا هدف بلا مستقبل واضح.

أما الروس والأمريكان فهم يرتقبون نضوج الكعكة كي يتقاسموها

نتكلم عن فصائل الثورة السورية في شمال سورية وإدلب بالذات؛ فنحن لا نجد إعدادًا حقيقيًا للمعركة، ويجب أن يتم اتخاذ تدابير هامة لضمان استمرار السيطرة على المنطقة وهي بإفراغها من المدنيين وتحويلهم مؤقتًا إلى مناطق درع الفرات وتركيا، وهذا سيكون ورقة قوة بيد تركيا أمام المجتمع الدولي لحسم المعركة ولمنع ابتزازها، ويجب طي صفحات الماضي بالكامل؛ وإن تمكنت الفصائل من انتقاء قيادات جديدة بغض النظر عن سلبيات وإيجابيات القادات الحاليين، لكن المعركة تفرض أن تتواجد وجوه جديدة لم تظهر للعلن زمن الخلافات الماضية ويسهل الالتفاف حولها والقتال من خلفها.

على كل حال إن الإشارات تدل على أن معركة إدلب لن تبدأ قبل عيد الأضحى القادم أو بالأحرى لن تبدأ حتى انتهاء شهر آب بأحسن التقديرات وهي فترة مناسبة للحديث عن إعادة اصطفاف وتموضع وبناء خطط واضحة ومناسبة وبحجم المعركة القادمة لذلك يجب:

  • فتح باب التطوع على مصراعيه والأولوية للثوار المهجرين من المناطق الثانية، وننصح بالاستفادة من تجربة داريا في حرب المدن.
  • يجب التركيز على الكمائن السريعة وتفخيخ الطرقات والتحضر لمعارك داخل المدن أو ما يمكن تسميته بمعارك الأشباح.
  • يجب بأي ثمن توجيه ضربة إما إلى ريف اللاذقية أو حماة ونقل المعركة إلى الداخل المحتل لإشغال العدو.
  • كما يجب التركيز على الجانب الإعلامي، فإن الضرب على يد أي جهة إعلامية مخذّلة مؤسسات كانوا أو أفراد هو خيار مطلوب، يجب أن تكون الحالة المطبقة في إدلب هي حالة الطوارئ ويجب ألا تخرج معلومة إلا من مصادر الفصائل الثورية المقاتلة فقط.
  • وآخر النقاط التي يجب الحديث عنها هي الانتباه إلى خطة روسيا في السيطرة البرية وهي الهجوم من عدة محاور وشق الصف جغرافيًا، مما يعني تقسيم المناطق، ثم فرض شروط الهدنة والتسليم على كل منطقة على حدة، فالقتال ضمن جبهتين أو ثلاث جبهات دون التنسيق هو مضيعة للجهد وتكرار لسيناريو الغوطة المؤلم؛ فلا يكفي أن تتغازل الفصائل فيما بينها كالغزل بين وائل علوان وحمزة بيرقدار في معركة الغوطة، ثم بعد أيام تُكال التهم على الأطراف كلها من الأطراف كلها، والشاطر فيهما من يخون صاحبه، هذا الأسلوب لن ينفع في إدلب، يجب أن تكون هناك وحدة في العمليات القتالية تحت أي مسمى، وهذا ما نتمناه بل نتوقعه أيضًا؛ ولعل الحفاوة التي لقيتها إشاعة جيش الفتح الجديد من قبل الناشطين ومؤيدي الثورة السورية لهي أوضح الأدلة على أن الناس هنا تتوق لوحدة الصف وتحنّ لأيام القتال تحت جبهة واحدة وراية واحدة، لأن القادم أسوأ فيما لو هُزمت الثورة عسكريًا، ومن يقاتل أخاه اليوم لأجل إقامة الشرع قد يضطر في الغد القريب أن يزاحم على أبواب مديريات الأوقاف ليرخص معهدًا لتعليم القرآن ولا يجد رخصة، فالله الله في ثورتنا وداروها يا أهلنا.

هذا ملخص ما ينتظر الشمال السوري مع أن الخيارات مفتوحة وأبواب التوقعات مشرعة على مصراعيها، ولا نستطيع أن نقول إلا أن القدر نافذ خيره وشره، وما لنا إلا الأخذ بالأسباب والإعداد ليوم الأحزاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد