للماضي حنين غريب يشّدنا إليه رغم أننا نعلم أن قسمًا كبيرًا منه كان شقاءً وبؤسًا، ولم يكن أبدًا جميعه شاعريًّا كما نراه الآن، فلماذا نحُّن إليه ونلتمس السبل لنبش الذكريات القديمة؟!

ولماذا لا يستطيع الإنسان أن يعيش فوق المائة أو المائتين؟ القصد أن يحيا هذا العمر واعيًا ومدركًا، مستمتعًا بقواه العقلية العادية. إذن لماذا يوجد قيد عُمري للبشر لا يمكنهم تجاوزه؟ وإن حدث تصبح الحياة رديفًا للخرف وتدهور القدرات العقلية، ويصبح الفرد عبئًا على نفسه قبل أن يكون عبئًا كبيرًا على من حوله؟! رغم أن هناك كائنات حية موجود تقترب أو تتجاوز هذه الأرقام وتلك الحدود العُمرية!

نحن ندري أن العقل، هو ما يميّز الإنسان عمّا سواه من كائنات حية نعرفها، لكنه أيضًا أحد عناصر شقاء المرء نفسه، ومُحدّد رئيسي لنهايته، وقيد كبير على بقائه على قيد الحياة.

دراسة قرأت فيها أن الإنسان لا يمكنه العيش أكثر من ثمانين عامًا قد تزيد بضعة سنوات أو تقل، لكن ثبت علميًّا أن هناك قيدًا عمريًّا لا يمكن للبشر تجاوزه، القيد رهن بنشأة الإنسان وتطوره، فلو عاش الإنسان وعمّر فوق المائة، واعيًا ومدركًا ما حوله لقضت عليه ذكرياته، ونغّص عليه ماضيه حاضره.

فالحنين للماضي آفة متأصلة بدواخلنا جميعًا، وإن تفاوتت حدتها لكنها أصل وظل ملازمان للبشر على الأرض، وكلما عمّر الإنسان أكثر، ارتد لذكريات الماضي كي تعينه على حاضره، أو كي يهرب بها من واقعه المرير، فالعلاقة قوية وطردية بين طول العمر والبقاء «بمستوى الإدراك والوعي الطبيعي» وبين الاستغراق في الماضي والانغماس في الذكريات.

حتى نصل لتلك النقطة التي ينفصل فيها المرء عن واقعه، ويعيش فقط في ذكريات محضة، وبذا تنتفي العلّة من وجودة وحياته، وبذلك فالقيد العمري يصبح هنا ضرورة.

لذا فقد  وعى البشر هذه المعضلة، وأدركوا أن الموت نهاية حتمية لعمر قصير الأجل، ويصحبه خرف ومرض مزمن إن طال عن حد معين، أدركوا هذه الحقيقة، فاستعاضوا عن طول العمر، بقدرة عقلية مكنّتهم من البقاء والخلود وتجاوز كافة الكائنات الحية المعروفة.

القدرة على البقاء وتحدي القيد العُمري، حدثت وتحدث من خلال ترك بصمات أصابع للبشر في أي مكان يحّطون فيه، بحضارات أقاموها، وآثار تركوها وراءهم، وبعبقريات أدبية وهامات علمية، غيّرت وجه البسيطة، لدرجة خُيّل أن الإنسان هو سيد الكون بلا منازع، والحق أنه وحتى اللحظة لم يظهر لنا مخلوق أو كائن حي آخر ينازع البشر في السيادة على الكون، وبالتالي فادّعاء السيادة تزامن مع صمت وإقرار مما نعرفه من كائنات حية، أو أخرى نجهل كنهها.

ونجزم أن سر الحضارة والوجود البشري، يتمثل في الرغبة الدفينة في تسجيل الإنسان الذكريات بعقله أولًا، وقبل تدوينها ماديًّا في صورة مكتوبة على الأحجار أو الرقاع أو الورق. فلم نر كائنًا حيًّا يحتفي بتاريخه كما يفعل البشر.

وما يزال الإنسان، يحن للماضي البعيد، وكلما تقدم به العمر ارتد طفلًا يقتات على ذكرياته بحلّوها ومرّها، وما يزال الإنسان يتطلع لحياة أطول ويرادوه حلم العيش دون منغّصات من مرض أو خرف عقلي.

وما يزال يحفر بأظافره ناحتًا آثارًا تدل على بقائه، ولتشير لمروره في هذا المكان أو الزمان يومًا ما. ليصبح المخلوق الوحيد على حد علمنا، الذي يصنع حضارة، ويترك آثارًا بعيدة كل البعد عمّا تتركه الكائنات الحية الأخرى من حفريات لعظام ورمم تكلّست بطول البقاء بباطن الأرض، فقط الإنسان من يسعى لترك آثار لتخلّد ذكراه، وتعوّضه عمرًا قصيرًا عاشه على الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد