يراودني كثيرًا في الآونة الأخيرة شعور بالحنين إلى الماضي (نوستالجيا nostalgia) تحديدًا إلى وقت ما قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى قبل وجود الهواتف النقالة (الموبايلات) في الوقت الذي لم يكن في مخيلة أي شخص أنه قد يأتي يوم يمتلك كل فرد داخل البيت الواحد هاتفًا خاصًّا به يكون نافذته على العالم أجمع يمكنه من خلاله فعل الكثير وهو في مكانه.

أود أن أخوض هذه التجربة، وأن أعيش حياتي أو على الأقل شبابي (وليس طفولتي المبكرة فقط) في هذه المرحلة أعرف هل كانت الحياة أفضل رغم صعوبة الاتصال أم أنها ستبدو أسوأ؟ فرغبتي في العودة ليست بدافع الفضول وحده، ولكنها أيضا رغبة في التخلص السوء الذي وصلنا إليه بالطبع ليست التكنولوجيا هي السبب في كل المشكلات والسوء الذي وصلنا إليه ولكنها تسببت في كثير منها. (طبعا لست في حاجة إلى أن أذكر أن للتكنولوجيا جوانب إيجابية عدة وهي السبب الأساسي في استخدامنا لها) كما أنها ساعدت في انتشار هذه المساوئ حتى وصلنا إلى تدني ملحوظ في كل شيء وذلك جنبا إلى جنب إلى انتشار مشكلات اجتماعية ونفسية وسياسية.

أصبح العالم كله مطلعا على بعضه البعض أو كما يقولون «قرية صغيرة» ومن ثم لم نعد نعاني من قلة المعرفة أو صعوبة الوصول إليها وإنما من كثرتها التي زادت على استيعاب الفرد الواحد وأصبحت المعلومة ملكًا للجميع ولم تعد حكرًا على أحد وأصبح الانتقال سهلا والتواصل والنشر فما كنت تعرفه من جريدة يومية أو أسبوعية أصبحت تعرفه بكل سهولة وأنت ممدد في مكانك، وهو الأمر الذي ربما أسهم في زيادة الحراك. وتحول دورك من البحث عن المعلومة الى العمل على التحقق منها لأن أبا من كان يمكن أن ينشر.

ولكون العالم قرية صغيرة، بل ربما بيت صغير أصبح الجميع يعرف كل شيء عن الآخر نتيجة الهوس بمشاركة أدق تفاصيل الحياة اليومية وبدأ يتداعى مفهوم الخصوصية وهو ما زاد من المقارنات، فالكل يقارن نفسه بالآخر وهذه المقارنات هي التي تسببت بدورها في مشكلات نفسية واجتماعية فكثرت حالات الاكتئاب حيث صار الجميع ناقما على حياته ولم يعد هناك من هو راضيا عن نفسه عن شكله عن حالته أو عن حياته. فقد ساهم نمط الحياة هذه في خلق «عالم السوبر» فلم يعد هناك أحد عادي أو يريد أن يكون عاديا الجميع أصبحوا خوارق في وسعهم فعل كل شيء وأي شيء، يفعلون في يومهم الواحد ألف شيء وشيء.

وأنت لا بد أن تواكب التريند (trend) وأن تلحق بالركب وإلا تخلفت عنه وأصبحت منبوذا إذ كيف تكون عاديا في زمن الخوارق؟! وهكذا تجد نفسك في دوامة لا توصلك إلى شيء، بل على العكس تنسيك من أنت وأن أيا ما تفعل هو لأجلك ولأجل سعادتك ومن حولك حقًا وليس افتراضيًّا.

لذا تذكر أنها مجرد عوالم افتراضية تظهر الجوانب المراد إظهارها فقط، والتي ليست بالضرورة كل الحقيقة أو ليست حقيقية بالأساس. وأن وجودك مرتبط بالعالم الحقيقي وليس مقتصرا على عوالم افتراضية وأن هدفك يجب ألا يقتصر على جانب افتراضي، بل أنت أعظم من ذلك ووجودك أهم من ذلك. فيكفيك أن تجد السلام وأن تتعايش مع حقيقتك وتستمتع بكونك أنت حقا سواءً كنت عاديًا أو خارقًا.

فليس من المهم أن تلحق بالتريند أو تجمع أكبر قدر من الإعجابات (likes) وأن تتهاون في سبيل ذلك بمبادئك ودينك. وألا تتجاوز الأدب أو تتخلى عن إنسانيتك لأجل زيادة عدد المشاهدات فتؤذي أناسًا أو حيوانات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد