كعادة كل رب أسرة، جلست متظاهرًا بالهدوء أمام قائمة الطلبات الرمضانية التي تمليها زوجتي، والتي تم تقليل عدد من البنود والأوزان منها؛ نظرًا للحالة الاقتصادية الجيدة التي نعيشها، وبعد الانتهاء من البنود الأساسية: ياميش ومكسرات وكنافة ولحوم وخلافه – توجهت بنفس الهدوء مستجيبًا لجذب يد ابنتي الصغيرة وإلحاحها في الطلب الرمضاني الشهير: «بابا أنا عاوزة فانوس».

في هذه اللحظة تناسىيت كل شيء، وصرت طفلًا صغيرًا، أمسكت بيد ابنتي وألقيت بقائمة الطعام ثم توجهت إلى محل الفوانيس؛ لأعيد ذاكرتي إلى الوراء أكثر من عقدين متذكرًا كيف كان يبدو محل الفوانيس في صغري، لكن التغير كان شاملًا وطوفانيًا؛ فالفوانيس لا تباع في محل بل هي في ركن رمضان في «الهايبر ماركت»، والفانوس تحول إلى «كرومبو» و«عروسة» و«توكتوك»، والصاج لم يعد صاجًا، والشمعة أصبحت «لمبة بحجارة قلم»، والأطفال لا يغنون بل الفانوس يقوم بهذه الوظيفة بصوت متكرر يبعث على الاشمئزاز والإزعاج، وبعدما كان الهدف من الفانوس هو التجمع بعد المدفع في الشارع أصبح دوره «الركن على الرّف» لنذكر أن هذا فانوس رمضان الماضي وهذا قبل الماضي وهذا قبله… وهكذا دواليك.

لكنني اضطررت لشراء ما قالت ابنتي عنه: «الفانوس ده حلو يا بابا»، وحاولت إقناع نفسي بأمرين: الأول أن ما بيدي يحمل لقب فانوس، والثاني أنه يستحق هذا المبلغ المطبوع على علبته والذي كان يساوي ثمن فوانيس أطفال الشارع كلهم في رمضان من رمضانات طفولتي.

وهنا بدأت ألحظ أمورًا لم أكن أهتم بملاحظتها قبل مشوار الفانوس، وتساءلت: كيف كان رمضاننا وكيف أصبح رمضانهم؟ ماذا كنا نتابع وننتظر، وماذا يتابعون وينتظرون؟

كنا نتابع بشغف مسلسلات الأطفال التي لم تكن تقلّ كمًا أو كيفًا عن مسلسلات الكبار، كنا ننتظر أيقونات رمضان الشهيرة: عمو فؤاد، بوجي وطمطم، فطوطة، بكار، المغامرون الخمسة، سلاحف النينجا، «باور رينجرز»، مدفع الإفطار، حديث الشعراوي، قرآن المغرب بأصوات البهتيمي وعبد الباسط ومصطفى إسماعيل، أذان المغرب بصوت محمد رفعت، ابتهالات النقشبندي، «رمضان جانا» بصوت عبد المطلب، الإعلانات بصوت طارق نور، زكية زكريا، الكاميرا الخفية، بدون كلام، بائع العرقسوس والسوبيا، البلح الناشف، فول و«بليييييلة سخنة»، المسحراتي بصوت سيد مكاوي.

كنا نتابع برامج الفنانين التي تهدف للترفيه عن المشاهدين لا الحديث عن فضائح المشاهير، و«الكاميرا الخفية» بمقالبها البسيطة التي تهدف للسعادة لا لإبراز شتائم الفنانين وإرهابهم والتعارك معهم، حينما كان المسلسل يتخلله إعلانات لا إعلانات يقطع تسلسلها مجموعة من مشاهد العنف والبلطجة والإدمان والرقص و«الهجص».

كنا ننتظر ألف ليلة وليلة، وفوازير شريهان ونيللي التي كانت تقدم أحدث ما وصلت إليه تكنولوجيا الخدع التصويرية، ورغم التطور التكنولوجي المعاصر لا توجد فوازير.

لا يزال أبناؤنا يستمعون إلى أغانينا ذات القيمة والبهجة والبساطة والتراث: رمضان جانا، حاللو يا حاللو، وحوي يا وحوي، أهو جه يا ولاد، مرحب شهر الصوم، الراجل ده هايجنني… وأين أغاني رمضانهم؟!

كنا نصنع الزينة بأيدينا من الورق القديم و«النشا»، فتحمل التعب والسعادة، ونعلّق لمبات الزينة وشرائط النور التي اختفت بفعل ارتفاع أسعار الكهرباء، كنا نتابع المسلسلات الدينية والتاريخية، وحاليًا نتساءل ونحن متعجبون: لماذا أولادنا بلا دين أو تاريخ؟!

أما بعد، كان رمضاننا زيارة وتهنئة، وليس مجرد «بوست على الفيسبوك»، كانت جملة «كل سنة وأنت طيب» تُقال شفويًا لا كتابيًا على «واتس آب»، كانت التهنئة بالأيدي وليست «لايك على صورة»، كانت تجمعنا مائدة الإفطار حول شاشة واحدة بثلاث قنوات، وفرّقتنا شاشات الهواتف والفضائيات، كنا نتابع إعلانات تعبّر عن العصر، وتبتكر، لا تسترجع ذكريات عصور مضت تحت مسمى «نوستالجيا»، تلك الكلمة التي توحي بأن العودة إلى الماضي هي سر النجاح والتجديد، كم كانت سعادتنا في إعلانات رمضان المعاصر برؤية نجوم رمضاننا القديم أو سماع أغانينا، وإذا سألت بعد أعوام: ماذا كنتم تشاهدون في رمضانكم؟ فسيقول أبناؤنا: كنا نرى إعلاناتكم ورمضانكم؛ فهم بدون إعلانات ولا رمضان.

فلنسأل عن أبنائنا: ماذا ينتظرون ويتابعون ويتعلمون؟ أين رمضانهم؟ ومن حوّله إلى هذا المسخ العبثي الخالي من أي روح إيمانية أو اجتماعية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد